أخبار عاجلة

لمحه امدرمانيه … 6 …حكومة أمدرمان

 

حكومة أمدرمان كانت هى المجلس البلدى الذى هو أكبر مجلس بلدى فى السودان. هنا كانت تحدد الأسعار ، وتمنح الرخص التجارية ، وتصديقات البناء ، وتدفع العوائد والعتب ويوظف موظفى الصحة من قشاشين وعمال ناموس ، وترش الشوارع بالماء ، وترصف الطرق ، وتضاء الشوارع وتقام المنشآت . وفى هذه الحكومة كان هنالك جيش من العاملين على رأسهم ضابط المجلس . وهؤلاء كانوا ذوى شخصيات أسطورية . كانوا مثالا للتجرد والتفانى والأمانة .

  

ولهذا أوصى الانجليز أهل الخليج بالا يوظفوا أى انسان فى بلدياتهم سوى السودانيين . وكان الأخ الأمدرمانى الأصيل كمال حمزة مديرا لبلدية دبى . حتى أن الشيخ راشد يقول أن كمال حمزة هو من يحكم دبى . وكان الأخ أحمد عوض الكريم فى بلدية أبوظبى . وارتبط ببيت المال فريق السيد المحجوب . وميزانية بلدية أبوظبى كانت تساوى ضعفى ميزانية حكومة الامارات . كل الامارات السبعة كان على رأسها سودانى . وكان أغلب الموظفين فى هذه البلديات هو سودانييون.

  

أول ضابط  عرفه الناس كان مكاوى سليمان أكرت . وهو أول مدير سودانى لمديرية كردفان . كان متفانيا . طاف كل المديرية ولم يترك ركنا بدون أن يزوره . ونميرى فى أول حكمه وطرزانياته ، كان يقول للناس فى كردفان ( فى مسئول قبل كده جاكم ؟ وأينما ذهب كانوا يقولون له ود أكرت كان بارك الله فيهو بصلنا ، وبعد داك ما شفنا مسئول) .

  

الأستاذ مكاوى سليمان أكرت من أعظم المثقفين السودانيين . كان يسكن فى الركابية – أمدرمان . وسمعنا أنه عندما كان صغيرا ، كان يذهب ويبحث فى قمامة المكاتب ويلتقط المجلات الانجليزية ويقرأها مرات ومرات . وكان أهله يسمونه تحببا ( عبد الكوشة) . وكان يمشى من أمدرمان الى الخرطوم لكى يحضر المحاضرات فى المركز الثقافى البريطانى . كان يتقن اللغة الانجليزية كتابة وحديثا . خدم أينما ذهب بتفانى لا مثيل له .

  

محمد صالح عبداللطيف وقيع الله ،  متعه الله بالصحة ، عمل كضابط مجلس. وهو رجل من نسيج خاص . عرفته من قرب لأنه زوج أختى وكان ولى أمرنا وأخانا وجارنا . والمنزل الذى كان يسكنه الى أن تركت السودان قبل عقدين كان بالايجار . فى زمنه خططت الثورة التى كانت تعرف  قديما بالمهدية .

 

عندما أرادو تخطيط المنطقة كان العم الزاكى يسكن هنالك ، وله بئر وعشة وأغنام . وقام بطرد الموظفين . وعندما أتوا بالبوليس ، استل العم الزاكى سيفه ، ففر البوليس . ولأنه كان أنصاريا ، أتصلت حكومة أمدرمان بالسيد عبدالرحمن ، ووقتها كل الناس يعرفون بعضهم البعض . فأرسل السيد عبدالرحمن العم باب الله وسويت القضية . وأنطلقت الثورة كأكبر امتداد لأمدرمان .

  ولأن محمد صالح عبداللطيف كان قانونيا ، صار قاضيا لمحكة جنايات أمدرمان . وعندما هاجم المحامى فاروق أبوعيسى وأحمد سليمان رحمة الله عليه حكومة عبود فى مرافعتهما ،  قدما الى المحكمة بتهمة الاساءة الى المحكمة . وبتوصية بأن يسجنهم ، فرفض مولانا محمد صالح  . فأعادوهم له مرة أخرى بتشديد فلم يسجنهم . ففقد وظيفته كقاضى جنايات . وأرجع مولانا  ع . أ  من الاستيداع وحكم عليهم بالسجن ستة أشهر .    

وعندما أتت مايو كان محمد صالح عبداللطيف وكيلا لوزارة الاعلام . وعندما قدّمت مايو وزير الاعلام الاتحادى للمحاكمة ، أتو بمحمد صالح كشاهد فقال فى المحكمة أن الوزير غير مسئول من هذه التهمة ، وأنه اذا كان هنالك من يجب أن يقدم الى المحكمة فهو وكيل الوزارة الذى هو محمد صالح عبداللطيف . وطلب ممثل الاتهام اعتبار محمد صالح عبداللطيف شاهد عدائى فطرد من وظيفته . وقال له زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر رحمة الله عليه ( أنحنا كنا خاتين ليك وظيفة كبيرة ) وكان يقصد وظيفة وزير .

  

فى صيف 1964 كان الصيف غائظا . وفى الخريف امتلأت أمدرمان بالذباب . وكانت الكوشة فى السردارية تفصل منزلنا من مدرسة العباسية الأولية للبنات . وفى الغداء قلنا لمحمد صالح عبدالطيف ( يا خى كلم لينا ناس المجلس البلدى يحولوا لينا الكوشة دى ) فقال ( أنا ممكن الكوشة دى أحولها بكرة ، لاكين حيختوها وين ؟ مش قدام بيت زول تانى وهو كمان حيتاضيق زينا كدنا ) . ولم نتطرق للكوشة بعد ذلك .

  

فى الثمانينات ذكر الأخ مامون الأمين وهو شقيق الدكتور الأخصائى المشهور أبوبكر الأمين الذ كان فى الامارت ،  وأنا فى منزلهم فى برى المحس ، أنه كان يقود سيارته فى السبيعيات وهو شاب صغير . فرجع لورى واحتك بالمجرى على سقف السيارة الذى ينزل الماء الى الجانبين . فصار من المستحيل فتح الأبواب . وكان هذا فى الخرطوم بحرى . فذهب مامون للحركة للحصول على شهادة أو شيىء من هذا القبيل . وعندما سأل البوليس عن اسم صاحب السيارة سمع أحد الشاوشية اسم مامون الأمين ، فقال ( يا سلام دا ضابط مجلس بلدى الخرطوم ، دا راجل فاضل ، أكتب ليهم الشهادة طوالى ) . وأستفاد صديقى مامون من الاسم الجميل .  المحير هنا أن ضابط مجلس بلدى بذلك الحجم كان من الممكن الا تختلف سيارته عن سيارة شاب صغير . وأنه ليس له سائق . وسكرتير وحرس . وهكذا كان الأستاذ مامون الأمين .

  أمدرمان تذكر السيد مامون الأمين كأعظم أبنائها ،  وأظن أنه كان من شمال ود درو . ولقد خدم أمدرمان بتفانى وأمانة منقطعة النظير . فى زمنه حدثت ما يعرف بالاضاءة الحديثة . ونجلّت أمدرمان ، وكان هنالك منتزهات فى أماكن لم تعرف المنتزهات ،  كمنتزه حى العمدة ،  ورصف كل شارع العرضة الى خارج أمدرمان ، وتوسطت الشارع مربعات النجيلة والأشجار والزهور . ورصف شارع الأربعين . وذوّد باضاءة كاملة ، وشارع العرضة كذلك  . وانعدمت القمامة . وكان السيد مامون الأمين يقف على كل صغيرة وكبيرة بنفسه . ووزعت الأراضى فقط لمن يستحقها . وكان يعطون النقاط لكل متقدم مبنية على عدد الأشخاص الذين يعولهم المقدم وعدد الأطفال والدخل وعدم توفر قطعة سكن أخرى .    

وهنالك القصة التى سارت بذكرها الركبان وهى أن أحدهم ذهب الى أحد الوزراء وطالبه بكتابة خطاب وطلب خدمة من السيد مامون الأمين . ولكن صاحب الطلب رجع غاضبا ومحتارا وقال للسيد الوزير ( صاحبك شرط الجواب،  كيف تقول الراجل دا صاحبك ؟ . والرد كان ( أنا فى الحقيقة كنت عارفو حيعمل كده ، لاكين لو كان قلت ليك ما كنت حتصدقنى . يسعدنى جدا أن أعرف أن الابن أبوريم يكتب معنا الآن فى سودانيات وهو ابن هذا الفارس مامون ألامين .

  

ضباط  أمدرمان لم يكونوا الوحيدين فى السودان . ألاغلبية العظمى من رجال الخدمة المدنية كانوا كذلك . الأستاذ عزالدين السيد ، والذى كان ضابط مجلس بلدى بحرى ، وهو الذى وزع الأراضى وفى عهده قامت المنطقة الصناعية بحرى ، نسى أن يعطى نفسه قطعة أرض . فى التسعينات ذكر لى بعض السياسيين أنهم كانوا فى زيارة نصر الدين السيد الذى كان مريضا فى مستشفى شعبى فى القاهرة.

  

وبما أن الناس على دين ملوكها ، فلقد كان أهل أمدرمان رائعيين . ومتفانيين ، وأمناء .

  

 كل أمدرمان كانت تصرف مرتباتها من السردارية . وكان وزير مالية أمدرمان ، الجنتل مان والصراف عبدالعظيم الذى كان يخدم الناس بتفانى وأدب ومعقولية . وكان يعرف كل أهل أمدرمان . ووقتها لم تتوفر الهويات ، أو اثبات الشخصية . والعظيم عبدالعظيم كان طويل البال لا تفارق الابتسامة وجهه . تجده أنيقا فى الصباح . وحتى فى نهاية اليوم يكون بنطاله مكويا وقميصه نظيفا والابتسامة على شفتيه . كنت أذهب اليه لاستلام معاش الوالدة التى لم تعمل يوما  فى حياتها . وكانت تتلقى معاش أرملة . وكان معاشها ومعاش بناتها وأولادها القاصرين 57 جنيها و 60 قرشا وبعض الملاليم . وكنت أحضر بالسيرك ، وهو ورق مبطن بالمشمع حتى لا يتمزق وكان قد بقى عدة شهور لأبلغ الثامنة عشر ولكن للبنات الحق فى المعاش الى أن يتزوجن أو ينتقلن الى جوار ربهن . وهذا المبلغ كان وقتها يساوى ما يقارب ال 180 دولار . وكان لنا الحق فى السفر بالقطار أو البواخر بسعر مخفض .

  عبدالعظيم كان يقول لى ( فصاحتك دى كلها وجاى تتضرع وانت ما تميت 18 سنة ؟ ). وكان من المفروض أن أحضر كل مرة بختم والدتى  النحاسى الذى كان يضيع كل شهر . وأذهب الى العم حجازى الذى يجلس تحت الجميزة الشمالية أمام السردارية ويقوم بعمل ختم جديد يساوى عشر قروش أو خمسة عشر قرشا حسب مزاج  العم حجازى . العم حجازى كان يميل الى البياض ويسكن فى العرضة وكان متقدما فى السن ، وكان يمثل نصف الادارة المكتبية فى أمدرمان . فهو كاتب عرضحالات . واليه تنسب القصة ( عاوز عرضحال بحيث ليث ولا بدون حيث ليث ؟ . وبحيث ليث بخمسة قروش وبدون حيث ليث 3 قروش وهو السعر العادى) وطبعا الناس كانت تطلب بحيث ليث ،  وهذا ما يردده الأمدرامنيون حتى فى وصف الفول ( بحيث ليث ولا بدون حيث ليث ) .    

النصف الآخر من الادارة المكتبية ، كان العم جادين صافى الدين . وهو يجلس تحت الجميزة الجنوبية . وهو طويل القامة ( أخضر اللون ) يسكن فى شارع الفيل بالقرب من خور أبوعنجة ، كان يكتب العرضحالات ويعطى الاستشارات القانونية ويعمل كشاهد زواج وطلاق . الخ……..

  فى أحد الآيام وأنا أحس بأن منطقة الريفيرا منطقة نفوذى وأعرف كل الناس . شاهدت صبيا أصغر منى يتحسس الرمايات المرمية فى النيل التى لا تخصه ويتحدث مع الجميع ويتدخل . ولم أكن أعرف فانتهرته . فحذرنى أحد الصبية قائلا ( هوى ، دا ود دين فى دين ) . فتراجعت . لقد كانت للعم جادين صافى الدين يافطة فى وسط باب الصنط مكتوبة بطريقة سريالية .(جا)  فى الركن الأعلى ، و(فى) فى وسط اليافطة ، و(دين) فى الركن الأيسر . وكان الناس يقرؤونها دين فى دين . وعندما يحتاج انسان لشيىء يقولون له أمشى لى …… لأنه كان يعرف كل مكاتب أمدرمان ، ويعرف البوليس فى الشمالى وفى الأوسط .    

فى الثمانينات أردت عمل توكيل شرعى فأخذت توأم الروح – رحمة الله عليه – بله وأخى الطيب سعد الفكى – متعه الله بالصحة – الى المحكمة فى أمدرمان . فطلبوا منا كتابة التوكيل بواسطة الأرضحالجى ووضع دمغة وانتظار القاضى . وعندما قصدنا العرضحالجى كان أخى الطيب يتراجع . وبالاستفسار قال ( ما حأمشى معاكم . لأنو الراجل دا أنا فصلت ليهو أربع جلاليب وستة سراويل ومشى وما دفع حقهم وما رجع . وأنا ما عاوز أحرجو . فذهبنا الى المحكمة فى الخرطوم .

  السلطة الرداعة كانت مجلس القضاء الأوسط وهم القضاة من الدرجة الثالثة وهم أعيان أمدرمان ، وكان أشهرهم العم عبدالرحيم محمد خير وصاحب مصانع الريحة . والعم الصائغ ،  وأخرون . وهنا تنظر الجنح التى لا تتعدى أكثر من الغرامات والسجن لشهر أو شهرين .    

من هاتين الجميزتين كنا نلتقط الفاكهة الخضراء وندير حرب بالنبل تستمر لساعات . وكان زملاؤنا الأكبر منا سنا قد مروا بهذه الحروب من قبل . وكانت تلك المعارك من أجمل ذكريات أمدرمان ، وخاصة حى السردارية .

  

التحية

  شوقى   

عن شوقي بدري

شوقي بدري

شاهد أيضاً

بضدها تعرف الاشياء .. اثبت حكامنا أن لا صله لهم بالانسانية (2)

شوقي بدريالفظاعات التي ارتكبت في معركة سولفرينو 1859 كانت الاسوأ والاكبر في تاريخ البشرية . …

اترك تعليقاً