.
مقدمة: :
يقول الراحل بدر شاكر السياب:
وتحسُّ في دمــها كآبــةَ كلِّ أمطـــــــارِ الشتاء
هي والبغايا خلف سورٍ والسُكارَى خلفَ سور
دَميَتْ أصابعهــنَّ تحفـــرُ والحـــجارةُ لا تلين
والسورُ يمضُــغُهنَّ ثم يغيـــــــئهنَّ رُكامَ طين
نصباً يخــــلّدُ عـــارَ آدمَ واندحـــــــارَ الأنبياء
وكشاطئينِ من النجومِ علي خليـــجٍ من ظـلام
يتحرقانِ ولا لقـــاءَ ويخـــــــمُدانِ سوى رُكام
النص:
ركب درويش المجهول مهاجراً إلي أوروبا بحثا عن حياة أفضل تكفل له الكرامة والمستقبل الآمن له ولأبنائه المفترضين..
في النمسا عمل راعياً للكلاب لدي أمرأةٍ مسنةٍ طيبة، صار درويش، بمرور الأيام بمثابة إبنً لها .. فقد كانت العجوز تحرص علي طعامه وشرابه ومأواه، تماما، كحرصه هو على كلابها، وتسهر وتتسهد إذا ما طال به الغياب ليلا يتسكع في الخارج.
ماتت المسنة بعد أن نجح درويش في أن يجمعها في أيامها الأخيرة، بعد فراق دام دهورا، بنورا إبنتها البدينة، التي هجرتها طويلا حين اختارت أن تعيش لوحدها هائمة على وجهها كبائعة لوحات مشردة.
.
أوصت المسنة عند الرحيل بأن تؤول السيارة والدار وحتى الكلبين لدرويش، لكن الأخير بعد أن آل له كل شئ، عمل على التخلص من الكلبين اللذين كانا يوما الحبل الوحيد الذي أوثق رباطه بالدار. ثم لم يكد أن رتّقٰ دائرة الوفاء ورد الجميل، بالزواج من نورا، التي لم تكن تخلو رغم بدانتها من شئ من الجمال، فكانت ميمي الصغيرة ثمرة زواجهما الواقعي الذي خلا تقريباً من الحب.
كان درويش ذكوريا محافظا،ً وفاحشاً في آن معا، فإنه لم يتوان إبان تيهه ومجاهل رحلته إلي أوروبا، من أن يأخذ نصيبه من اللذة الحرام، ذلك رغم أخطار الطريق وفواصل السياج الحديدي.. فهو لا يري من غضاضة في ذلك. فالشرف لديه كقطار أبدي يسير في إتجاه واحد.
.
تعود درويش أن يملأ رئتيه بعبق السعادة، حينما لا تبخل عليه الحياة بذلك.. وأن يثمل باللذة حينما يتعاطاها مع فتيات مجهولات مبتورات، لكنه لا يتردد في سفك دماء نسائه إذا ما خامرهنّ الشبق وأفتتنّٓ بالغرباء والمتسكعين. فهو ذكوريّ حتى الثمالة وذو معايير مزدوجة للفضيلة.
.
عندما كبرت ميمي الجميلة ونضجت ثمار أنوثتها المعتقة، كبرت بالمقابل تلقائيا هموم درويش.. وكبر التناقض الذي كان يقبع كالعفريت النائم سنينا بداخله، فإنه قد أتي إلى أوروبا يبحث فيها عن الحرية والحقوق ونعيم الحياة، لكنه فيما يتعلق بإبنته، الثمرة الأوروبية الخالصة، فهو شرقي من رأسه حتى أخمص قدميه. إن فؤاده لم يزل سجينا هناك في صعيد مصر و أرياف السودان.. فلماذا يا ترى تراوده أوروبا عن نفسه، وتحاول في إلحاح أن تفض عليه قيمه ومكتسباته، لماذا تصر أوروبا أن تقتحم عليه حصونه الذكورية.
.
في اليوم الأول الذي استقبلت فيه الدار “توني” الصبي المفتول العضلات مثل كبش بري، ضيفاً علي فراش ميمي الجميلة، ضاقت عليه أوروبا من أركانها وانهد فوق رأسه حلم السنين.
.
رسم درويش، المغلوب على أمره، من فوق شفتيه الشاحبتين إبتسامة كافية صفراء، أفرغها في وجه الضيف الجديد.. كما لم يبخل بالثرثرة بعض الشئ وإسداء عبارات لائقة، إرضاء لأوروبا وتحايلا علي ما اعتمر في قلبه من التناقض والنزاع.
طوال الليلة التي كان يضج فيها فراش ميمي بجلبةٍ غير معتادة، لم يرَ درويش النوم مما ألم به تلك الليلة من الوساوس والكوابيس، فقد تراءى له أخوه ذو الشارب الكث والعينين الجاحظتين، أكثر من مرة وقد علا ثيابه غبار الطريق ووعثاؤها، يجرجره صوب غرفة ميمي الصغيرة، والسكين بيمينه تقطر دما، كيما يذبحانها سويا دون تردد علي قارعة الطريق.. لقاء ما جلبته عليهما من الفضيحة والعار.
.
بدأت تنعقد وتستحكم في ناصيته دوائر الشر. لكن نورا وميمي اختارتا النهاية علي طريقتيهما، بأن دفعتا بدرويش من قمة جرف صخري إلي هاويةٍ سحيقة، للتخلص منه، أو ربما لتخليصه من الوساوس والكوابيس.
.
إنتهى
nagibabiker@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم