دكتور محمد عبدالله
طرح الأستاذ عثمان ميرغني، في مقاله “الفرصة للحوار… كيف غيّرت الحرب تفكير السودانيين؟”، و المنشور في “الشرق الأوسط” في 29 أكتوبر ، أسئلة مهمة حول التحولات التي أحدثتها الحرب في الوعي السوداني، وإمكان تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء التوافق الوطني. وهي أسئلة تستحق النقاش، فالسودان الذي نناقش مستقبله اليوم ليس هو السودان الذي عرفناه قبل أبريل 2023.
أتفق مع الكاتب في أن العودة إلى العملية السياسية من النقطة التي توقفت عندها قبل الحرب لم تعد ممكنة، وأن أولويات السودانيين تبدلت بفعل القتل والنزوح والجوع وفقدان الممتلكات وانهيار الخدمات. لكن بعض الاستنتاجات التى توصل لها الكاتب تحتاج إلى شيء من التدقيق، حتى لا نستبدل أخطاء الماضي بأخطاء جديدة.
أبرز هذه المسائل ضرورة التمييز بين الدولة والسلطة، وبين الجيش باعتباره مؤسسة وطنية يفترض أن تحمي البلاد، والمؤسسة العسكرية بوصفها طرفاً في المعادلة السياسية. فالحديث عن تغير نظرة السودانيين إلى الجيش يحتاج إلى توضيح: هل المقصود الجيش باعتباره مؤسسة وطنية، أم المؤسسة العسكرية بما لها من أدوار سياسية؟ إن الدفاع عن وحدة السودان ومؤسسات دولته لا ينبغي أن يتحول إلى تفويض مفتوح للحكم العسكري . فالدولة التي يحتاج إليها السودانيون ليست مجرد سلطة قادرة على فرض الأمن، وإنما دولة القانون والمواطنة المتساوية، ومؤسسات تخضع للمساءلة.
كذلك، فإن الإقرار بمسؤولية القوى المدنية عن جانب من المناخ السياسي الذي سبق الحرب لا ينبغي أن يقود إلى مساواة سياسية أو أخلاقية بين أطراف الأزمة. فقد أضعفت خلافات القوى المدنية المرحلة الانتقالية وأهدرت فرصاً كان يمكن البناء عليها، لكنها لا تعفي القيادات العسكرية من مسؤولية الانقلاب على السلطة الانتقالية، ولا تعفي طرفي القتال من المسؤولية عن اندلاع الحرب وما ارتبط بها من انتهاكات، وعن الإصرار على مواصلتها رغم الكلفة الإنسانية الفادحة.
وفي المقابل، كشفت الحرب عن وجه آخر للمجتمع السوداني، تجلى في مبادرات التضامن والعمل الأهلي، من خلال غرف الطوارئ والتكايا ومبادرات الشباب والمتطوعين. وهذه التجربة ليست مجرد استجابة مؤقتة لغياب مؤسسات الدولة، بل رصيد اجتماعي ينبغي أن يجد مكانه في أي مشروع وطني مقبل. فقد أثبت هؤلاء الشباب أن المجتمع قادر على المبادرة والتنظيم، حتى في أحلك الظروف.
أما المبادرات التى تقودها القوى الاقليمية و الدولية فيجب ألا تتحول إلى بازارات لتقاسم السلطة أو إعادة توزيع المقاعد بين القوى السياسية والعسكرية، بل إلى نقاش جاد حول أسئلة ظلت مؤجلة: كيف نبني دولة لا تحتكرها جماعة؟ وكيف نضمن جيشاً مهنياً موحداً، بعيداً عن التجاذبات السياسية؟ وكيف نحقق العدالة ونمنع الإفلات من العقاب، و كيف نعالج آثار الحرب ونرد المظالم؟
إن ما ينبغي أن يتعلمه السودانيون من هذه الحرب ليس التخلي عن تطلعاتهم إلى الحرية والديمقراطية، وإنما إدراك أن تحقيقها يرتبط بقيام دولة مدنية عادلة وقوية، تحمي مواطنيها جميعاً دون تمييز، وتصون حقوقهم وحرياتهم.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً، ولا يجوز أن تنتهي هذه المأساة إلى إعادة إنتاج الأزمة ذاتها بأسماء وشعارات مختلفة. فالمطلوب ليس مجرد حوار يعيد جمع الفرقاء حول طاولة واحدة، بل عقد وطني جديد يجعل المواطن، لا السلاح ، أساس الشرعية ومحور الدولة وغايتها.
