sattinureldin@gmail.com
بين يدي الجزء الثاني من المقال الرصيّن المطوّل للسفير الدكتور نورالدين ساتي تحت هذا العنوان، تواصل “إيلاف” نشر هذه السلسة من المقالات التي ابتدرها الكاتب المرموق في الحلقة الأولى بهذه المقدمة ” اطلعت منذ فترة علي مقالات رصينة لصديقي العزيز الدكتور النور حمد والتي اختار لها عنوانا جذابا، كدأبه أبدا، هو “التغيير والقيد الرعوي”. وأحرص علي ألا تفوتني مقالة من مقالات الأخ النور أو كتاب من كتبه وذلك لرصانة فكره وأصالة آرائه التي ينثرها بالكثير من الشفافية والجرأة والإقدام، وهذا ما نحتاجه لنخرج به من ورطتنا الراهنة. ولا شك أن كل من اطلع علي كتابه الأشهر “مهارب المبدعين” يوافقني علي ذلك. كما اطلعت علي المقالات العشر بذات العنوان التي بعث بها الي الأخ الدكتور النور، وعلي تعقيب صديقنا وأخينا الأكبر الأستاذ عبدالله علي إبراهيم علي المقال الأول منها. وها أنا ذا “أدلي بدلوي”.
فإلى الجزء الثاني من المقال:
فضاءان متلازمان ومتكاملان ولكن ..:
الفضاء الرعوي والفضاء الحضري متلازمان ومتكاملان ويحتاجان لبعضهما البعض، ولكنهما يمكن أن يصيرا متنافرين، بل ومتشاكسين في ظروف معينة، وذلك عندما يهمل أحدهما الأخر أو يتجاهله أو يتغول عليه. وحسن الإدارة والحكم يتطلبان أن يكون ولاة أمريهما مدركين لطبيعة هذه العلاقة “الجدلية”. فلكل منهما مقوماته وهياكله الأساسية الاجتماعية وقيمه وأخلاقياته وموروثاته وسلوكياته وثقافته ووسائل تعبيره. ومنها ما يمكن أن يكون مشتركا ومتبادلا بينهما كالمعتقدات الدينية أو الفضائل الأخلاقية، إلا أنه حتي هذه يمكن أن يكون هنالك تباين كبير بينهما في ممارستها أو التعبير عنها في شكل سلوكيات يومية أو ممارسات اجتماعية. وربما لا تكون هنالك إشكالية كبيرة إذا “لزم كل منهما حدوده”، وهذا ضرب من المستحيل في عالم اليوم، الا أن الاشكالية تنشأ، أو قل تتفاقم، عندما يتجاوز كل منهما حدوده، لسبب أو لآخر، ويتم الاشتباك بينهما فيتغول أحدهما علي الآخر. حينئذ تنقلب العلاقة التكاملية السلمية الي علاقة تنافرية-عدائية ويصبح كل منهما يشكل تهديدا مستمرا للآخر.
والظاهرة الحضرية في بداياتها الأولي هي بمثابة ملتقي طرق يتطور بمرور الزمن فيصير مركزا تجاريا لتبادل المنافع، ثم مركزا صناعيا، ومركزا للإدارة والقضاء، ثم حاضرة للحكم المركزي أو الجهوي. وهذا السيناريو قابل للتبديل أو التعديل، أو التقديم أو التأخير وفقا لمقتضي الظروف والأحوال في بلد أو آخر. وطوال فترة النمو الحضري تتبدل وتتعدل علاقة المركز الحضري بالفضاء الرعوي والريفي من حوله سلبا أو إيجابا وفقا للعلاقة التبادلية بينهما التي تحكمها علاقات الإنتاج والمبادلات البشرية والتجارية والمعرفية، من ناحية، ومدي إنصاف أو اجحاف المركز الحضري في التعامل مع الفضاءات التي تحيط به والتي تعتمد عليه ويعتمد عليها في نموه ورفاهيته وأمنه واستقراره وضمان إمداده بما يحتاج اليه من مواد أوليه أو استهلاكية. وهذه العلاقة ليست من جانب واحد وإنما هي علاقة تبادلية تكاملية كما أسلفنا، وأي خلل في هذه العلاقة يعرض الجانبين الي مخاطر جسيمة، لا سيما أذا استمر هذا الخلل فترة طويلة دون أن يجد العلاج الناجع ويتعذر إصلاحه بالطرق السلمية فيلجأ كل جانب الي سلاحه الذي يعرفه ويجيد استخدامه. وربما يكون ذلك سلاح الجيوش النظامية من جانب و”حرب العصابات” من جانب آخر. وعليه، فإنه من الضروري أن تكون هذه العلاقة قائمة علي أسس العدل والانصاف والاحترام المتبادل والوفاء بالعهود والاتفاقيات والمواثيق غير المكتوبة في بعض الأحيان، والتي تعتمد علي مبدأ أساسي هو مبدأ الأخذ والعطاء. وهو مبدأ حيوي وضروري لاستمرار العلاقة وديمومتها. ومن الأخطاء الجسيمة التي يرتكبها أي من الطرفين هي أن يكون البادئ بقطع هذه الدائرة الحيوية أو أن يكون هو المستفيد الأوحد علي حساب مصلحة ورفاهية وأمن الجانب الآخر. وفي أحيان كثيرة يكون الطرف الجاني هو الطرف الحضري، خاصة عندما تتركز لديه السلطة والثروة: السلطة في تجلياتها المختلفة المادية والروحية والاقتصادية والثقافية والمعرفية والتقنية. وعندما تتآزر سلطة الحكم وسلطة المال والثروة وينقطع تداولهما الا ما بين الأغنياء والأقوياء، ويصيرا (دولة بين الأغنياء منكم) تقع الكارثة. فاكتناز المال والسلطة يؤدي الي خلل كبير في المجتمع. كما أن الصراع بين البدوي والحضري عندما يصير ظاهرة سيكولوجية تتقمص الفرد والجماعة فإنه تصعب معالجتها إلا عن طريق التربية المدنية التي تعمل علي بناء السلوك الاجتماعي الرشيد.
وقد توصل الغربيون الي حلول ربما لا تكون هي القول الفصل ولكنها علي أية حال خففت كثيرا من احتكار السلطة والمال. ففي مجال الحكم ابتدع الغربيون النظام الديموقراطي كوسيلة لتداول السلطة وعدم بقائها في ذات الأيدي لفترة طويلة. وفي مجال المال ابتدعوا النظم المصرفية وشركات المساهمة العامة التي فتحت المساهمة فيها لكل الناس. وكما أسلفنا، فإن هذه النظم ليست خالية من العيوب، الا أنها في الوقت الراهن علي الأقل قد كفلت التقدم والاستقرار لشعوبها وسيأتي الوقت الذي تشعر فيه تلك الشعوب أن تلك النظم لم تعد تفي بحاجاتها وتبدأ في البحث عن وسائل لإصلاح وتعديل تلك النظم لتكون أكثر مواكبة للمتغيرات الاجتماعية والسياسية التي تكتنف تلك المجتمعات.
ولعل العد التنازلي قد بدأ، كما أشار الي ذلك الأخ الدكتور النور حمد، بصعود الحركات والشخصيات الشعبوية من أمثال جان ماري لوبين وبناته ودونالد ترامب، وصعود اليمين المتطرف في عدد من الدول الغربية كالنمسا والدنمارك وهولندا واسبانيا والمجر، وفي نفس الوقت ظهور الحركات الاحتجاجية المناهضة لاحتكار السلطة ورأس المال علي شاكلة “احتلوا وول ستريت” و”حفلة الشاي”. وما هذه الا مرحلة جديدة في رحلة مجتمع رأس المال، أو مجتمع ما بعد رأس المال، الذي ربما يتطابق بشكل أو بآخر مع مجتمع ما بعد الحداثة، الذي يعيد طرح أسئلة جوهرية فيما يتعلق ببعض الأسس المبدئية التي قام عليها المجتمع الرأسمالي كالعلاقة مع البيئة، والمضاربة علي المال وتسليعه، والنمو كمعيار للتقدم، والمنافسة المفتوحة دون وضع الكوابح المؤسسية التي تحول دون استحواذ الأقلية علي نصيب “الأسد” من الثروة التي هي أقصر الطرق الي السلطة في عالم اليوم.
ويبدو أنه بعد أن دار رأس المال دورته واستنفذ كافة قدراته أن بعض أهله أصبحوا يرون ضرورة “ضرضرته” ببعض الاشتراكية، التي كانت “كلمة بذيئة” في المجتمع الأمريكي، الذي هو المجتمع الرأسمالي الأكبر، ولعل أقرب تعبير عن ذلك الموقف في زمننا هذا هو الدعم الكبير الذي وجده المرشح الديموقراطي “بيرني ساندرز”، الذي لو أنه طرح مثل أفكاره التي طرحها خلال حملته الانتخابية في ستينيات أو سبعينيات القرن الماضي لأتهم بالهرطقة والكفر بمبادئ الرأسمالية التي كانوا يظنون أنها “ما تخرش ميه”. وإذا الماء الآن يتسرب من كل جانب. وليس هذا سببا يجعلنا نبتهج فرحا نحن معشر المؤمنين بشراكة الناس في الماء والنار والكلأ، وهي العناصر المكونة الأساسية لمعايش الناس، وإنما علينا أن نتأمل في هذه التجربة الإنسانية التي أخرجت الملايين، بل المليارات من الناس من دائرة الفقر والعوز وقدمت للعالم حضارة بلغت شأوا عظيما من التقدم الزراعي والصناعي والتقني، كما قدمت نظاما للحكم كفل العدل والحرية والكرامة لشعوب المجتمعات التي تبنته، حتي إن كان ذلك علي حساب بعض الشعوب الأخرى التي تولت بغصة منه، وإن سر بعضهم أحيانا.
والتساؤل الذي نطرحه هو مدي إمكانية استخلاص الدروس والعبر من تلك التجربة ومدي صلاحيتها، مع التعديلات المطلوبة، لمجتمعاتنا، وما هي النواقص التي يتوجب علينا تلافيها، وهل يمكن لنا أن “نعزل” ما يرضينا ونترك ما لا يرضينا، وما هو السبيل الي ذلك؟
وهذه الأسئلة تتفرع منها أسئلة أخري أكثر “عواصة” أولها يتعلق بالعلاقة بين التطور والتراكم المادي والاستغلال ٠(مع الاعتذار مقدما لأصدقائي من الشيوعيين، خاصة صديقي العزيز كمال الجزولي، لتغولي علي “حاكوره” من حواكيرهم الفكرية). فلا نعرف حضارة عظيمة قامت دون ممارسة شكل من أشكال الاستغلال من الرق الي السخرة الي الاستعمار أو الاحتلال أو النهب أو السلب. كيف تم بناء الاهرامات، وسور الصين العظيم، وكيف بنيت روما، وأثينا وفارس، وكيف بني الانجليز والفرنسين والاسبان والبرتغاليون والبلجيك والامريكان بلدانهم. وفي ذلك الوقت لم يعرف العالم ميثاق حقوق الانسان، وحتي بعد أن عرف حقوق الانسان في شكلها وإخراجها الحديث، خاصة بعد الثورة الفرنسية، ظلت فيها “خيار وفقوس”. ذلك تاريخ بعيد، ولكن الناس ليسوا سواسية حتي في يومنا هذا. ولكن أصبحت قضية الحقوق أكثر تعقيدا من أي وقت مضي. فالأقوياء يستخدمونها ككرت ضغط ضد من لا يروق لهم، كما أن من لا يروق لهم لا يطبقها الا بعد أن تمارس عليه ضغوط كبيرة. وحقوق الناس ضائعة بين هذا وذاك.
ومهما يكن من أمر، فإنك في حاجة الي عمالة رخيصة لكي تتطور، ومن الأفضل إذا كانت دون مقابل مادي كبير حتي يمكنك جني أكبر قدر ممكن من الربح ليتم التراكم المطلوب للثروة، ثم الاستثمار في المزيد من الأعمال والمشروعات. وهكذا تصير عجلة التطور والتقدم عن طريق العمالة الرخيصة وتراكم رأس المال وإنتاج السلع ودوران الأموال والسلع والخدمات وتداولها بين الناس. هذا هو النمط الذي لا يزال سائدا بشكل أو بآخر الي يومنا هذا. ومن مشاكل هذا النمط، الي جانب استغلاليته، هو أنه لا يصلح لبلد كالسودان، حيث تنعدم “تراتبية الانضباط المهني” وحيث يري كل واحد أن “الكبير الجمل”، و”يقول للأعور أعور في عينو”!
وتضيق فرص تبادل المنافع والتجارب والأفكار في المجتمع الرعوي، وتتسع كلما جنح المجتمع الي التكامل والي التكثيف والتركيز التي هي من متطلبات المجتمع الحضري المدني الذي ينتقل رويدا من انتاج واستهلاك السلع والمنتجات “البدائية” (بمعني التي ترتبط ارتباطا مباشرا بالطبيعة)، الي انتاج سلع ومنتجات أكثر تعقيدا من خلال الاختراعات والاكتشافات التي تساعد علي تلبية احتياجات المجتمع الجديد الذي بدأ ينتقل من مرحلة “البدائية” (بمعناها الكريم) الي مرحلة التفكير المنطقي والتراكم المعرفي والتجريبي والابتكاري والصناعي والتقني. وهذه هي العملية التي يتم من خلالها الانتقال من ذهنية البداوة الي ذهنية الحداثة والمدنية المرتكزة علي التفكير العلمي-التجريبي والعقلاني، والتي تدخل في تركيبتها الحميمة عناصر الوقت، وإزاحة القيود المفروضة علي الفكر الحر، واتساع الحيز السياسي والاجتماعي والنفسي، والأخذ والعطاء والمساكنة اللصيقة، وتبادل المنافع وتكامل المصالح في إطار نظم ومؤسسات محكمة الاتقان تخضع لقوانين وأعراف تختلف تماما عن تلك التي اعتاد عليها الناس في المجتمع الرعوي-الريفي. وهي نظم ومؤسسات تتطلب درجة عالية من الانضباط والسرعة والدقة والاتقان مما لا يتوفر لدي أولئك الذين اعتادوا علي حياة الريف أو البادية ذات النمط الهادئ الوديع، والتي يمكن للإنسان فيها أن “ياخد راحتو”، فالدنيا “ما طايره”، و”العجلة من الشيطان”. أما هنا، فالشيطان (كاللجان) في كل مكان، و”العجلة” فاتتها السيارة، والقطار والطائرة، والصاروخ عابر القارات والمحيطات، وكمان الآن عابر النجوم والأفلاك. والناس الآن يتأهبون للسفر الي المريخ (والهلال؟) مع شركة Spacex الأمريكية، ربما في عام ٢٠٢٢. والتذكرة ب … متين ألف دولار فقط لا غير، إذا أردت أن تعرف. “والكوم بي قرش والدقه بلاش”. إنه حقا آخر الزمان! ونحن نتفرج ونقول شغل خواجات مجانين، و”الما بتلحقو جدعو”.
هكذا يتم التكامل في أجواء “الغرفة” الالكترونية التي يتعاضد فيها الإبداع والمال والتقنية في منظومة متناسقة، الهدف منها ليس اشباع الحاجات الأساسية (التي لم تعد قضية لأولئك الذين يعيشون في العصر الالكتروني في بلاد الغرب)، بل توسيع حدود الممكن والنفاذ الي عوالم جديدة، إذ أن كوكب الأرض لم يعد يكفي للجم طموح العقل البشري. ولكن هنالك ناس “في الثري” وناس “في الإكليل”. وعلي أية حال “خيال الشعر يرتاد الثريا”، فليذهبوا حيث شاءوا فلسان حالنا يقول: “ها هنا نحن قاعدون”!
وهنالك أكيد فرق بين الذي يجلس في مكان معزول في بادية من البوادي وينظر الي السماء حيث يري “قمر أربعطاشر” وهو في أبهي حلله وهو يرسل أشعته الفضية علي الكثبان الرملية، والنجوم منتثرات من حوله، فيتأمل في عظمة الخلق والخالق:
(إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) {آل عمران ١٩٤}
و: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(12)﴾ [النحل: 12]
وإن كان من المتصوفة:
(سراج من نور الغيب بدا، قمرُ تجلّى، كوكبٌ بُرْجُه في فلك الأسرار، طلع بدرُه من غمامة اليمامة، وأشرقت شمسه من ناحية تهامة،.. اسمه سبق القلم،.. فوقُه غمامة بَرَقتْ، وتحت برقه لمعت،) (تراث الحلاج)
فإن كان شاعرا أو رومانسيا فإنه سيذكر قول شعراء الحقيبة:
“الكواكب احتفلوا بي القمر”
أو:
“لي نيه في قمر السما
ما قصدي أه ما أجسما
لله أموري بسلما
والقمره ما لقيت سلما”
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم