ليه ياتليفزيون السودان؟! … بقلم: د . أحمد خير / واشنطن
19 May, 2009
" الإبهام "
شهدت العاصمة واشنطن فى الأيام القليلة الماضية حركة غير عادية تكثفت فيها زيارات من المسئولين السياسيين السودانيين ، ممن جاؤا إلى العاصمة الأمريكية لإجراء إتصالات مع الإدارة الأمريكية وأعضاء من مجلس الشيوخ ، وذلك بغرض تحسين العلاقات بين السودان والولايات المتحدة . من أولئك المسئولين وجدت أنه لزاما على أن أسلط الضوء على الدكتور/ بكرى سعيد ، مدير جامعة السودان الدولية وعضو الهيئة الإستشارية لأمانة الإعلام وأمانة الشئون الخارجية للمؤتمر الوطنى . لقد انتهزالدكتور/ بكرى فرصة تواجده فى واشنطن وإجتمع ببعض الإعلاميين . نسق لذلك الإجتماع الأخ الأستاذ/ طلحه جبريل – رئيس إتحاد الصحافيين فى أمريكا الشمالية . تم اللقاء فى " نادى الصحافة " حيث ضم بعض الإعلاميين وبعض الشخصيات السودانية من مشارب مختلفة يجمعهم حب الوطن والغيرة عليه . أشهد هنا أن الدكتور/ بكرى شخصية متفردة ورجل سياسة من الطراز الأول . لقد أجاب بصراحة محببة على كل التساؤلات ولم ينكر الأخطاء التى وقعت فيها الإنقاذ ، حيث قال : أننا كحزب سياسى حدث ان توصل إلى السلطة ، نخطئ ونصيب وليس عيبا أن نتعلم من أخطائنا . كان هادئا ً ولم يضق صدره بنوعية الأسئلة التى وجهت إليه . عليه يستحق منا الإشادة والثناء .
ثم جاء إلى واشنطن الدكتور/ هارون لوال أرون ، وزير الشئون الإنسانية بالحكومة المركزية والتقى ببعض المسئولين فى الإدارة الأمريكية والكونجرس وببعض أعضاء من الجالية السودانية . تحدث الدكتور / أرون عن ماحققته زيارته ودعم بعض اعضاء مجلس الشيوخ للجهود الرامية لتقديم المساعدات للمتضررين فى دارفور .
يقف وراء تلك الزيارات ونجاحها دكتور / أكيج كوك أثيو ، سفير جمهورية السودان فى واشنطن . حيث أنه ومنذ تسلمه لمهام منصبه يعمل ليل نهارلتضييق شقة الخلاف بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية . رجل يمتاز باللباقة والهدوء وسرعة البديهة . وشخصية بتلك المواصفات حتما سيكون فى يدها مفتاح لقضايا خلافية متعددة بين السودان وأمريكا ، وستشهد الأيام القليلة القادمة بدايات علاقات أقل ما يقال عنها أنها مغايرة لما كانت عليه فى الحقبة " البوشية " أى ماقبل باراك أوباما .
" السبابة "
إنعقد فى الخرطوم فى الفترة مابين 12- 14 مايو الجارى مؤتمر الإعلاميين السودانيين العاملين بالخارج . وجهت الدعوة للإخوة الإعلاميين من قبل سفارات السودان . إتحاد الصحافيين فى الولايات المتحدة الأمريكية رفض المشاركة ولكنه ترك لكل عضو حرية الإختيار فى المشاركة من عدمه . أن قضايا الحريات ومنها حرية الصحافة والتعبير من أولويات القضايا التى يتمسك بها إتحاد الصحافيين فى أمريكا الشمالية ، وبالتالى نتمنى أن يخرج مؤتمر الخرطوم بقرارات يكون على رأسها إعتراف النظام فى السودان بحرية الصحافة والتعبير ، و إنا لمنتظرون .
" الأوسط "
الإعلام المرئى أصبح قضية وأستطيع أن أجزم بأنه صار أم المشاكل . إذا كان هناك مقرئ أو مغنى لم يمنحه الخالق مسحة من الجمال ، ترى لماذا يصر المخرج على إختيار زوايا تعمق من قبح الرجل؟! مثلاً إذا كان فم المغنى أو المقرئ يخلو من بعض الأسنان ، فهل هناك من داع ان تسلط الكاميرا " زوووووووم " إلى حلقه ؟! وإذا كان أعمى هل هناك داع للتركيز على العيون ؟! وهنا أنا لا ألوم المصور بقدر ما أصب كل اللوم على المخرج ، لأنه من المفترض أن تكون بداخل الأستوديو أكثر من " كاميرا " تسلط إلى زوايا مختلفة ويبقى على المخرج أن يختار ما يبرزه منها ليقدمه للمشاهد .
فمابال مخرجو تليفزيون السجم والرماد يخالفون كل القواعد و " يفلعوننا " نحن المشاهدون بما نتقزز منه أو ما يسئ إلى الذوق العام .
شئ واحد فكرت فيه وخلصت إليه وأنا أرى مثل هذه المشاهد والمواقف تتكرر ، ألا وهو " ربما يكون المخرج ذاتو شين " علشان كدى هو ماشى يجيب السماحة من وين ؟! وكل إناء بما فيه ينضح !ويستمر تليفزيون جمهورية السودان على حاله إلى حين إخطار آخر! هناك من سيقول: يعنى عايز المخرج يصنع من الفسيخ شربات ، بمعنى انه ماشى يجيب ناس سمحين من وين ؟ وبالتالى علينا أن نقبل بما جاء به الفنان اللبنانى راغب علامه حول الجمال السودانى !
العتب ليس فقط على مخرجى البرامج داخل الأستوديو ، بل يمتد بشكل كارثى عندما تصور مناسبات خارج الأستوديو . مثلا عرضت الفضائية السودانية برنامجا عن جبال النوبا فى كردفان . بدأ مقدم البرنامج وهو بحلته " بدلة" وربطة عنق ليعلمنا بما ينوى أن يقدمه لنا نحن " المجبورون " على المشاهدة . قلنا ربما هذه مقدمة ، ولامن " يدخل فى الغريق " سنستمتع بمشاهدة مناظر طبيعية خلابة من جبال النوبا ومعها نستعيد ذكريات الشلالات المتدفقة من أعالى الجبال فى منطقة " رشاد " فى الجبال الشرقية ، ثم سينتقل بنا لنشاهد عظمة وشموخ جبل الداير " الما بنطلع ليزول " كما يتغنى بذلك الفنان الكبير عبد الكريم الكابلى . بعد لحظات أصابنى إحباط وأنا أشاهد الكاميرا فى الميدان تركز على مقدم البرنامج وكانه يقدم نشرة أخبار فى داخل أستوديو ! فى تلك اللحظة وإن لم يكن جهاز التلفاز ملكى ودافع فيهو المبلغ الفلانى لحطمته ! حطمته دى بسيطه ، الأحرى أن أقول لسحقته وياليت كان فى مقدورى أن أحطم معه رأس مقدم البرنامج ورؤوس المصور والمخرج ومدير البرامج الذى سمح بتصوير وعرض مثل تلك المهازل . تصوروا كاميرة تليفزيون تخرج للطبيعة لتصورلقطات فى غالبيتها لمقدم برنامج بكامل هندامه ! وكأنه ومصور ومخرج البرنامج قد أصروا على عدم التفاعل مع الطبيعة ، وكأن ربطة العنق ستميز مقدم البرنامج عن بقية خلق الله . انه الجهل المطبق الذى يؤدى بصاحبه إلى التهلكة فى عمل من أبسط مقوماته هو معرفة الذات والآخر والحيز المكانى . متى يتعلم هؤلاء ان الإعلام بقدر ما هو رسالة ، هو فن ، ومن لايجيد ذلك الفن عليه أن يخلى المكان للمحترفين ، قبل أن يخلو المكان من المشاهدين ، وتطفأ الأنوار ويصبح تليفزيون جمهورية السودان " الديمقراطية " فى خبر كان !
نعود بكم إلى أستوديو الفضائية السودانية لنستمع إلى أغنية " ..... " من الفنان " ...... " ولعلك لاحظت أيها المشاهد الكريم كيف تنتقل بك الكاميرا من عازف إلى آخر وتركز " زوووووم " على الآلات الموسيقية لتأخذك معها إلى القرن الماضى لتستعرض معك قدم الآلات الموسيقية وماعلق بها من " أوساخ " لتختلط مع مشهد أصابع العازفين التى لم تقلم أظافرها منذ نعومتها ! هذا ، بالإضافة إلى أن كل عازف يتفنن فى إظهار عدم مقدرته فى إختيار الألوان ، فترى القميص " مخطط " " أو " كاروهات " وما يسمى بربطة العنق وكأنها حبل أو بقايا من حبل "غسيل " أين الذوق العام ؟ أين حق المشاهد الذى سلب منه كل شئ حتى وصل به الحال إلى أن يسلب منه حق المشاهدة ؟!
مما يدعو للعجب أن هناك خبير إعلامى منذ الصغر ونحن نسمع عنه و عن خبراته والدورات التدريبية التى حضرها والمؤتمرات التى شارك فيها " كل ذلك منذ أوائل الستينيات من القرن الماضى ولازال " على شمو " " أطال الله عمره يخرج علينا بصفته خبير فى الإعلام ! ألا يشاهد التليفزيون ؟! ألا يبدى ملاحظات ؟! ألا يقول " إستوب " لهذا العبث ؟! أم أن صوته قد بح ولامجيب ؟! وحسب مايقول الإخوان " إعط لأخيك عذرا ! سنعطيه بدل العذر الواحد مليون عذرا عسى أن تنفع الأعذار ، بالرغم من أن الفنان محمد وردى ظل يردد ومن نصف قرن " إعتذارك مابيفيدك !! " و " أنا مالى ذنب فيه " عجب ياتليفزيون جمهورية السودان الديمـ " لم أتمكن من كتابة كلمة " الديموقراطية" لعلمى بأنها لن تكون فى مكانها ! وكما يقولون أن لايأس مع الحياة ، سأظل أنتظر اليوم الذى عسى فيه ان يقوم فيه رجل أو إمرأة ويستبدل كل العاملين فى الإعلام المرئى ويغير من السياسات والأعمال التى تساهم فى تخريب الذوق العام .