لغز الحياة والسهل الممتنع .. بقلم: بروف مجدي محمود

الحياة سألت الموت يوما :  لماذا البشر يحبونني ويكرهونك؟
أجاب الموت : لأنك كذبة جميلة وأنا حقيقة مؤلمة …
العاقل من اتعظ بغيره واستلهم وقائعا تجري وتدور أمامه … فهو كمن يجلس لامتحان مكشوفة أسئلته ومعروفة نتائجه ، ولكن رغم ذلك ترانا متثاقلين ومترددين في التعامل مع هذه الأسئلة كما ينبغي وتتجاذبنا محطات هنا وهناك وتأخذنا رياح عاصفة تحجب عنَّا رؤية الحق الماثل أمامنا ، وتتنازعنا مشاعر تردد تجعلنا نحيد عن تلكم الرؤية الواضحة المعالم .. فهل هو غرور انسان تبارك الخالق البارئ في تصويره ووهب له كل ما يعينه في تلمُّس ذلك الطريق الذي يؤدي للحق الأبلج؟ أم هو قصور في فهم تلكم الأسئلة الموضوعة في الامتحان ؟ أم هي طبيعة البشر التي تُحدِّث صاحبها بأنه ما زال هنالك مُتَّسعا من الوقت لمراجعة الأسئلة ومحاولة فهمها قبل الجلوس لذلك الامتحان .. وأن الطريق ما زال طويلا للوصول لتلقِّي تلكم الأسئلة .. وعندها سيكون قد قام بالمراجعة المطلوبة  والتي تمكِّنه من استيعاب وحل كل الأسئلة كما ينبغي ؛ ولكن لم يدر بخلده أو تناسى أنه قد يجلس لذلك الامتحان دونما سابق انذار .. أو قد يجد نفسه مضطرا لمغادرة قاعة الامتحانات حتى قبل أن يجد الوقت الكافي لمطالعة الأسئلة فما بالك بمحاولة حلها ! إنه لغز الحياة …. السهل الممتنع ..
من سخرية القدر أن نجد البعض قد نصَّب نفسه  مشرفا على أسئلة الامتحان ، أو مراقبا لقاعة الامتحانات وإن كان هو نفسه لم يفهم تلكم الأسئلة جيدا ، بل قد يكون فهمه القاصر قاده لقرائتها من حيث أراد واستيعابها كيفما اتفق ! وقد تجد البعض من مراقبين تلك القاعة من هو يسير حيث يجرفه أو يدفعه تيار المصلحة الشخصية والبعض الآخر يتقمَّصه شعورا بأنه هو الذي بيده عملية تصحيح الإجابات ووضع العلامات .. إنها دنيا لا يملكها من يملكها كما قال الراحل القامة محمد مفتاح الفيتوري الذي رحل عنَّا قبل أيام ، وقد ظلَّ أصدقاؤه يجأرون بالشكوى وهم ينقلون لنا معاناته وتلك الظروف العصيبة التي يعيشها في أيامه الأخيرة وهو محروم حتى من جواز سفر يمكنه من التنقل أو العودة لبلاده؟! والأعجب من ذلك أن نرى الكل يتباكى عليه الآن ويتحدثون عن أشعاره الوطنية وشخصيته الصوفية الفذَّة ! إنها سخريات القدر وهو حال شبيه بحال الدنيا التي تستوعبنا ونعرف كل تفاصيلها التي تحكمنا في امتحان مكشوف ، ولكن يصعب علينا مراجعته بالصورة المطلوبة .. فقد كنَّا ندري بحال تلكم القامة السامقة ، ولكن لم نحرِّك ساكنا وظللنا في موقع المتفرج الذي يشاهد ولا يتفاعل ! لماذا دائما تسبقنا الأحداث ؟ وتقودنا الأهواء وتعبث بنا الأشياء ، فنظل في حالة صراع دائم ما بين الحق البائن والزيف الخادع …
تحدثنا قبلا عن حجم الفساد والصورة الكئيبة التي تطعن في شرف كل سوداني .. ألا وهي تلكم الممارسات التي تأتي بها بعض بنات السودان في إمارة دبي ! وقبل أيام وصلت أيضا بعض المعلومات المحبطة وهي تعلن عن سقوط شبكة أخرى وهذه المرة في أرض الكنانة ومع بنات دول عُرفت بمثل هذه الممارسات ، ولكن بلادنا لم يُعرف عنها قبلا سوى الأخلاق الفاضلة والعفاف ولم تسعى فتياته يوما ليأكلن بأثدائهن …ولكنه الزمن الأغبر حيث اختلطت الدفاتر وتناثرت الأوراق … لا أدري لماذا لا تحرك السلطات ساكنا ؟ ولماذا يتم تجاهل مثل هذه الأمور ؟ وكيف يتم السماح لهن بالمغادرة هكذا دونما ضابط أو رابط وهنا يحضرني أمرا حدث في منتصف التسعينات وكنَّا في رحلة أكاديمية عملية لإحدى الدول الاسكندنافية ومعنا إحدى الزميلات وقد تمَّ منعها من السفر وقتها ولم تتمكن من ذلك إلَّا بعد محاولات وجهد جهيد وتعهد من ولي الأمر رغم أنها في رحلة رسمية ! فلماذا تلاشت الآن كل تلكم الاجراءات وانعدم التدقيق ! قد يأتي من يقول بأنها الحرية ، ولكن ذكرنا قبلا بأنه يوجد خيطا رفيعا بين الحرية وبين ذلك النوع من الممارسات .. وكذلك قرائن الأحوال تحدِّث عن مآلات يمكن قراءتها قبل حدوثها ! ويحق لنا أن نتساءل عن دور السفارات والقنصليات ؟ وهي عالمة بكل هذه الأمور وتملك العديد من الوسائل والطرق لمنع هذا العبث .
ثم نأتي للمظهر العام وشكل السوداني وهو يسافر خارج البلاد مستغلَّا الطائرة من مطار الخرطوم وذلك أمر يطول الحديث عنه ويجعلني أتساءل بكيف يُسمح لشخص يغادر البلاد بتلكم الصورة وكأنه يتجول في منزله وهو يرتدي جلبابا أحيانا بطاقية وأحيانا أخر بدونها والجلباب أو (الجلابية) تجدها مفتوحة الأزرار وينتعل ( شبشبا) وتراه متجولا في المطارات بتلك الهيئة التي تعطي انطباعا عن شعب بأكمله ، وقد نحتاج لسنين طوال لإزالة تلكم الانطباعات السيئة من مخيلة من يرون هذه المشاهد وكما تعلمون فإن مطارا كدبي بدولة الإمارات يطوف به الملايين من مختلف أنحاء العالم والشخص الذي يغادر وطنه يُعتبر سفيرا له لحين عودته ؛ فلماذا لا نلتفت لمثل هذه الأمور ونضع لها الضوابط التي تحفظ هيبة البلاد ؟ لماذا دائما تسبقنا الأحداث وننتظر حدوث الكوارث لنتحرك بعهدها لننقذ ما يمكن انقاذه ؟ هلَّا اتعظنا من وقائع الزمن الخاسر واستشرفنا الأمل الواعد ؟!
وختاما نقول : ربنا عشقنا الحياة وأنت فانيها ، ونشتهي الجنان وأنت بانيها فارزقنا الرشاد كي نكون من ساكنيها واهدِ أنفسنا فقد عجزنا أن نداويها واجعلنا هادين مهتدين  .. والله المُستعان .

من عمود خبز الفنادك … صحيفة التغيير

magdimahmoudmohamedali@gmail.com
//////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً