ما الذي كسبته الحكومة من لقاء واشنطون !؟ … بقلم: آدم خاطر

adamo56@hotmail.com

 

لعل أنظار المراقبين والمتابعين لمسيرة العلاقات السودانية الأمريكية ينظرون بعين الريبة والتشكك لنوايا الإدارة الأمريكية وهى تدعو من جانبها لمؤتمر دولي حاشد الأسبوع الماضي  من هذا الشهر بواشنطون لتقييم وإنقاذ اتفاق السلام الشامل في هذا التوقيت من عمر الاتفاق !؟ . كثير من الأسئلة والاستفسارات تثار حول حقيقة ما تعتمله النفسية الأمريكية من خلف الستار وهى قد وقفت مواقف مخزية بتباين جلي وتباعد في الخطى واستهداف بلغ حد الغارات الجوية ، و بعداء مستحكم  لحكومة السودان على مدار العقدين السابقين ، لم تشفع خلالها اليد الممدودة من قبل الإنقاذ والتعاون الذي أبدته في كثير من الملفات محل اهتمام الإدارة الأمريكية على ما ولدت من انطباعات داخلية !.  أكثر من ( 33 ) طرف جمعهم هذا المؤتمر إضافة إلى طرفي الاتفاق والجهات الأخرى ذات العلاقة والمصالح المتشابكة من وراء تداعيات الاتفاق والأزمة المتطاولة في دارفور كانوا ناشطين أو منظمات غير حكومية وأكاديميون وإعلام ممن جمعت بينهم حلقات الملتقى وقضاياه التي تمثل الحرب والسلام في بلادنا   !. ولعل هذا اللقاء يعتبر هو الأول من نوعه باتجاه السودان في ظل إدارة أوباما وتوجهاتها إزاء القضايا المطروحة دوليا في سياق التحديات الكبيرة التي تجابهها جراء الأزمة المالية العالمية وتراجع الاقتصاديات، أو مستقبل الحرب في أفغانستان وباكستان ، والمستنقع في العراقى ، والصومال وفلسطين وتطورات الملف الايرانى عقب فوز نجاد  !. إلى جانب الوضع الداخلي في أمريكا والتعقيدات التي نجمت عقب فوزه وما يواجهه من حملة تهدف لحمله للعدول عن سياسة التغيير التي اختطها لأجل إرضاء اللوبي الصهيوني والناشطين ممن يقودون الحملات المعادية ضد السودان تحت واجهة ( حملة إنقاذ دارفور ) ، ( مناهضو الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ) ، تلك الدعاوى التي باتت هي الحصان الذي تحمل على ظهره كل سياسة واستهداف يقصد بها السودان ونسف جهود السلام فيه وتعظيم آليات الحرب والقتال في مواجهة قرب استكمال مستحقات السلام ، من إعلان للقرار الخاص بأيلولة أبيى ، و موعد الانتخابات والاستفتاء وما يلزمها من قوانين وتشريعات بدأت تأخذ حيزها انتهاءا بتقرير المصير !!. لكن السؤال الرئيس هو أي الأولويات والمسببات التي قادت إدارة أوباما لاستدعاء هذا المؤتمر بعيد خطاباته من تركيا ومصر للعالمين الاسلامى والعربي ، وعكوف البلدان العربية والإسلامية لقراءة ثنايا هذه الخطابات ودلالاتها ومن ثم إمكانية تجسيدها على أرض الواقع وطمأنة شعوب هذه الدول بصدقية التوجهات الأمريكية من وحى هذه الخطابات وما شرحته من قضايا ، وما وضعته من حلول وآليات، سيما وأن هذه الدول باتت لا تصدق ما يصدر عن الإدارة الأمريكية وأن آثار سياسة بوش الرعناء وخطلها تحتاج لعقود من الزمان لإزالة ما علق بالنفوس من حنق وظلامات وتشويه لسمعة أمريكا عالميا نتيجة السياسات الطائشة والشواهد الماثلة  !.

 

بهذه الخلفية كان مقدم المبعوث  الجديد غرايشن للخرطوم ولقاءاته بالمسئولين في جولات ثلاثة شملت بعض دول المنطقة والأطراف ذات العلاقة بملفات السلام في السودان، أسست في مجملها لهذا اللقاء من وحى المعلومات التي توافرت للمبعوث الأمريكي وما وقف عليه من جهود بذلتها الحكومة صوب الحل وبانجازات لا تخطئها العين ، ومن تعقيدات تحتاج لتضافر الجهود وتوفر الإرادة لدى كل الأطراف حتى تكتب الحلول المستدامة ويتم التطبيع المنشود ! . واثر هذه التوجهات التي اتبعتها أمريكا لتأكيد جديتها  بتعيين قائم بالأعمال جديد لواشنطون( وايتهيد )  خلفا لفرنانديز الذي كان جزءا من المشكل وتعقيد الحل باتجاهه باعتباره تجسيدا لسياسات الإدارة الأمريكية السابقة ، نقلت الخرطوم ملف دارفور إلى الدكتور غازي صلاح الدين  بغية تراتيب داخلية ومرئيات تخص الواقع الداخلي اقتضها المرحلة لتقوى من فرص السلام في كل مساراته .  وأحالت أيضا ملف العلاقة مع أمريكا إليه اتساقا مع ذات الأهداف وللإمكانات التي تتوافر فيه وقدرته على المناورة والإبداع في ابتكار الحلول وتجاوز المطبات دون تفريط في المبادئ والقيم والمرتكزات الكلية للدولة ، و دون أن تأخذه الضغوط  أو تربكه التقاطعات في الملفات في تحديد خيارات الوطن وأولوياته . لأجل هذه الغاية حزمت الحكومة السودانية  أمرها وتوجهت باتجاه واشنطون في يقين يحمل الأمل دون إفراط في التفاؤل والوعود الأمريكية التي خبرتها الخرطوم والتي سعى شريكها في السلام ( الحركة الشعبية ) لاحتكار العلاقة معها ورفدها بالتقارير والتنبؤات الشاطحة والأماني البوار في انهيار النظام ودنو أجله بعيد اتهامات الجنائية لرئيس الجمهورية التي تبخرت هي الأخرى إلا من حلم لأوكامبو وفرنسا  ، وترديد ذات اللغة التي تباعد من المواقف من وحى حملات التشويش والإرباك السياسي التي يقودها أبناء فرنق داخل الحركة الشعبية ، وإقصائهم لنافذين من أمثال تيلارا  وأليو وأكول  وغيرهم ممن يفهمون حقيقة مقاصد الاتفاق وكيفية بناء الثقة ودعم جهود السلام والوحدة بالعمل الداخلي بدوافع الوطن وسماحة أهله  التي مهرت السلام بالغالي والنفيس !.

 

من وحى هذا السجال المرير مع الإدارات الأمريكية السابقة والحصاد الصفري لجهة مصالحنا لدى الأمريكان رغم ما قدمناه من تنازلات  ، حملت الخرطوم أوراقها وانجازاتها تبتغى السلام وتنشد الاستقرار والحوار السوي لأجل هذه الغايات الكبار ، ولا تدعى العصمة والصواب لكل ما أقدمت عليه من سياسات أو مواقف ، ولكن التاريخ القريب يدلل على أن جدية الخرطوم في خوض حوار ندى تسوده روح الاحترام اللائق والسيادة وتبادل المصالح أحرجت أمريكا على عظم إمكاناتها وطول يدها ونفاذ آلياتها ، بل أحرج الحركة الشعبية وهى قد مضت إلى هذا اللقاء معزولة من اى سلاح أو مكسب ونجاح إلا من فساد وقتال وارتباك لم يشهده الجنوب حتى في زمن الحرب !؟ . إن لم تحوز الخرطوم على أي منفعة من هذا المؤتمر  سوى فتح أبواب الحوار على مصراعيها مع كافة الدوائر ومراكز صناعة القرار في أمريكا فهي قد حققت انجازا كان حصريا على الحركة وقياداتها التي ظلت تصول وتجول في الولايات المتحدة ، وتروج وتسوق برنامجها الهلامي المسموم المسمى ب( السودان الجديد ) تنشر الحقد والكراهية ، وتتاجر بالوحدة والاضطهاد والتهميش ليهمش الوطن برمته ، وبالمقابل لا تتاح للطرف الآخر أي نافذة لتسليط الضوء على خيبات الحركة وهدمها المتكرر لبناء السلام وارتكازها على النباح واستدعاء الأجنبي وتقليب مصالحه وخططه على برامج الوطن وخياراته !. سياسات الحركة وخططها أفسدت على أمريكا إعمال سياسة تبادل المصالح مع السودان وأخطأت تقديرات فهم الإنقاذ وقدرتها على تجاوز العراقيل التي وضعت باتجاهها ، فحملت أمريكا للعودة إلى قطار السلام والدعم مكرهة على نحو لم يجعل للحركة من إرادة ترتكز عليها سوى المتاجرة بقضية الوحدة وتصريحات عقار من واشنطون لا تحمل أي جهد في هذا الصدد ، وقد ولى زمان الوعيد والهذيان ونحن أيضا نقول قد بقى (18 شهرا ) إما أن نحمل تبعات وطن عزيز ننشده يتجاوز الرغبات الشخصية لهؤلاء الحالمين ونعمل لأجله  جميعا أو نرتاح من صياح هذه الشلة التي يقودها باقان ليروا مكانهم من سودانهم الجديد ذلك الوعد الكذوب !!.

 هذا الحوار المباشر في واشنطون باتجاهاته المتعددة وما أتاحه من مساحة لوفد الحكومة بعيدا عن المجاملات على الصعيد الثنائي أو ما تعلق بقضية السلام ، ومن واقع التوجهات الجديدة لأمريكا ويدها الممدودة لتقييم وإنقاذ السلام ما كان لها أن تقابل إلا بذات الفهم والارتياح والروح ، ورجالات الإنقاذ لا تعوزهم القدرة ولا تقعدهم الحيلة في التعامل مع أي موقف ولو كان طارئا أو تكتيكيا كيفما كانت نتائجه لآن بأمريكا ما تزال هنالك من العقلية التي ترتكز على هذه النزعات في التعاطي مع الدول !؟ . فالحصار الذي عملت لأجله الحركة لعقود حتى تسود هي  الساحة الأمريكية الداخلية والسيطرة على الرأي العام وجعل السودان مادة رخيصة للانتخابات الأمريكية قد انتهى عهده وانهارت أركانه ، وبات مهددا بحجج غازي وفريقه الذي  أحسن النشاط وفصل الخطاب لتعرية افك مجموعة باقان التي كم راهنت على الحصان الأمريكي وسلاحه وعتاده ودعمه منذ الحرب وأيامها !.  إنقاذ السلام أصبح الآن بات مكشوفا ليضع كل طرف سهمه وكتابه وتترك المعايير والتقييم للانجازات لتتحدث والحركة ما تزال في غيها تتوهم الحرب وتؤسس للانفصال لكنها تعجز في الجهر باى منهما وهى تتسول الدول والأحزاب لحشد المال لإفساد البيئة الداخلية ولا تنسى كيف تسيء لمفاهيم التحول الديمقراطي الذي تجانبه في كل ممارساتها وهياكلها وسياساتها !؟ .  لم يعد بمقدور الحركة الشعبية طمس الحقائق وتجيير الرهان لصالحها والتنافس في كسب العلاقة مع أمريكا لم يعد بالتودد والملق إن كانت لهذه الدولة مصالح جوهرية تنشدها وفق المألوف والعرف الدولي !.  هذا اللقاء بما تكشف عنه وما أستتر هو فاتحة الطريق أمام مسيرة علاقات البلدين إن صدقت نوايا أمريكا وتحللت عن ماضي تبعاتها في الهيمنة وتعقيد الأزمات لا جلب السلام واستدامة المصالح !. لن تقوى الحركة الشعبية بعد لقاء واشنطون أن تحجر على رؤى الطرف الآخر وإمكاناته في إيصال مواقفه والتقدم بها في كل ما يؤمن السلام للبلاد لتبنى على الحقائق المحضة لا الفبركة والإيهام عبر قنوات الحوار على كافة المستويات  !. والدليل على تجاوز الدولة لذاتها وتحررها من كل قديم ومواقف متحجرة أن وجدت توصيات مبعوث البشير لواشنطون القبول والتأييد من القيادة السياسية للدولة لتطوق بها الطرف الأمريكي وتجعله في موضع إما أن يتقدم باتجاهها أو يلجا إلى حيل الحركة ومماطلتها وتسويفها في القعود بالسلام ولا خاسر سواها ، وما ضر الإنقاذ وهى ترمى بسهم غازي لاستعدال عربة السلام واستقامة العلاقة مع واشنطون على هدى وكتاب منير ، لا نملك إلا أن ندعو له بالتوفيق لبلوغ المقاصد التي يرجوها شعبنا ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ،،،.       

عن أدم خاطر

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً