محمد صالح محمد
لا تزالُ الأيامُ تدورُ، وتتعاقبُ الفصولُ، وتمضي السنين كأنها طيفٌ عابر إلا أنَّ في قلبي ركناً لا يأتيهِ التغيير، وفي روحي وطناً لا يعرفُ سوى عنوانِك. أكتبُ لكِ اليومَ والمسافاتُ التي تفصلُ بيننا تضيقُ كلما اتسعت لأنَّ قلبي بات بوصلةً لا تشيرُ إلا إلى جهتكِ ولا تعرفُ طريقاً غيرَ مسالكِ ذكراكِ.
عهدٌ لا يزول…
منذ أن التقينا وأنا أؤمنُ بأنَّ الحبَّ ليس مجرد كلماتٍ تُقال أو مشاعرَ عابرةٍ تذوبُ مع أولِ شعاعِ شمس، بل هو عهدٌ غليظٌ يُعقدُ في سماواتِ الروح. لقد قطعتُ على نفسي أن أبقى حارساً لهذا الحب، أحرسهُ من عثراتِ الزمن، وأحفظهُ من برودةِ الأيام. نعم و ما زلتُ على العهد ذاك الذي قطعناهُ تحت ظلالِ ذكرياتنا الباقية حيثُ كان الوقتُ يتوقفُ حين نتحدث وحيثُ كانت الدنيا بأكملها تنحصرُ في لمعةِ عينيكِ.
يا زولة يا مَن سكنتِ الروح …
يا “زولة”… ويا نبضاً يترددُ صداه في كل أرجاء كياني كيفَ أصفُ لكِ مدى الحنين الذي يأكلُ جوانحي؟ الحنينُ ليس مجرد اشتياقٍ لشخص، بل هو اشتياقٌ لتفاصيلكِ الصغيرة؛ لضحكتكِ التي كانت تضيءُ عتمةَ أيامي، لصوتكِ الذي كان يربتُ على كتفِ روحي حين يثقلها التعب.
أبحثُ عنكِ في الوجوه فلا أجدُ إلا ملامحكِ وأستمعُ إلى الضجيج فلا أسمعُ إلا همسَ ذكرياتنا. لقد صرتِ أنتِ القصيدةَ التي لا تنتهي واللحنَ الذي أدندنُ به كلما خلوتُ بنفسي.
إنَّ حبكِ ليس مجردَ ذكرى بل هو حاضرٌ حي، يتنفسُ معي، ويشربُ قهوتي، ويشاركني ليالي السهر الطويلة.
وفاءٌ أبدي …
يقولون إنَّ الأشياءَ بمرور الزمن تذبل و لكنَّ حبي لكِ كشجرِ الزيتون جذورهُ في الأرضِ راسخة وأغصانهُ تتوقُ دائماً للسماء. ما زلتُ أتذكرُ تلك الوعود، تلك التي رسمناها على رمالِ الروح ولم تمحها أمواجُ الغياب. أنا هنا ما زلتُ كما تركتِيني أحتفظُ بكِ في قلبي كأغلى الأمانات، أحرصُ على ألا تلمسَ ذكراكِ يدُ النسيان، فكيفَ أنسى من كانت لي الحياةَ في ذروةِ انكساراتي؟
رسالةٌ إلى ما وراء الحنين …
لو كان بإمكاني أن أجمعَ كلَّ شوقِ العالم في كلمة لقلتُها لكِ الآن. لو كان بإمكاني أن أعبرَ إليكِ عبرَ ممراتِ الزمن لما ترددتُ لحظةً واحدة. لكنني أكتفي بالبقاءِ على عهدي و أكتفي بأن أحبكِ في غيابكِ كما أحببتكِ في حضوركِ بل ربما أكثر لأنَّ الحبَّ في غيابِ المحبوبِ امتحانٌ للوفاء وأنا بفضلِ حبكِ نجحتُ في أن أكونَ أوفى العشاق.
ما زلتُ أحبكِ يا زولة.. ما زلتُ أنتمي إليكِ برغم كل شيء، وما زالَ قلبي رغم كلِّ ما مرَّ به، ينبضُ باسمكِ وحدكِ في صمتِ الليل وفي زحامِ النهار.
فكوني بخير.. فأنا لا أزالُ هنا على عهدِ الحبِ باقٍ ما بقيتْ في جسدي روح.
لا زلتُ ألملمُ بقايا عطركِ من قمصانِ الذكرى، وأحاولُ أن أستحضرَ ملامحكِ كلما داهمتني غصةُ الفقدِ في منتصفِ الليل. أعلمُ أنَّ الأقدارَ قد تكونُ قاسيةً، وأنَّ الطرقَ قد تفرقت بنا لكنَّ شيئاً واحداً لم يتغير: قلبي ما زالَ يرفضُ التوبةَ عن حبكِ، وما زالت روحي ترفضُ السكنَ في غيرِ ديارِ ذكراكِ.
يا زولة.. سأظلُ أنتظرُ -حتى لو كان الانتظارُ حتفي- طيفاً يمرُ في أروقةِ روحي ليخبرني أنكِ بخير وسأظلُ أرسمُ وجهكِ في كلِّ تفاصيلِ يومي وكأنكِ قدرٌ لا مفرَّ منه وكأنكِ الخطيئةُ الوحيدةُ التي لا أريدُ لها غفراناً. سأبقى على العهدِ الذي بيننا عاشِقاً لا يعرفُ الفتور، ومحباً يقتاتُ على فتاتِ اللقاءاتِ القديمة و موقناً بأنَّ الحبَّ الصادقَ لا يرحلُ أبداً بل يخلدُ فينا و ينمو في صمتٍ ويكبرُ مع كلِّ نبضةٍ تصرخُ باسمكِ وحدكِ في هذا الفراغِ الكبير.
نامي يا زولة في عمقِ قلبي فما زلتُ أنبضُ لكِ، وما زالَ الحنينُ إليكِ هو الهواءُ الوحيدُ الذي يمنحني حقَّ الحياة.
١٤ فبراير ٢٠٢٤-كوستي (من بين صفحات دفتر نازح)
binsalihandpartners@gmail.com
