د. عمرو محمد عباس محجوب
أعتقد أن السؤال الأهم للسودانيين ليس: هل يفوز نتنياهو أم إيزنكوت في إسرائيل؟ وهل يفوز الجمهوريون أم الديمقراطيون في الولايات المتحدة؟ بل: هل يمكن أن تتغير السياسة الأمريكية والإسرائيلية تجاه السودان بتغير الحكومات، أم أن السودان يواجه استراتيجية تتجاوز الأشخاص والأحزاب؟
وأظن أن هذه هي نقطة البداية الصحيحة للتحليل. فالتعبير عن الحزبين الأمريكيين أو القيادات الإسرائيلية باعتبارهما «فردتي حذاء واحد» يحمل قدراً من الصحة من زاوية المصالح الاستراتيجية، لكنه يحتاج إلى تفكيك حتى لا نفقد القدرة على فهم الاختلافات التي يمكن أن يستفيد منها السودان.
أولاً: ما الذي يجمع الجمهوريين والديمقراطيين تجاه السودان؟ ليس ضرورياً أن يتفق الحزبان على كل شيء حتى تتطابق نتائج بعض سياساتهما تجاه السودان. لكنها قد تتفق على استخدام العقوبات والضغوط الدبلوماسية والمساعدات المشروطة والتحالفات الإقليمية لإدارة موازين القوى.
هناك خمسة مرتكزات تتجاوز التنافس الحزبي:
- المحافظة على النفوذ الأمريكي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
السودان ليس مجرد دولة تعاني حروباً أهلية وغزو خارجي. إنه موقع جيوسياسي يطل على البحر الأحمر، ويقع في قلب منطقة تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والصينية والروسية والخليجية والتركية. واشنطن لا تريد أن يتحول السودان إلى نقطة نفوذ استراتيجي لمنافسيها، سواء عبر الموانئ أو التعاون العسكري أو العلاقات الاقتصاد. واشنطن لا تريد أن يتحول السودان إلى نقطة نفوذ استراتيجي لمنافسيها، سواء عبر الموانئ أو التعاون العسكري أو العلاقات الاقتصادية. - أمن إسرائيل وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية. تختلف الإدارات الأمريكية في أسلوب التعامل مع إسرائيل، لكنها تاريخياً تتفق على مركزية أمنها في السياسة الخارجية الأمريكية. وهنا يهم السودان بسبب موقعه على البحر الأحمر، وعلاقاته الإقليمية، وتاريخه في ملفات فلسطين وإيران والتطبيع.
- السيطرة على مسارات النفوذ في إفريقيا. التنافس الأمريكي مع الصين وروسيا لا يتوقف عند السودان، ولكنه يجعل السودان جزءاً من معركة أوسع حول الموارد والموانئ والاتصالات والبنية التحتية والتحالفات العسكرية.
- إدارة الصراعات بدلاً من حلها بالضرورة. قد تختلف الإدارات حول مستوى التدخل، لكنها قد تتفق على استخدام العقوبات والضغوط الدبلوماسية والمساعدات المشروطة والتحالفات الإقليمية لإدارة موازين القوى.
- الحفاظ على شبكة الحلفاء الإقليميين. وهذه نقطة مهمة جداً للسودان؛ لأن السياسة الأمريكية تجاهه لا تُصنع في واشنطن وحدها، وإنما تتأثر بعلاقات واشنطن مع دول الخليج ومصر وإثيوبيا وإسرائيل وغيرها.
ثانياً: لماذا تهم الانتخابات الإسرائيلية السودانيين؟ سواء وصل نتنياهو أو إيزنكوت أو شخصية أخرى إلى رئاسة الحكومة، فإن السودان ينبغي أن يراقب ثلاثة ملفات:
البحر الأحمر: موقع السودان في معادلة أمن الملاحة والوجود العسكري والاستخباراتي.
القرن الإفريقي: العلاقات الإسرائيلية مع إثيوبيا وإريتريا ودول المنطقة، وتأثيرها على البيئة الاستراتيجية المحيطة بالسودان.
العلاقات السودانية الإسرائيلية: هل سيظل ملف التطبيع وسيلة ضغط سياسية، أم يصبح جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع؟
لكن هناك فارقاً يستحق الانتباه: نتنياهو يمثل تجربة سياسية طويلة ذات توجهات معروفة (اسرائيل الكبرى)، بينما إيزنكوت ينتمي إلى خلفية عسكرية وسياسية مختلفة. قد يختلفان في إدارة المخاطر والحروب والعلاقات الإقليمية، لكن ليس في المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية الأساسية. وبالتالي، لا ينبغي للسودانيين أن يراهنوا على سقوط نتنياهو باعتباره تحولاً تلقائياً في السياسة الإسرائيلية تجاه السودان.
ثالثاً: ماذا تعني الانتخابات الأمريكية للسودان؟ الانتخابات الأمريكية أكثر أهمية مباشرة للسودان من الانتخابات الإسرائيلية؛ لأن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط وتأثير أوسع.
لكن ينبغي التفريق بين ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: البيت الأبيض: الرئيس يستطيع التأثير في: الاعتراف السياسي والتعامل الدبلوماسي. العقوبات التنفيذية. العلاقات مع الدول المتدخلة في الحرب. الموقف من تسليح الأطراف أو وقف تدفق السلاح. والمبادرات الدولية والإقليمية.
المستوى الثاني: الكونغرس: قد تتغير موازين القوى في مجلسي النواب والشيوخ، وهذا يؤثر على: العقوبات والتشريعات المتعلقة بالسودان. التمويل الإنساني وإعادة الإعمار. الرقابة على السياسة الخارجية. المساعدات والتعاون الأمني مع دول المنطقة. الضغط على الإدارة بشأن العلاقات مع الأطراف الإقليمية المتورطة في الحرب.
المستوى الثالث: الدولة العميقة ومؤسسات السياسة الخارجية
وهذا هو الأكثر أهمية في تقديري.
فالمؤسسات الأمنية والاستخباراتية والعسكرية والخارجية ومراكز التفكير وشبكات المصالح الاقتصادية لا تتغير جميعها بتغير الرئيس. لذلك قد يتغير الخطاب السياسي الأمريكي بصورة كبيرة، بينما يستمر جوهر السياسة في بعض الملفات.
رابعاً: أين تكمن المصلحة السودانية الحقيقية؟ أعتقد أن الخطأ الذي ينبغي تجنبه هو تحويل الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية إلى مباراة يشجع فيها السودانيون فريقاً ضد آخر. المصلحة السودانية يجب أن تقوم على اختبار كل إدارة وفق خمسة معايير:
وحدة الدولة: هل تدعم وحدة السودان ومؤسساته أم تساهم في تفكيكها؟
السيادة: هل تحترم استقلال القرار السوداني؟
الحرب: هل تعمل فعلياً على وقف التدخل الخارجي وتدفق السلاح؟
إعادة الإعمار: هل تفتح المجال أمام إعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية؟
التمثيل السياسي: هل تقبل بأن يقرر السودانيون مستقبل نظامهم السياسي بأنفسهم؟
هذه المعايير يجب أن تكون ثابتة، بغض النظر عن الحزب الحاكم في واشنطن أو الحكومة الموجودة في تل أبيب.
خامساً: هل يستطيع السودان استغلال التناقضات الأمريكية والإسرائيلية؟
هنا نصل إلى النقطة الاستراتيجية الأهم. حتى إذا كانت هناك مصالح مشتركة بين الجمهوريين والديمقراطيين، وبين الأحزاب الإسرائيلية الرئيسية، فإن ذلك لا يعني غياب التناقضات داخل هذه المنظومة. هناك اختلافات حول:
- حدود التدخل العسكري الأمريكي خارجياً.
- أولوية التنافس مع الصين مقارنة بالشرق الأوسط.
- العلاقة مع دول الخليج.
- تكلفة الالتزام الأمريكي غير المحدود بإسرائيل.
- حجم الانخراط في إفريقيا.
- أولوية الاستقرار الإقليمي مقابل تغيير الأنظمة السياسية.
هذه الاختلافات ليست بالضرورة خلافات أخلاقية أو حباً للسودان، لكنها مساحات سياسية يمكن للسودان التعامل معها. والأهم أن السودان لا ينبغي أن يدخل هذه المعادلة من موقع طلب الحماية من طرف دولي ضد طرف آخر، بل من موقع دولة لديها مصالح وموقع جغرافي وموارد وعلاقات إقليمية تستطيع التفاوض بشأنها.
سادساً: ما الذي ينبغي أن يفعله السودانيون؟ أرى أن المطلوب هو الانتقال من متابعة الانتخابات إلى بناء استراتيجية سودانية تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل. وأقترح أن تقوم على ثلاثة مبادئ:
الأول: عدم الرهان على الأشخاص.
لا نتنياهو هو المشكلة الوحيدة، ولا الديمقراطيون هم المشكلة الوحيدة، ولا الجمهوريون هم الحل. يجب التعامل مع المصالح والمؤسسات والسياسات الفعلية.
الثاني: عدم الخلط بين الخلاف مع السياسة الأمريكية والعداء للشعب الأمريكي. هناك قوى أمريكية مختلفة، ومؤسسات أكاديمية وإعلامية ومدنية، وتيارات سياسية لا تتفق بالضرورة مع سياسات حكوماتها. وينطبق ذلك أيضاً على المجتمع الإسرائيلي، مع ضرورة عدم الخلط بين وجود اختلافات داخل المجتمع وبين طبيعة سياسات الدولة.
الثالث: بناء مركز سوداني مستقل لتحليل المصالح الدولية.
يضم خبراء في العلاقات الدولية والاقتصاد والأمن والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، ويصدر تقديرات دورية للسياسات الأمريكية والإسرائيلية والخليجية تجاه السودان.
السودان لا يحتاج إلى انتظار نتائج الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية ليعرف من يقف معه ومن يقف ضده. يحتاج إلى تحديد مصالحه الوطنية أولاً، ثم قياس مواقف القوى الدولية وفق مدى احترامها لهذه المصالح.
إذا كانت الحرب قد كشفت أن السودان ليس مجرد أزمة داخلية، وإنما ساحة لتقاطع مشاريع إقليمية ودولية، فإن مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تنتج عقيدة جديدة للسياسة الخارجية السودانية. هذه العقيدة لا تقوم على الاصطفاف الأيديولوجي مع الشرق أو الغرب، ولا على اعتبار كل خصم للولايات المتحدة صديقاً للسودان، بل على استقلال القرار الوطني، وتعدد الشراكات، ومنع تحويل الموقع الجغرافي والموارد السودانية إلى أدوات في صراعات الآخرين.
السؤال الذي يستحق أن نبني عليه هذه الخلاصة هو دراسة مستقلة تجيب عن سؤال هل يحتاج السودان إلى سياسة خارجية جديدة عنوانها «الحياد الاستراتيجي الإيجابي»، أم أن موقعه في البحر الأحمر والقرن الإفريقي يفرض عليه سياسة توازن نشط بين القوى الكبرى؟
