ما بتحصليني! .. بقلم: رقية وراق
1 أغسطس, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
32 زيارة
كانت تلك مقولة لإحدى صديقات الأسرة الممتدة في السودان. مقولة قصيرة وحاسمة، تأتي كاشارة التوقف الحمراء التي تجبر السيارات على الإذعان لها لبرهة قبل معاودة التحرك لأي اتجاه كان.
تلك العبارة الطريفة التي كانت تستلها الجارة العزيزة، في سيل الأنس النسائي لجمع الجارات المعتاد في جنبات المنزل ، توقف بها حكيا قد يطول، أو شكوى من علة أو أعراضها. الزكام والاشتباه في الاصابة بالملاريا اللعينة التي تسبيح الأجساد، كان مما تود بطلة حكايتي صم أذنيها عنه فتنقذف مقولتها اسرع ما تكون، ربما تخوفا او درءا للعلة، او تحوطا وتجنبا للوم، في عادة كلامية تضحك شريكات السمر.
تمتد شارة التوقيف عندها احيانا لتشمل التذمر من حال البلد المائل والرغبة في الرحيل الى أي مكان. كل ذلك التململ كان دواؤه حاضرا عندها:
ما بتحصليني!
عبرت الي المقولة من بين ذكريات بعيدة، تنطوي مثل بروش السعف على نقوشها والوانها البديعة ، لا تنبسط إلا في ميقات معلوم، يضربه الحنين، فتتفتح له الحواس الخمس، وتمتثل!
عبرت الي
ما بتحصليني!
فتبسمت خاطرا وفاطرا وحنينا، لأنس كنت اتفنن في كيفية النجاة بوقتي (الثمين) منه، ولكنه انتظر السداية الرضاية، ليأتيني حاضرا دافقا، وانا بعيدة بعيدة عن بلادي، لا اشتاق لشئ، مثل شوقي له، ولكل ما هو في مثل عفويته.
ما بتحصليني!
اتتني من قلب الذكرى، فاطربتني فقلت أضيفها الى حواراتي اللانهائية مع جموع الصديقات والأصدقاء، خارج السودان، بشأن ثورة بلادنا العظيمة.
يكاد تتبعنا لما يجري في الوطن ان يوقف قلوب هواتفنا وقلوبنا جميعا معها.نتفاكر، نخطط، نحزن فنبث الشكوى والنجوى، القلق والسهر فكأنما نشكو مرضا عضويا، ليس هو سوى البعد.
ما بتحصليني!
نقاطع احاديث بعضنا البعض، فتتشابك ضفائر تلك الأحاديث بل وتتعقد، تتسارع دقات القلوب وتزغرد الحناجر في تواصل مشحون بهم الوطن وقوة العاطفة ازاءه.
لا مانع ان يهتف احدنا بالآخر او بالأخرى، عندما يقع في حال الجذب الوجداني الوطني الكبير ذاك، وعندما يبدأ في بث مشاعر الايمان بالنصر القريب، لا مانع ان نستل نحن ايضا:
ما بتحصليني!
الحصيفة البليغة، يسبقها عبير الشاي، تعلو به الأيادي وتنخفض، في جلسة أنس مغربية، شبه يومية، تأتي بها نسائم الوطن الحبيب.
عندما اقول لأي منكم انني متفائلة، امتلئ فخارا بشعبنا العظيم، فليعاجلني بالرد:
ما بتحصليني!
rwarrag26@gmail.com
//////////////////