محمد صالح محمد
هناك غصّات في القلب لا يبرئها دمع ولا يمحوها زمن. وثمة ملامح يسكنها الحزن كما يسكن الليل أطراف البيوت المهجورة. وفي عمق هذا الكون المترامى بكل ما فيه من صخب وبشر يبدو كأن كل تفاصيل الوجود قد اختُزلت وتكثّفت ثم انحنت باكيةلتقف عن الدوران وتقف مكسورة عند أعتاب بابكِ أنتِ يا زولة.
يا زولة… يا نجم دليل التائهين في الصحاري، ويا نغمةً شجية سافرت مع رياح السمر لتستقر في صدر أتعبته المسافات. هل تدركين ماذا يعني أن تقف الدنيا عند بابكِ؟
معناه أن الشوارع التي عبرتيها يوماً باتت تكره الخطى من بعدكِ وأن النيل الذي يستلهم منك عذوبته قد أعلن الحداد ، فجرى بطيئاًو مثقلاً بالدموع عاجزاً عن حشد الفرح في قلوب العابرين. الدنيا كلها ببحارها وسماواتها بليالها الطويلة الموحشةوقفت هناك.
تطرق بابكِ بقلبٍ يرتجف تتوسل نظرةً واحدة تعيد لترس الزمن هيبته ودورانه.
عندما يمتزج الحب بالدمع …
الرومانسية في شرع حبكِ ليست قصائد فرح بل هي هذا الوجع النبيل، هذا الانتماء المطلق لملامحكِ الساحرة التي غسلها الشجن.
إنها تلك الرغبة العارمة في البكاء على كتفكِ ، ليس ضعفاً بل لأنكِ الملاذ الوحيد المتبقي في عالمٍ تآكلت أطرافه من القسوة.
“أحبكِ لا بلغة العشاق العابرة بل بلغة الأمهات اللواتي يودعن غائباً لا يعود وبلغة الأرض التي جفّت في انتظار خطوة من قدميكِ”
كيف لامرأة واحدة بسمرة الأرض وطهر المطر أن تختزل وطناً؟ بل كيف لها أن تصبح هي الدنيا حتى إذا ما أوصدت بابها أو تملّكها الحزن و انطفأت قناديل المجرات وجلس الكون على ركبتيه عند عتبتها يستجدي قبسًا من حنانها الراحل؟
حوار الصمت والخيبات …
أقف بعيداً أراقب ذلك الباب الموصد وتلك الدنيا التي تجلس بقربها كطفلٍ يتيم أضاعه الأهل في زحام المأساة. أرى الدموع تسيل على جدران بيتكِ أسمع أنين الرياح وهي تتسلل من الشقوق كأنها تعتذر لكِ عن كل قسوةٍ عشتِها وعن كل خذلانٍ حفر مجراه في قلبكِ الطيب النابِض.
يا زولة إن هذا الحب الممزوج بالدم والدمع الهطول هو لعنة وعاطفة في آنٍ واحد. هو دمار جميل يعيد صياغتي من جديد. أتحسس قلبي فأجده قد غادرني منذ زمن ليرابط هناك تحت عتبة بابكِ، ملتصقاً بالتراب الذي داسته خطاكِ، يرفض الإياب، ويرفض الحياة إن لم تكن في ظلكِ.
نداء أخير على عتبة الصبر …
تعبت الدنيا من الوقوف وتعبت الروح من التمني. والليل المظلم يمدّ سدوله ليزيد المشهد وحشةً وعذابا. فهل تفتحين الباب ولو لشقٍّ صغير لتسمحي لهذا الكون الباكي أن يهدأ؟
لتسمحي لقلبي العاشق المصلوب على جمر الانتظار و أن يلقي برأسه المثقل بالهموم في حجر حنانكِ؟
يا زولة الدنيا واقفه عند بابكِ ليس لأنها تملك خيارات أخرى بل لأنكِ باختصار… كنتِ وما زلتِ آخر الأوطان الممكنة.
وطالما بقي بابكِ مغلقاً سيبقى هذا العالم معلقاً بين موتٍ لا يرحم وحياةٍ لا تجيء.
غصّة لا تموت …
سُدلت الستائر وتلاشت حتى الحشرجات الأخيرة للرجاء. لم يُفتح الباب ولم تلتفت الخطى؛ وبقيت الدنيا واقفةً هناك شاخصةً ببصرها نحو عتبتكِ حتى تجمّد الدمع في مآقيها واستحالت إلى أثرٍ منسيّ.
يا زولة… لقد انطفأت آخر شمعةٍ كانت تؤنس وحشة الانتظار وتمزّقت أوتار الحنين التي طالما عزفت اسمكِ في عتمة الليالي. أرحل الآن عن بابك لا لأنني توقفت عن حبكِ بل لأن الموت ببطء على أعتاب الصمت لم يعد يُطاق.
أترك لكِ قلبي مسجّىً فوق التراب كعصفورٍ بلّله المطر وخذله الطيران وأمضي بجسدٍ خاوٍ كجثةٍ تحركها الرياح.
لقد ضاع الوطن وهُدِمت الصومعة وبقيتِ أنتِ قصةً رومانسية حزينة كُتبت بدم الوريد وقُدّر لها أن تنتهي قبل أن تبدأ.
يا زولة… يا آخر الأوطان ويا أجمل مأساةٍ عشتها وعاشت فيّ سأبقى أبكيكِ… حتى يملّ البكاء من نحيبي وتواريني الأرض في جوفها المظلم .
binsalihandpartners@gmail.com
