abusimazeh@yahoo.com
أوجدت المحاولة الانقلابية الفاشلة حالة فريدة من التعبئة الشعبية، غير المتوقعة، و استنهاضا لحالة من الرفض الواسع لأي انقلاب عسكري، يستهدف تقويض السلطة الإنتقالية أو قطع الطريق إلى الحكم المدني الديموقراطي، ووحدة عفوية في الشارع السياسي، الذي بدا متشظيا لوقت طويل. وهو تطور إيجابي، يمكن يؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات بين قوى الثورة، بكل فصائلها.
ومن ناحية أخرى، ادي التحرك غير المحسوب لرئيس مجلس السيادة ونائبه، إلى تسليط الضوء على موقفهما المتماهي مع المحاولة الانقلابية الفاشلة والمتعاطف، ضمنا، معها، وهو موقف عبرت عنه جريدة القوات المسلحة، في مقال كتبه رئيس تحريرها، حول الموضوع. مثلما وجد تعبيره الصريح، في مخاطبة البرهان ونائبه، التي حملت هجوما غير مبرر على المكون المدني للسلطة الانتقالية، وتجاهل متعمدا لإدانة التحرك الانقلابي. ما كشف شرخا غائرا في الشراكة، لم يعد من الممكن التستر عليه بمفردات التناغم والانسجام المفقودين.
لقد اخطا البرهان ونائبه التقدير، عندما حاولا الاستثمار في الحملة المزمنة لقوى الردة على تحالف قوى الحرية والتغيير، وعلى حكومة الدكتور عبدالله حمدوك، بمزيد من الاستعداء والتعبئة المضادة في صفوف القوات المسلحة، خاصة، متجاهلين، نصيبهما في المسؤولية عن أي إخفاقات للحكم، في مختلف المجالات، بحكم الشراكة القائمة بين الطرفين. ومن نافلة القول، أن المكون العسكري، بقيادة البرهان، ونائبه، كان له السهم الأوفر في عرقلة الشراكة، بانتهاك الوثيقة الدستورية، والتغول على سلطات المكون المدني،والفشل في الملف الامني. لذلك تعرض البرهان ونائبه لنقد قاس في إطار الهبة الشعبية لرفض المحاولة الانقلابية الفاشلة، كما عكستها السوشال ميديا، وفي الوقفات الاحتجاجية، التي شهدتها العديد من مدن البلاد، حد المطالبة برحيل البرهان. وهو نقد استهدف تعرية وفضح اي صلة محتملة للبرهان بالمحاولة الانقلابية، مثلما فعلت صحيفة لوريان لوجور. ويكمن خطأ البرهان ونائبه، في تقديرهما أن الهجوم الممنهج الذي ظلت تتعرض له حكومة حمدوك، وحاضنتها السياسية، من قبل فلول النظام المقبور، يمكنهما التأسيس عليه، والبناء فوقه، دون اعتبار لحقيقة أن عدم الرضا الشعبي عن أداء حكومة حمدوك، لا يرقى لمستوى القبول بالردة إلى حكم عسكري، كبديل محتمل. وبذلك فإن البرهان قد خسر الرهان، لعله لم يخسر معركة، حسب، وإنما خسر الحرب، بقضها وقضيضها.
وقد اضطر البرهان، للتراجع، في أقل من ٤٨ ساعة، عن أقواله، وتعديلها، في مقابلة تلفزيونية، مع إحدى القنوات العربية، تم ترتيبها على عجل. غير أن ذلك لن يساعد في ترميم الصورة الانطباعية التي تكونت للبرهان، وهو ينتقل من الموقف إلى نقيضه، بسرعة الضوء.
وسواء كانت المحاولة الانقلابية حقيقية ام مفبركة، مسرحية ام بروفة لانقلاب قادم، فقد مثلت حدثا، أعاد ترتيب الساحة السياسية من جديد، أو وضعها في خط شروع جديد. وعلى أساس من الفرز بين من هو مع الانقلاب، ومن هو ضده. غير أن رد الفعل الداخلي، على المحاولة الانقلابية، وعلى حديث البرهان ونائبه للجنود في الشجرة والمرخيات، ومحاولتهما تحريض العساكر ضد المدنيين، والتي اعتبرت مسعى انقلابيا، بحد ذاته، وبكل ما اتسم به رد الفعل المشار إليه، والذي لم يخل من عفوية، احيانا، من قبل الجماهير وقواها السياسية، ولجان المقاومة ومنظمات المجتمع المدني، من قوة وعزم وحزم، لم يختلف في كل ذلك، ولم يتخلف عن الموقف الدولي المتماسك الذي عبرت عنه العديد من الدول، على رأسها الترويكا، والأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، في رفضها لأي محاولة انقلابية، أو تعطيل للانتقال الديموقراطي، مع التلويح بفرض عقوبات على أي تحرك من هذا القبيل، بجانب التأييد الصريح لحكومة حمدوك. وهو موقف لافت للانتباه، لجدته، فيما يخص الأوضاع في السودان، العائد لتوه لحضن الأسرة الدولية، ربما لأن المجتمع الدولي، بعد انقلابين في مالي، وثالث في تشاد ورابع في غينيا كوناكري، لم يعد بمقدوره التسامح مع انقلاب خامس في السودان، يقوض مستقبل التحول الديموقراطي في أفريقيا كلها.
قد تكون المحاولة الانقلابية، وتداعياتها، نهاية مرحلة، من التطور السياسي للبلاد، بعد ثورة ديسمبر، وبداية أخرى. حيث يمكن التقرير بتعاظم فرص حمدوك وحكومته، وحاضنتها السياسية، في التقدم حثيثا على طريق إنجاز مطلوبات التحول الديموقراطي، بعد كسبها العديد من النقاط، بحساب زخم التأييد الذي كسبته، في الداخل والخارج، مقابل تضاؤل فرص البرهان، وحلفائه، في الانحراف بمسار الانتقال. غير أن ذلك لايعني نهاية الصراع الذي انكشف بين مكوني الشراكة الهشة، والذي سيظل يهدد بانهيارها…
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم