لماذا الخوف من الدولة المدنية الديمقراطية؟ .. بقلم: مازن عبدالرحمن
23 أبريل, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
33 زيارة
بهذا السؤال ابدأ مقالي بفزلكة تاريخية عن وجود مشروع الدولة الدينية باعتبار أنها مشروع سياسي مكتمل من حضور الشيخ حسن الترابي علي خشبة مسرح السياسة السودانية دافعا بقوة للتبشير حول مشروعية الدستور الإسلامي وحتي ينجح في ذلك كون جبهة سماها (جبهة الميثاق الاسلامي) حاول فيها دغدغة مشاعر المتصوفة في الطائفيين الختمية والأنصار والقوي السلفية قبل فتوحات الخليج الريالية ،،هذه الجبهة استطاعت عبر العاطفة الدينية للسودانيين والعزف علي أوتار نماذج مشرفة في تاريخ الفتوحات الإسلامية مثل تجارب صلاح الدين الأيوبي وجمال الافغاني محمد الفاتح والعمل علي إعادة أمجاد الأمة ، ولكن قفزت قوي الاسلام السياسي الجديد علي حقيقة أن القوة والمنعة لهذه التجارب ماهي الا تخطيط مسبق لبناء دولة حديثة توفر فيها شروط العدالة والمدنية والحقوق وسرعان ماراودتها أحلامها بذلك ولكن حتي تصل استخدمت الطرق (الميكافيلية) التي تبرر الوسيلة من أجل الغاية العظيمة بدأت لعبتها في إجهاض الديمقراطية مبكرا حينما حاولت استغلال حادثة معهد المعلمين (الطالب شوقي) وأحالتها من معركة فكرية من طالب يقول رايه الديني الي معركة لتصفية القوي التي تنادي بالديمقراطية والحريات ممثلة في قوي اليسار ولها ممثلين من قبل الشعب هذا هو كان أول انتهاك فعله الدكتور الترابي لتقويض النظام الديمقراطي بعد عام واحد من ظهوره في مسرح السياسة،،قامت الأجهزة القضائية المستقله بالدفاع عن نواب البرلمان المنتخبين باعتبار احقيتهم أتت من قبل الشعب ولكن تعالي مجلس السيادة الديمقراطي علي حقيقة ذلك ورفض قرار المحكمة للقاضي بابكر عوض الله وكان هذا خرقا للدستور أيضا يقلل من أحقية واستقلالية القضاء ،
من هذه النقطة بدأ الصراع علي مشهد السياسة السودانية بين اليسار واليمين فمايو صناعة يسارية للوقوف أمام سرقه شعارات أكتوبر 1964 التي تبددت بشكل ممنهج لايخدم شعارات الثورة ولكن سرعان ما انقلبت مايو علي شعارات اكتوبر خاصة عندما تم تصنيفها وتحليلها بأنها مغامرة مجموعة من ضباط البرجوازية الصغيرة وتحولت الي شيء يحاول أن يقلد من تجربة عبدالناصر واحتكمت في الفترة مابعد 1973 الي تكنوقراط مثل منصور خالد وإبراهيم منعم منصور ونخبة من المثقفين.
الي ان انتهت تجربتها في سنة 1985 بانتفاضة شعبية وكان الدكتور الترابي يمثل جملة التغييرات التي حدثت في مايو بعد عام 1977 كان يحاول أن يهيء الوضع لقوانين الشريعة التي أصدرها نميري عام 1983 ويعتقد الترابي أن هذه القوانين استعجل النميري في كتابتها منافسة له وهذا أمر بعيد من الحقيقة اذ ان الحقيقة هي أن الجبهة الإسلامية أخرجت المسيرات في شوارع الخرطوم للدفاع عن قوانين الشريعة ومكتسبات الأمة، ولكن كان من شعارات الانتفاضة إلغاء قوانين الشريعه التي شوهت صورة الإسلام وقد دافع عن هذا الأمر الاستاذ محمود محمد طه حتي تم إعدامه إعداما سياسيا لأنه رفض هذه القوانين باعتبارها مشوهة للأسلام ولاتخاطب جوهر الشريعة فالحركة الإسلامية حولت هنا أيضا الصراع الفكري بين المدارس الإسلامية الي صراع تصفية للشخص وهذا يوضح بجلاء القسوة الفكرية والأحادية التي عبرت عن طبيعة الجبهة الإسلامية في وقتها (اي انها علي استعداد لسحق كل من يقف أمام تطلعاتها).
فترة الديمقراطية الثالثة أيضا كان مطلب الثورة إلغاء قوانين الشريعة علي رأس المطالب وكان موت الاستاذ لازال غائرا في الوجدان فقد قامت الجماهير السودانية بالأنتفاضة علي نميري بعد 76 يوم من أعدامه لأحد قادة الفكر الديني والسياسي وهو سجين سياسي في عهد الأستعمار ،،ولكنها استطاعت عبر منتسبيها في البرلمان ودوائر الخريجين أن تجعل أمر إلغائها أمرا صعبا وسرعان مابدا السيد الصادق الرئيس المنتخب الحديث حول إمكانية تعديلها.
رغم أن هذه القوي السياسية الإسلامية لا تعترف بالديمقراطية ولكنها تمتعت بحقها كاملا في الحرية فصحافتها تعمل ولديها مؤسسات اقتصادية تدعم كبنك فيصل الإسلامي وهذا اتي في إطار التحالفات السلفية_الاخونجية للقضاء علي قوي اليسار،،تمتعت بالديمقراطية ولكنها إيضا كانت تخطط للأنقضاض عليها واستلام السلطة كاملة فمعظم الأزمات الاقتصادية التي اجتاحت حكومة الصادق لعب فيها تجار الجبهة الاسلامية دورا رئيسيا في محاولة واضحة لإظهار الحكومة بشكل ضعيف حتي تسهل عملية الانقضاض وفي نفس الوقت رتبت تنظيما عسكريا داخل القوات المسلحة للقيام بالدور.
هذا التخطيط عندما تتم دراسته هو تخطيط عبقري بامتياز ولكنه يفتقر الي الأخلاق خاصة لمن يدعي التدين وهو يتلاعب بمعاش الناس، ،ففي عام 1986 توافقت كل القوي السياسية علي كتابة ميثاق يحمي الديمقراطية من الانقلابات وكسر الحلقة الشريرة ولكنها رفضت التوقيع علي الميثاق وهي تتمتع بحريات الديمقراطية بل أن الزعيم الروحي الترابي قال مواثيقنا هي مع الله قبل البشر.
عكف الدكتور الترابي بعقله المميز علي التخطيط علي كيفية استيلاءه علي الحكم وكيفية تجنيد الشباب لصالح مشروعه السلطوي ،،ولكنه فشل في تفكيك وتشريح عبارات مثل (الإسلام هو الحل) وقدم شعارات مثل (نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع) ولكنه امر بحفر ترعة كنانة الرهد بالادوات اليدوية مقلدا الامام المهدي في ردم الطريق الي الجزيرة ابا (لاحظالفروقات الزمانية بين المهدي والترابي وبين العلوم والتعايش مع النظم الغربية) تحول هذا الرجل من مفكر الي شيخ عادي فكره وخياله تحدها كتب الفقه في معادلة سودانية شديدة التعقيد ممتلئة بالتنوع الثقافي والعقدي ،جاءت الإنقاذ محملة بالاشواق الإسلامية ولكنها فارغة من خطط استراتيجية مبنية علي الحداثة والتجارب العلمية،،هذا قطعا لم يأتي صدفة فعقل الترابي المضطرب مابين ثقافة أوربية عاشها وتشربها وطفولة تقليدية في بيت فقه وشريعة جعلت من العقل الترابي كافرا بالحداثة ومعجبا بها في نفس الوقت علي نسق السيد الصادق لكنه أكثر جرأة منه وله طموح فهو رغم علمه ابن أسرة عادية جدا ليس لها الإرث مثل السيد الصادق ،،يتباكي علي التاريخ الإسلامي المهمل والفتوحات ولكنه يحاول أن ينظم حركة دينية لاهوتية لاتستند إلا علي الاشواق للاسلام ومكايدة اليسار ودحره.
استمرت التجربة ثلاثين عاما حسوما حاول فيها أن يعيد صياغة الإنسان السوداني ويعيد تركيبه وصنع دولة داخل دولة فمؤسسات الشرطة الشعبية ،،الدفاع الشعبي،،الأمن الشعبي ماكانت إلا خوفا من الحداثة وتأمينا ل (بيضة الشريعة) ولكن رغم امكانياته العلمية والفكرية كرس دراساته لمحاولة إيجاد مخارج فقهية لكل شيء ولأن الإسلام واسع بصدره استطاع أن يؤصل بعض الاشياء كمفاهيم مثل الدولة الإسلامية ودولة الشريعة وتكريس المفاهيم اتي بفرض القوة وأحادية الخطاب الإعلامي ذو الاتجاه الواحد،،ولكن نمت أيضا بذور التأمر بجانب الاشواق الأخري ففي كل شخص كانت البذرة موجودة الي ان انتهي المال بالحركة الإسلامية الي هذا العنف والغرور الكاذب والفساد والمحسوبية وتشظت الحركة الي تنظيم انفجرت كياناته كحالة تكوينه الأول في جبهة الميثاق الاسلامي كل شيء رجع الي أصله.
ان هذه التجربة المرة في الاقصائية والاحساس المتعالي بامتلاك الحقيقة المطلقة كانت نتائجها تعتبر الأسوأ علي تاريخ السودان إذ انتهكت كرامة الناس وسفكت الدماء وسرقت الأموال باسم الدين وأصبح المجتمع في حالة عداء وكره مع الاخوان المسلمين.
لأن مابني علي باطل فهو باطل.
التجربة الترابية يجب أن يتم دراستها وشرحها للأجيال القادمة كنموذج من نماذج المثقف المرتد المضطرب الذي أفقر بلاده وربي إجيالا من المنافقين الذين يمتطون الدين سهوا ويشترون بآيات الله ثمنا قليلا.
ان الدولة المدنية الديمقراطية التي خاف منها الإسلاميين نابعة من احتقارهم للأخر وعدم الاعتراف به ،،بنصوص دينية تحرم معتقده وتعتبره رجس من عمل الشيطان، ،ولأنها لاتؤمن في داخلها بالديمقراطية والرأي الاخر والا كيف لحركة كانت تمثل في الديمقراطية تسعي لتفكيكها والانقلاب عليها؟ بدون سبب أكرر بدون سبب.
لا وبدأت بالكذب لأنهم قالوا إنهم فقط جيش ورويدا رويدا ظهرت حقيقتهم فالمسلم لايكذب يمكن أن يفعل أي شيء إلا الكذب.
ان مايمارسه ماتبقي منهم الأن من سلوك استبدادي من أشخاص في المجلس العسكري ماهو إلا امتداد لشهوة قديمة واشواق قديمة لبناء دولة الإسلام،والتفاف علي حركة الجماهير التي هتفت في أقسي شعار
لا إله إلا الله
الكيزان أعداء الله
رغم كل هذا الرفض تصر هذه القوي لأن تكون جزء من المستقبل بعدما كانت جزء من ماض عقور وفكرة لاترتقي لمستويات الدين وقيمه ومعانيه بالرغم من أن المدرسة (المهاتيرية) و(الاوردغانية) بنت نفسها علي اساس المدنية والمجتمع الديمقراطي فمهاتير يختلف من الترابي فهو يبحث عن مخرج للأسلام وموائمة مع الحداثة،،بينما الترابي يسعي للنصوص السلطوية ويبحث عن مخرج فقهي لرفضه للتعددية والمدنية وان تحدث في أخريات أيامه عن شيء مختلف.
ان الدولة المدنية الديمقراطية في معناها ليست مواجهة أو مناقضة للدولة الدينية إلا فقط في عقول الاسلاموسياسيين لأنهم يرون شرط انتفاء وجودهم بها بينما الدولة الحديثة تقوم علي الوحدة الوطنية بين مقوماتها انتصارا لقيمة الإنسان الذي تم تكريمه وليس اهانته واقصاءه،،وفكرة التبشير الديني في كل الديانات تبدأ باحترام الآخر (الهدف)و تكريمه والاعتراف به وليس اهانته وازلاله فتجربة أوربا مثلا في الحكم المدني الديمقراطي وجد المهاجرون المسلمون أنفسهم في طمأنينة وبفضلهم استطاعوا تقديم نماذج مقنعة للمجتمع الأوربي اتي هذا حينما خاطب نظام الحكم احتياجات الإنسان وحريته وكرامته،،وبفضل التخطيط السليم تحول مهاتير محمد من مجرد رجل مسلم الي بطل قومي عالمي وتجربته تدرس للشعوب بينما لن يستطيع الاسلامويين في السودان بعدما أكلت الثورة الأب الروحي أن يتحدث عن هذه التجربة القاسية المريرة التي نكلت بالوطن والمواطن.
الاستمرار في نفس الطريق لن يؤدي إلي نتايج مختلفة فالعقل المعطوب هو نفس العقل الذي يراوغ ولكن هذه المرة تبدلت الاشواق من اشواق دينية لاتستند الي المعرفة والعلم الي اشواق مالية سلطوية لاتستند الي المعرفة والعلم بحاجة الجماهير ورغبتها الحقيقية في تغيير هذا الهراء.
لقد دفع الشعب السوداني من ماله ووقته بالصبر وتحمل الأذي حتي يصل الإسلاميين الي (الميس) تحولت تجربتهم الي دولة بلامرتكز أو قيمة ضاع اسم السودان بين الدول وفقد السودان بهذه الرعونة أصدقاء كثر هذا بالإضافة إلي الحرب وضحاياها ومعسكرات النزوح والفقر والفساد المالي والأخلاقي.
بعد كل هذا العناء وبعد اعترافات الترابي بخطأ التجربة وخطأ الانقلاب وجرائم الصالح العام وغيرها تأتي مجموعة غازي ومجموعة علي الحاج وتطرح نفسها كجزء من الحل إلا بئس الجماعة التي تضج بالوضاعة وقلة الحياء.
ولا عزاء
مازن عبدالرحمن
gonay1982@hotmail.com