لماذا إنقطع تواصلنا الحضاري في الماضي ؟ .. بقلم: محمد الـسيد علي

 

لا أعرف لماذا أغفلت دراساتنا ومنابرنا في تناولها لتاريخنا القديم ، موضوعا في غاية الأهمية ، بل ربما كان الأكثر إلحاحا في هذا الصدد وهو : لماذا إنقطع تواصلنا الحضاري مع العالم القديم في الماضي ، بحيث توقفنا عند نقطة معينة ثم تراجعنا فيما تقدم الأخرون ؟ وهو سؤال يقود بالضرورة إلى تساؤل أخر لا يقل أهمية وهو : أين ذهب ذلك الكمّ المعرفي الذي إكتسبه القدماء عبر تاريخهم الطويل ؟ إنه لحرّي بنا أن نقف وقفة مع الذات لنعري تلك الأسباب حتى نفهم تاريخنا بشكل أوسع وأشمل .

بدء لا خلاف على أن الحضارة السودانية حضارة ضارب جذورها في التاريخ وربما كانت الأقدم في هذه المنطقة بحسب معظم علماء الآثار . لقد إمتلك القدماء الكثير من المظاهر الحضارية التي تشهد عليها آثارهم الباقية ، فقد عرف أهل كرمه مثلا التخطيط العمراني بشكل متقدم منذ الآف السنين ، كذلك عرف القدماء التحنيط ومستلزماته من مستحضرات طبية وغيرها ، مباديء علم الفلك (نبتا بلايا) ، فخار كرمه الذي طبقت شهرته الآفاق ، صناعة البارود (الكهنة في المعابد) ، صهر الحديد (مروي) ، الخ… فماذا كان مصير تلك المعرفة ؟ البعض يرى أنّ هذه العلوم كانت قاصرة على الكهنة ولم تكن علوما مشاعة ، غير أنّ هذا الرأي يبدو غير دقيقا فمعرفة الكهنة كانت في بعض العلوم وليس كلها . ثم جاء العصر الوحيد الذي تفاعلنا فيه مع العالم الخارجي ، ألا وهو العصر المروي وحتى في هذه كنّا في خط التماس ، مثلما أشار (ستانلي بروستين) في المقال المترجم الذي نشرته هنا بعنوان (الهامش الهيلستيني: حالة مروي) . صحيح أنه ظهر تأثير في نمط المعمار في المعابد والقصور والتماثيل فرأينا التأثيرات الرومانية والإغريقية والمتوسطية (طريقة بناء الأعمدة ، الزخارف ، الكشك الروماني كمثال) ، بل وحتى شيء من التأثير الهندي في التماثيل التي تجسد الآلهة (معبد آبادماك – المصورات) ، غير أن كل ذلك توقف عند ذلك الحد ، ولعل أبلغ ما جاء به (بروستين) في مقاله ، ذلك الذي جاء في الخاتمة حينما أشار إلى أن إثيوبيا (إسم السودان القديم) توقفت من أن تصبح جزء من الأسطورة الإغريقية لتبقى جزء من سكونها باقي العصور السالفة .

فهل كانت مروي أخر تلك المحطات ؟ ولماذا توقف قدماؤنا عن التفاعل مع الثقافات الأخرى في الجانب التقني ، الهندسي ، المهني والحرفي ، حتى يكتسبوا العناصر اللازمة للمضي قدما في مضمار التقدم الحضاري ، هل أنكفأوا على ذاتهم ؟ هل غلبّوا الروحي على المادي مثلما ذهب (ديوب) في هذا الإتجاه ؟ أمّ كان إعتدادا بالنفس بأن لا يتقبلوا ما هو وافد ؟ هل ساهم ذلك في أن تكون اللغة الإغريقية التي سادت طويلا في العصر المسيحي في السودان كلغة مشتركة (lingua franca) ، في أن تكون قاصرة فقط على النصوص الدينية وبالتالي لم تحمل معها المعارف التي تفرد بها الأغاريق بعد أن نهلوا من حضارة وادي النيل وأستفادوا منها أيّما إستفادوا ؟ إنّ كل هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابة ، علما بأنّ الحضارة فعل تراكمي تزدهر بالتفاعل والتمازج مع الحضارات الأخرى ، ولقد رأينا كيف إكتسبت الحضارة الهيلينية الشهرة وتوسعت في محيطها حينما إمتزجت مع الحضارات الأخرى لتعرف فيما بعد بالحضارة الهيلنستية .

إذن هل يمكننا القول أنّ هذا الإنقطاع قد بدأ في الحقبة التي تلت سقوط مروي وتواصل تدريجيا حتى بات جليا في أواخر العصر المسيحي ؟ حيث شهدت تلك الفترة أي تلك التي تلت المسيحية ركونا طويلا ، لم يصحو السودان معها مدنيا إلا مع الإحتلال التركي والإستعمار البريطاني – رغم النظرة المختلفة لكليهما . إنّ الإعتراض على الوافد بشكل مطلق هو أمر غير منطقي فلقد رأينا كيف أن الحملة الفرنسية التي قادها نابوليون على مصر في العام 1798 ، حملت إلى مصر في طياتها النعمة أكثر من النقمة فقد حرّكت الساكن في مصر وأمدتها بالعلوم والمعارف التي كفلت لها الريادة في المنطقة ومن خلال حركة المطابع إنتعشت الحياة في المجالات العلمية والمهنية والثقافية وتعرّف المصريون على علوم لم يكونوا على عهد بها من قبل . في المقابل هناك البعض يذهب إلى حجة أخرى تتمثل في أنّ البعد الجغرافي ربما ساهم في تلك الإنكفاءة ، ومع أن فيها شيء من الوجاهة ، إلا أن البعد الجغرافي لم يمنع مدينة كـ (تمبكتو) في غرب أفريقيا من أنّ تكون مركزا حضاريا منذ القرن الثالث عشر فصاعدا ، حيث تفاعلت حضاريا مع دول شمال أفريقيا وغيرها ومع أنّ هذا التفاعل كان ثقافيا في معظمه ، إلا أنه يقف دليلا على أن البعد الجغرافي ليس بالضرورة أنّ يكون هو العامل الحاسم في هذا الركون .

msaidway@gmail.com
////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً