دكتورمحمد عبدالله
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، ظلّ الرهان الأساسي لدى أطراف الصراع وأنصارهما قائماً على الحسم العسكري. تعاقبت المعارك، وتبدلت خرائط السيطرة، وارتفعت الخسائر البشرية والمادية إلى مستويات غير مسبوقة، لكن الفرضية الحاكمة بقيت كما هي: انتصار كامل لطرف، وهزيمة كاملة للطرف الآخر. غير أن تجارب التاريخ تشير إلى حقيقة مختلفة؛ فالحروب الطويلة نادراً ما تُحسم في الميدان وحده، بل تنتهي غالباً عندما تصل الأطراف المتحاربة إلى قناعة بأن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من كلفة التسوية.
ولا يبدو السودان استثناءً من هذه القاعدة.
فبعد أكثر من ثلاثة اعوام من القتال، يصعب الحديث عن قدرة أي طرف على فرض سيطرة مستقرة على كامل البلاد. صحيح أن موازين القوى تشهد تغيرات متواصلة، وأن بعض الجبهات تتقدم فيها قوات هذا الطرف أو ذاك، لكن الصورة الأوسع تكشف واقعاً مختلفاً: دولة منهكة، واقتصاداً يكاد يكون مشلولاً، وملايين النازحين واللاجئين، ومؤسسات تفقد قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
في مثل هذا الواقع، لا يعود السؤال من سينتصر، بل ماذا سيبقى من الدولة عندما تضع الحرب أوزارها؟
لقد دخل السودان هذه الحرب وهو يعاني أصلاً هشاشة سياسية ومؤسسية تراكمت عبر عقود. وعندما انفجر الصراع بين شريكي السلطة السابقين، لم يكن الأمر مجرد مواجهة بين قوتين مسلحتين، بل تحول سريعاً إلى أزمة دولة ومجتمع معاً. ومع امتداد الحرب، اتسعت دائرة الفاعلين المحليين، وظهرت تشكيلات مسلحة جديدة، وتعاظمت الأدوار الإقليمية والدولية، ما أضفى على الصراع مزيداً من التعقيد، وأبعده عن احتمالات الحسم السريع.
ومن الأخطاء الشائعة قراءة التطورات العسكرية اليومية بوصفها مؤشراً حاسماً على مآلات الحرب. فالصراعات لا تُقاس فقط بمساحات الأرض التي تتم السيطرة عليها، وإنما أيضاً بالقدرة على إدارتها، وتأمين سكانها، وإعادة تشغيل الاقتصاد فيها، والحفاظ على حد أدنى من الشرعية السياسية. وهذه كلها تحديات لا تزال قائمة أمام مختلف الأطراف.
لهذا يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس انتصاراً مطلقاً لأي طرف، وإنما انتقال تدريجي نحو صيغة من صيغ التسوية السياسية، سواء جاءت عبر مفاوضات مباشرة، أو بفعل ضغوط إقليمية ودولية، أو نتيجة إنهاك متبادل يفرض على الجميع مراجعة حساباتهم. وقد تتأخر هذه اللحظة، لكنها تبدو أقرب إلى منطق الواقع من فرضية الإقصاء الكامل لأي طرف مؤثر في المشهد.
غير أن التسوية، في حد ذاتها، لن تكون كافية.
فالدرس الأبرز الذي كشفت عنه هذه الحرب أن الأزمة السودانية أعمق من الصراع الدائر حالياً. فقد أظهرت هشاشة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وكشفت فشل النخب السياسية والعسكرية، على اختلاف توجهاتها، في بناء عقد وطني مستقر منذ الاستقلال. لذلك فإن وقف إطلاق النار، متى تحقق، لن يمثل نهاية الأزمة بقدر ما سيكون بداية مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بإعادة بناء الدولة.
عندها ستفرض أسئلة كبرى نفسها على جدول الأعمال الوطني: كيف يُعاد بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية؟ وكيف تُعالج قضية التشكيلات المسلحة المتعددة؟ وكيف تستعيد مؤسسات الدولة قدرتها على العمل؟ وكيف يمكن رأب الصدوع الاجتماعية العميقة التي خلفتها الحرب؟
وهي أسئلة لا تستطيع أي سلطة مقبلة تجاهلها، لأن تجاهلها يعني ببساطة تأجيل الأزمة لا حلها.
ومن المرجح أيضاً أن تفضي الحرب إلى واقع سياسي مختلف عمّا كان قائماً قبل أبريل 2023. فالقوى التي اعتادت التنافس على السلطة في الخرطوم ستجد نفسها أمام مجتمع تبدلت أولوياته وتجربته التاريخية. كما أن ملايين السودانيين الذين عاشوا تجربة النزوح واللجوء وفقدان الممتلكات لن يقبلوا بسهولة العودة إلى الصيغ القديمة التي أسهمت في إنتاج الأزمة. كذلك ستطالب الأقاليم التي تحملت العبء الأكبر من الحرب بدور أوسع في رسم مستقبل البلاد.
ومن هنا تبرز مطالب إعادة توزيع السلطة والثروة بصورة أكثر عدالة، وتعزيز اللامركزية، وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف. وقد تمثل هذه المطالب مدخلاً لبناء دولة أكثر توازناً واستقراراً، كما يمكن أن تتحول إلى مصدر جديد للتوتر إذا جرى التعامل معها بالعقلية ذاتها التي أسهمت في إنتاج الأزمات السابقة.
أما الخطر الأكبر، فيكمن في أن تتوقف المعارك بينما تبقى الأسباب التي أشعلتها قائمة. فالتجربة السودانية حافلة باتفاقات أوقفت القتال لفترات متفاوتة، لكنها لم تنجح في معالجة جذور الأزمة، الأمر الذي سمح بعودة النزاعات في صور جديدة وأماكن مختلفة.
لذلك لن يُقاس نجاح أي تسوية مقبلة بعدد البنود الموقعة أو بالمراسم الدبلوماسية المصاحبة لها، بل بقدرتها على إنتاج دولة قابلة للحياة، تمتلك مؤسسات فاعلة، وجيشاً وطنياً مهنياً موحداً، ونظاماً سياسياً يسمح بالتنافس السلمي على السلطة بدلاً من الاحتكام إلى السلاح.
لقد أثبتت هذه الحرب أن القوة وحدها لا تبني الدول، كما أثبتت أن الهدم أسرع كثيراً من البناء. وعندما يهدأ صوت البنادق، وهو أمر لا بد أن يحدث عاجلاً أم آجلاً، سيكتشف السودانيون أن التحدي الحقيقي لم يكن في كسب الحرب، بل في كسب السلام.
فالحروب قد تنتهي على موائد التفاوض، أما الأوطان فلا تنهض إلا عندما تتحول التسويات السياسية إلى مشروع وطني جامع. وفي السودان، تبدو هذه الحقيقة اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
muhammedbabiker@aol.co.uk
