ما بعد مولانا… حتمية التسوية داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي .. بقلم: محمد الفكي سليمان
18 أكتوبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
mohammedelfaki10@gmail.com
من الواضح للعيان أن الأحزاب السياسية السودانية تعاني من عدد من الإشكالات جعلتها غير قادرة على النهوض بدورها المتمثل في عملية الحكم وتبادل السلطة، وبالتالي فإن التاريخ السياسي للأحزاب السياسية السودانية أكثر من نصفه موجود في الأدوار المختلفة التي لعبتها الأحزاب في قيادة المعارضة بأنواعها في مواجهة الحكومات العسكرية، إذ أن الأدبيات السياسية والفكرية والتراث الغنائي وقصص التربية داخل هذه الأحزاب، تجدها محتشدة بصور نضالية مختلفة وبمشاهدات ووثائق في مقاومة الأحزاب السياسية للأنظمة العسكرية التي سلبتها حقها في الحكم، لذلك فإن الأحزاب السياسية في السودان غير وثيقة الصلة بالمهمة الأساسية التي تقوم بها الأحزاب والتي من أجلها يتم تكوين الأحزاب، وهي المهمة المتمثلة في تولي الحكم والسعي لترتيب تبادل السلطة بين الحكومة والمعارضة.
إن ضعف فاعلية الأحزاب السياسية في السودان يقود مباشرة إلى بنية الحزب، وعلى الرغم من الأحزاب في السودان ظهرت بعيداً عن الطائفة، بل وفي تضاد معها إلا أنها سعت وفي خاتمة المطاف إلى توثيق علاقتها مع الطائفية، الأمر الذي أدى إلى انحسار تأثير الأحزاب على البنى الاجتماعية المختلفة، وأضعف من أمر المشاركة الشعبية.
وعلل الأحزاب السياسية السودانية هشاشة البنية وقيامها على الولاء الطائفي والقبلي والشخصي والأسري، الأمر الذي أضعف بنيتها وزهد ناشئة المتعلمين والقوى الحديثة من الانضمام إليها أو لجوئها إلى إقامة علاقات سطحية معها بحكم المنابت الطائفية والقبلية.
وينطوي التنظيم الحزبي في داخله على نوع من ممارسة السلطة التي تقود وتوجه نشاطه، ولذلك يقصد بهذا المؤشر ما إذا كانت السلطة داخل الأحزاب السياسية موزعة ومنتشرة عبر مستوياتها المختلفة أم مركزة لدى قيادة مركزية مسيطرة، وهذا يعتمد على مؤشرين:
أ.البناء التنظيمي للأحزاب السياسية، فالمفترض أن يكون للحزب نظام أساسي أو لائحة داخلية توزع الإختصاصات بين المستويات التنظيمية المختلفة.
ب.عملية صنع القرار، الانتخابات، التحالفات.
وتشهد ممارسة الأحزاب السودانية أن الديمقراطية تمت التضحية بها على الدوام لصالح الديكتاتورية، فعلى مستوى الأحزاب صارت القيادات الحزبية تفرض هيمنتها الكلية على كل عضويتها، وتحتفظ لنفسها بسلطات تظل تتسع باستمرار. وتتطور في أثناء ذلك آليات تنظيمية تسحق كل نزعة مستقلة. إن الديمقراطية تنادي بحق الأقلية في الاحتفاظ برأيها والدعوة إليه من داخل المنابر الحزبية. ولكن واقع الأمر أن وجود أقلية داخل الحزب في السودان أمر مستحيل.
إن هيمنة القيادة الحزبية على أجهزة الحزب الموجودة أو حلها وتغييبها نهائياً من الوجود، هو الطريقة السودانية التاريخية لإدارة الحزب، والتاريخ يشهد على أن هذه الهيمنة مورست في كل الأحزاب السياسية في السودان، إذ لا توجد انتخابات داخلية غيرت رئيس الحزب الفعلي بخليفة له، إن الانتخابات داخل الأحزاب مهما قيل عنها تعد وسيلة لتعزيز هيمنة القيادة.
ويعد بناء حزب ديمقراطي لا يعتمد على رباط طائفي أو إثني أو عسكري في هذه اللحظة أمرا بالغ الصعوبة والتعقيد، وكل المحاولات التي سارت في ذلك الطريق دخلت ذاكرة التاريخ، بينما بقيت الأحزاب التاريخية بإشكالاتها التاريخية التي تحتاج بدون شك إلى قراءة في أسباب بقائها رغم كل ما اكتنف الأحزاب السودانية من مخاطر ومواجهات.
إن تحدي الزعيم القائد في الحزب السياسي في السودان يقود إلى طريقين لا ثالث لهما:
أ.ترك الحزب والسياسة معاً.
ب.الخروج مع أنصارك في الحزب وتكوين فصيل باسم الحزب والدخول في صراعات مع الحزب في اسم وأصول الحزب ومواقعه التاريخية، أو المواصلة بهذه المجموعة إلى حزب آخر.
ولم تنجح أي حركة إصلاحية أو مجموعة ضغط أو تيار في الوصول إلى منصب الزعيم في أي حزب سوداني على مر التاريخ وتتفق في هذه النقطة الأحزاب التاريخية مع أحزاب الإسلاميين واليسار جميعها.
لا يمكن بطبيعة الحال بناء نظام ديمقراطي دون أحزاب ديمقراطية. الأحزاب ذات التكوين الطائفي تماماً مثل الأحزاب ذات التكوين العسكري لا يمكن أن تكون أحزاب ديمقراطية بالمعنى المشتمل على توزيع المناصب والاختصاصات والمهام، وبالتالي تتكثف فيها المواجهات عند تولي المسؤوليات الحكومية والسير تجاه المناصب ذات التأثير الواضح.
ويتفق الجميع أن هنالك علاقة طردية بين رسوخ النظام الحزبي واستقراره وبين توافر الديمقراطية داخل الأحزاب، بمعنى أنه كلما كان النظام الحزبي مستقراً وراسخاً كلما أمكن توقع مزيد من الديمقراطية في أحزابنا.
إن آفة الأحزاب التاريخية هي تنظيماتها أو هياكلها التنظيمية، فهذه الهياكل تفتقد القدرة على توفير المتطلبات لنظام حزبي فاعل ومؤثر، وأهم هذه المتطلبات استثمار مختلف الإمكانات والطاقات الحزبية. ولا يتحقق ذلك إلا عبر مشاركة واسعة من أعضاء الحزب على مختلف المستويات التنظيمية وبصفة خاصة على المستوى القاعدي، مهما كان عدد هؤلاء الأعضاء.
في السودان يمكنك أن تلاحظ دون اجتهاد كبير أن الأحزاب التاريخية (الأمة، الاتحادي)، تعتمد على مجموعة من القواعد البشرية لا يمكن التشكيك في أنها مجموعات بشرية يتم استدعاؤها لحسم نتيجة الانتخابات لصالح الحزبين، وإن هذه المجموعات لا تشرك في قرارات الحزب ولا توجه مسيرته بل والواضح تماماً أن مجموعات كبيرة جداً من أنصار الحزبين غير موجودة على أي مستوى تنظيمي حزبي، ومهمتها تنتهي بوصول قلة إلى مقاعد الحكم وتعود هي إلى أدراجها لتسمع أخبار الحكومة عبر قنوات الإعلام الرسمي والمعارض.
لذلك لم يكن غريب سكون المجموعات التي تقدر بالملايين عند وقوع أي انقلاب عسكري يحدث على السلطة التي يفترض أنهم انتخبوها وتمثلهم، بل أن هذه المجموعات تستقبل الوافد الجديد المنقلب على الحكم بذات القدر من الترحاب، فالوافد الجديد غريب لا يمثلها، والراحل المنقلب عليه لا يمكن أن يكون ممثلاً لها على الرغم من إصراره على تأكيد هذه النقطة.
وظلت الأحزاب التاريخية تحظى بتأييد مستمر طوال سنوات ما بعد الاستقلال ولأسباب متباينة ما بين سياسية، واجتماعية، ودينية وظلت مسيطرة تماماً على الريف السوداني الذي يعيش فيه أكثر من نصف سكان البلاد. إلا أن هذه الأحزاب وعلى الرغم من هذه المناصرة ظلت بلا فعالية تذكر بل وعجزت في أكثر من اختبار من تصريف شؤون الحكومات التي فوضتها لها الجماهير وشكلتها من منسوبيها بموجب هذا التفويض، والسبب في هذا الضعف يعود إلى إشكالات في بنية هذه الأحزاب، فبنى اجتماعية تمثل ما قبل الحزب مثل الطائفة والقبيلة وجدت بكاملها داخل الحزب، بل أن حزب مثل حزب الأمة قام أساساً على طائفة الأنصار، بينما دخلت مجموعات الأشقاء والاتحاديين في حلف مع طائفة الختمية، هذا الحلف الذي ظل متقلباً ولمدة نصف قرن من الزمن جعل حزب مثل الحزب الاتحادي الديمقراطي حزب غير مستقر أو واضح الحدود والمؤيدين، عندما يكون الحلف بين الأشقاء والختمية راسخاً فهذا يعني ضمناً أن الختمية في تلك اللحظات من منسوبي الحزب الاتحادي، عندما تنقطع العلاقة بينهما فإن للختمية حزب (الشعب الديمقراطي) أو حلف باسم الطائفة مع أحزاب أخرى.
إن عدم حسم هذه العلاقة داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي أضر بالحزب والنظام الديمقراطي في البلاد والذي يشكل الحزب الاتحادي الديمقراطي أحد الركائز الأساسية به، إن المناورات الحزبية بين أعضاء الحزب الواحد مثل الحزب الاتحادي قادرة على أن تجعل (الختمية) يدخلون في حلف مع آخرين لمواجهة شركائهم (الأشقاء) لمجرد خلاف حزبي يمكن أن يكون مرتبطاً بتوزيع الحقائب الوزارية بين الختمية والأشقاء، ولمدة نصف قرن من الزمان ظلت العلاقة مضطربة حاول الطرفان حسمها بسعي كل طرف منهما لتكوين حزبه، ولكن سرعان ما يلتقيان باتفاقيات تستمر أو تعود وتنقض.
الختمية لديهم اعتقاد جازم بأنهم القيادة الجماهيرية للحزب على الرغم من أن عددهم أقل كثيراً من نصف الاتحاديين مجتمعين استناداً على حسابات الدوائر الانتخابية، أو عدد الأصوات في الانتخابات الديمقراطية التي جرت بالبلاد. بدون شك حدثت تحولات كبيرة خلال سنوات ما بعد 1989″ لكن قوة الطائفة الختمية تكمن في أن مجموعها يتحرك حركة موحدة بخلاف بقية الاتحاديين الذين كانوا موحدين خلف كاريزما الأزهري وغابت وحدتهم بغيابه.
إن الختمية والاتحاديين يتحركون في فضاء جغرافي واحد يمثل مركز السودان النيلي ووسط من كردفان حتى البحر الأحمر، لذلك فإن محاولات الفصل المستمر بينهما لم تنتج شيئاً، كما أن الاستمرار بالطريقة السابقة ولمدة نصف قرن هي التي أنتجت هذا الحزب العليل، إن العلاقة بين الختمية والاتحاديين محتاجة لتقنين في دستور الحزب ولوائحه، وهذا الوضع ربما لا يرضي الاتحاديين بحسبان أنه يقنن للطائفة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل التسوية التاريخية في قضية ظلت معلقة لنصف قرن وأقعدت بمسيرة الحزب سيظل رهين الأمنيات بخلق حزب ديمقراطي غير طائفي؟ إن الاستقرار في كثير من الأحيان يكون رهيناً بالاعتراف بالواقع المعقد نفسه.
إن الاتفاق اللبناني الذي اوقف الحرب الأهلية يجعل من رئيس الدولة اللبنانية مسيحي ماروني، ومن رئيس الوزراء مسلم سني، ومن رئيس مجلس النواب مسلم شيعي، إن تقنين الطائفية والاعتراف بها هو الذي قاد لاستقرار النسبي في لبنان على الرغم من شذوذ المسلك ومنافاته للديمقراطية الكاملة.
إن التسوية السياسية داخل الحزب الاتحادي بتقاسم الاختصاصات والنفوذ بين الاتحاديين وحلفائهم الختمية من شأنه أن يسكت هذه الحرب الدائرة داخل أروقة الحزب ولنصف قرن من الزمان والتي جعلت من الحزب الذي حقق الاستقلال حزب غير فاعل وغير قادر على اضطلاعه بمهام الحكم بالبلاد.
كما أن إشراك منسوبي الكتل الاجتماعية التاريخية مثل الطوائف والقبائل في القرار السياسي، يعد هو تحدي الأحزاب التاريخية لتفعيل أحزابها، المطالبة من هذه الكتل الاجتماعية في حسم المعركة السياسية عن طريق التصويت يتطلب العبور خلف الحواجز الاجتماعية والحديث مع أفراد هذه المجموعات كمنسوبين للحزب وليس منسوبين للطائفة أو القبيلة، وبالتالي تفعيلهم في المؤسسات الحزبية.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأحزاب التاريخية هو بناء هياكل حزبية حقيقية واستيعاب منسوبي تلك الأحزاب فيها، وهذا يتطلب جهداً كبيراً وفهماً سياسياً قادراً على إجراء تسويات تاريخية بين الكتل الاجتماعية داخل هذه الأحزاب، حتى تتحول هذه الأحزاب إلى أحزاب فاعلة ومؤهلة للحكم والنظام الديمقراطي، بما في ذلك تحدي الديمقراطية الأول في تحقيق السيطرة المدنية
*اليوم التالي