بحصافة
الزائر إلى لندن في هذه الأيام تصعب عليه الإقامة الهادئة الوادعة التي عُرفت بها مدينة الضباب من حيث إنها قبلة لسياحة الأماكن والمعالم، إذ إن في شوارعها العادية يستوقفك أكثر من معلم، لذلك هذا منزل أقام فيه شكسبير وتلك دار استقر فيها وينستون تشرشل، إضافة إلى شوارع تذكرك بموطنك الأصلي. فمثالنا من السودانيين تستوقفهم شوارع في بتسري بجنوب غرب لندن أسماء شوارع تعيده إلى ذاكم الوطن العزيز، كشارع السودان وشارع الخرطوم وشارع كسلا، بقليل جهد تعرف أن هذه الشوارع لم تُسمَّ اعتباطاً ولكنها تحمل في مضامين مسمياتها معاني راسخة، إذ إنه قد أقام في هذا الشارع أو ذاك قبيل تسميته أحد البريطانيين الذين عملوا في السودان. والجديد في بريطانيا هذه الأيام فيضانات كاسحة شهدتها البلاد بصورة مروعة لم تشهدها قبل أكثر من قرن من الزمان.
وأحسب أن ما شهدته بعض المناطق التي كانت ضحية من ضحايا تلكم الفيضانات، مما استدعى الحكومة والمواطنين للإسراع إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من البشر والممتلكات، إذ ضحايا تلكم الفيضانات لم تقتصر على الممتلكات فحسب بل تعدته إلى غير ذلك. وتسمر مئات الآلاف من البريطانيين أمام شاشات التلفزيون البريطاني بقنواته المتعددة لمشاهدة الأمواج المتلاطمة التي لم تسلم من شدتها قضبان السكك الحديدية ناهيك عن المباني والسيارات وما إلى ذلك. وقد ساء الأمر أكثر بأمطار منهمرة بغزازة مستمرة وبرد قارس يبدو من أقام في السودان ستة أشهر على التوالي يصعب عليه تحمله مهما ارتدى من ملابس ومعاطف، أضف إلى ذلك أن العاملين في قطارات الأنفاق اللندنية أجمعوا على إضراب ليومين خلال الأسبوع الماضي والأسبوع الحالي إضراباً كاملاً عن العمل شل حركة لندن وحراكها.
أخلص إلى أن زيارتي بريطانيا في هذه الأيام غير مستحبة إلا لأمر طارئ أو ضروري، وهذا ما دفعني دفعاً إلى زيارتها طوال ثمانية أيام خلت. ولكن ما ينبغي الالتفات إليه أن الجالية السودانية في لندن على الرغم من هذا الطقس الكئيب الذي جمع بين زمهرير البرد وغزارة المطر، احتفلت تلكم الجالية بذكرى الاستقلال في إحدى قاعات لندن. والغريب أن أفراد الجالية تقاطروا إلى هذا الملتقى احتفاءً بذكرى استقلال موطنهم الأصلي (السودان)، واعتبار تلكم المناسبة ملتقًى اجتماعياً يتذاكر فيه بعض ذكريات الأيام الخوالي. واستوقفني في ذاكم الحفل أن ابنة الأخ الصديق الدكتور معاوية حامد شداد، تسنيم وهي في ريعان شبابها تطرب الحضور بأغنيات وموسيقى رائعة باللغة الإنجليزية استطاعت ان تخلب بها افئدة الحاضرين. ولما انتهت من فاصلها الغنائي الموسيقي تحدثت معها عن اهمية تردادها الى السودان والمجاهدة الكثيفة في تعلم اللغة العربية لانها من بيت علم وفكر في السودان لا ينبغي ان يحرمها عدم معرفتها باللغة العربية معرفة الكثير عن بلادها ومناقب اهلها الطيبين. ولا ينبغي ان ينحصر الحديث عن زيارتي الى لندن في هذه العجالة ولكن سيترى الحديث وتنداح الاحاديث لان الحديث عن لندن ذو شجون.
ولنتذاكر في هذا الصدد مع ابي تمام حبيب ابن اوس الطائ في قوله:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبداً لأول منزل
=====
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم