بحصافة
لم يكن غريباً أن يتقاطر أكثر من 90 زعيماً من زعماء العالم إلى جنوب أفريقيا أول من أمس (الثلاثاء)، ليلقوا نظرة الوداع، ويشاركوا في احتفاء تأبيني لهذا الزعيم التاريخي، تجسدت كل نضالات الحرية ومكافحة العنصرية في شخصه. وكم كان جميلاً أن يشارك السودان بوفد يترأسه الفريق أول بكري حسن صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية في أول مهام رسمية تقوده إلى هذا التجمع الفريد، أضف إلى ذلك أن تلكم الزيارة التي قام بها إلى جنوب أفريقيا تحمل في طياتها دلالات مهمة ومؤشرات ينبغي أن تُقرأ بعين فاحصة وتُفهم بقلب واعٍ وعقل حصيف، إذ إن ما اعتدنا أن يتجه مسؤولون صوب الشمال سواء أكانت تلكم الزيارة واجبة أم لتسجيل موقف يرجع إليه في تأكيد أواصر الصداقة، وإن اكتنفتها بعض من الخصومة والخلف. ومن الضروري أن نستقرئ عمق هذه المؤشرات بأن السودان بدأ يتجه في الاتجاه الصحيح بحثاً عن علاقات تستصحبها كثير من النظرة الواقعية المتعلقة بمراعاة المصالح.
وأحسب أن الأخ بكري حسن صالح قد سجل بهذه الزيارة انعطافة خارجية، السودان في أمس الحاجة إليها، من حيث إن زيارات مراسم التشييع تتضمن قدراً من الحميمية التي قد تسهم إسهاماً فاعلاً في ارتخاء الحبائل المسلوبة في العلاقات الثنائية بين البلدان. وأكبر الظن عندي، أن ذلك ما رمى إليه الرئيس الكوبي راؤول كاسترو، عندما انعطف مفاجئاً الرئيس الأميركي باراك أوباما مصافحاً إياه، على الرغم من أن علاقات بلديهما شهدت توترات استمرت لأكثر من نصف قرن. وكنت أظن أن الأخ بكري حسن صالح يستغل مثل هذه السانحة الحزينة ليخلخل المشدود من علاقاتنا مع الولايات المتحدة الأميركية. وربما كان من المفيد أيضاً أن نحرك الساكنات من المياه الراكدة، وإن لم تكن مع أميركا فلتكن مع دول أخرى من الميسور معالجة خلافاتنا أو توترات علاقاتنا بها.
وفي رأيي الخاص، أن الأجواء التي أُضفيت على تلكم المناسبة الحزينة كانت ترفرف في عليائها ريح فيها قدر من التضحيات والتحديات، والمهم أنها روح تبعث الأمل والتفاؤل بأن ذلكم حتماً سيحقق الأهداف مهما طال الزمن أو قصر.
إن مانديلا لم يكن زعيماً أفريقياً فحسب، بل كان مناضلاً مثالاً لكل مناضلي العالم قدوة وأسوة، وقد أُتيح لي أن قابلته مرتين، إحداهما في لندن والأخرى في جوهانسبيرج بجنوب أفريقيا، فتأكدت من القرب أن هذا زعيم من طينة مختلفة، وأن مصافحته تبعث فيك تشوقات من نضال وأشواق للحرية. فالحرية هي أصلاً ما قدمه مانديلا طوال حياته النضالية باعتباره كان ينافح سجانه من أجل أن تتحقق هذه الحرية لشعب جنوب أفريقيا ولكسر كل الخنوع والخضوع وكل أنواع الإذلال التي تمثلت في ما كان يعمل بالأبرتايب في جنوب أفريقيا وملخصها قد تشرق العنصرية البغيضة التي ما أن تحققت أسباب انتصارات هذا الزعيم حتى رأينا الأبيض والأسود لا فرق بينهما في وطن كان يخاف إذا تسلم السود السلطة في تلكم البلاد سيثأرون ثأراً عظيماً من جراء ما عانوه ولعقود من الزمان.
أخلص إلى أن هذا الملتقى الحزائني الذي تجمع يوم الثلاثاء الماضي كان يشكل التفاتة عظيمة من قوى العالم على مختلف مشاربها السياسية، ولكنها جاءت من أجل هذا الزعيم الأفريقي العظيم الذي ينبغي أن يحتفي بنضالاته كل زعماء العالم، وبالأخص زعماء أفريقيا الذين هم أحوج ما يكونون إلى وجود مثل هذا المثال الحي. والمأمول أن يدرس تاريخ هذا المناضل الأفريقي العظيم وندرسه في مدارسنا حتى يتشرب الكبار والصغار بمعاني ومفاهيم ونضالات الحرية.
i.imam@hotmail.co.uk
////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم