ما قبل كوش
بيئة ومجتمعات السودان من إنسان سنجة إلى فجر مملكة كوش
(نحو 160,000 – 2500 ق.م.)
د. الرشيد خليفة
ثمة ميلٌ إنسانيٌّ راسخ، لا نُبرّئ منه أحداً، هو الانتقال مباشرةً من الأساطير إلى الممالك، كأن التاريخ يبدأ فجأةً حين يظهر الملوك ويُبنى الحجر. أما ما سبق ذلك من آلاف السنين التي جرى فيها كلّ شيء، من تشكّل الإنسان إلى تطور اللغة إلى اختراع الزراعة إلى تأسيس القرية الأولى، فيُطوى في عبارة واحدة في كتب التاريخ المدرسي: «عصور ما قبل التاريخ»، وكأن غياب الكتابة يساوي غياب الحدث.
هذا المقال يرفض تلك العبارة المريحة، ويجلس مع السودان الجغرافي في الفترة الممتدة من وجود إنسان سنجة قبل نحو 160,000 سنة، حتى تشكُّل مملكة كوش حول عام 2500 ق.م.، أي قرابة مئة وستين ألف سنة لم تكن خواءً البتة، بل كانت مسرحاً لتحولات بيئية وديموغرافية وثقافية غيّرت شكل البشرية. والأدلة ليست وفيرة كما نتمنى، فالتراب يبتلع ما لا يُحفظ، لكنها أكثر مما يعترف به من لم يبحثوا.
المشهد الطبيعي، حين كانت الصحراء الكبرى بحيرةً وغابةً
أولى ما يجب أن نُدركه ونحن نُعيد قراءة هذه الحقبة هو أن «السودان» الذي نتحدث عنه لم يكن يشبه السودان الذي يعرفه الناس اليوم. فالمناخ في هذه الفترة الشاسعة لم يكن ثابتاً، بل مرّ بدورات مناخية حادة غيّرت وجه المنطقة جذرياً. علم المناخ الرسوبي (Paleoclimatology) يُثبت أن ما يُعرف اليوم بـ«الصحراء الأفريقية الرطبة» (African Humid Period) امتد من نحو 11,000 إلى 5,000 سنة قبل الحاضر، وكان فيه شمال أفريقيا والسودان الحالي أكثر رطوبةً وخضرةً وغابةً وبحيرات مما هو عليه اليوم [1].
بمعنى أكثر وضوحاً: الصحراء الكبرى لم تكن صحراء. وكان النيل وروافده يمتلئ بمجارٍ مائية إضافية، وكانت السافانا تمتد حيث لا ترى اليوم سوى الرمال. وكانت ضفاف النيل الأعلى — في المنطقة التي تقع فيها الخرطوم وسنجة ومناطق شرق السودان اليوم — جنّاتٍ بحسب مقاييس ما قبل الزراعة. هذه البيئة المتحوّلة هي المفتاح الذي يفسّر حركة السكان ونماط معيشتهم وانتشارهم [2].
أما في الفترات الجليدية وما بعدها، وبخاصة بين 70,000 و40,000 سنة قبل الحاضر، وهي الفترة المعروفة بـ«عنق الزجاجة الجيني» (Genetic Bottleneck)، فقد انكمشت مجموعات البشر بصورة حادة، ويُعتقد أن وادي النيل كان أحد الممرات الحيوية التي حافظت على استمرارية السكان وانتقالهم شمالاً وخارج أفريقيا [3].
إنسان سنجة وجيرانه، من كانوا وكيف عاشوا
عثرالادارى البريطاني، حاكم منطقة ألفونج W.R.G Bond، ليس لة علاقة بعلم الحفريات ولا علم الأنثربولوجيا ولا حتى بجيمس بوند، صدفةََ على جمجمة إنسان سنجة عام 1924، في موقع على ضفاف النيل الأزرق في السودان عند انحساره الموسمي في شهر فبراير. أرسل المستشار الجيولوجي لحكومة السودان هذه الجمجمة إلى المتحف البريطاني للتاريخ الطبيعي، حيث تولى وصفها العلمي Sir Arthur Woodward وكان يعد اكبر سلطة عالمية في علم الحفريات الفقارية في عصره. إختار السير ودورد عنواناََ طريفاََ لمقاله الذي نشرة عام 1938 في مجلة Antiquity وصف فيه إنسان سنجة برجل الأدغال أو إبن الأدغال، حسب لغة علم الأنثروبولوجيا الإستعمارية حينذاك: “ A fossil skull of an ancestral Bushman from the Anglo-Egyptian Sudan”. أثبتت التحليلات الأحدث، والتي يمكن الأعتماد عليها باستخدام طريقة التأريخ بالثوريوم واليورانيوم (Uranium-Thorium, U-Th Dating) أن هذه الجمجمة تبلغ من العمر ما بين 133,000 و160,000 سنة منذ الوقت الحاضر، أي أنها من أقدم بقايا الإنسان العاقل (Homo sapiens) خارج منطقة القرن الأفريقي الإثيوبي [4]. ومن يقرأ هذا الرقم قراءة متأنية يُدرك أنه يسبق خروج الإنسان من أفريقيا بعشرات الآلاف من السنين، مما يجعل صاحب هذه الجمجمة ليس إنساناً بدائياً هامشياً، بل ممثلاً لمجتمع بشري بالغ الأثر في شجرة التطور الإنساني.
ما الذي نعرفه عن طريقة حياة هؤلاء؟ الشواهد الأثرية من مواقع النيل الأوسط لهذه الحقبة تُشير إلى مجموعات صغيرة من الصيادين وجامعي الثمار (Hunter-gatherers)، تتحرك موسمياً تبعاً للمياه والفريسة، وتصنع أدواتٍ حجرية تنتمي إلى ما يُعرف بالثقافة الحجرية الوسطى الأفريقية ( or Middle Paleolithic Middle Stone Age )، وهي أدوات أدقّ صنعةً وأكثر تنوعاً مما سبقها [5].
والجدير بالذكر أن هذه المجموعات لم تكن معزولة: فوادي النيل كان دوماً ممراً للتواصل البشري، وتُشير التشابهات التقنية في صناعة الأدوات الحجرية بين مواقع السودان ومواقع إثيوبيا وشرق أفريقيا إلى شبكة من التواصل الثقافي سابقة لأي حدود بكثير [6].
العصر الحجري القديم الأعلى، الفنان الذي لا نعرف اسمه
بين نحو 40,000 و10,000 سنة قبل الحاضر، تتطور الأدوات الحجرية وتتنوّع الشواهد الأثرية في منطقة السودان. وتُمثّل مواقع وادي حلفا على الحدود السودانية المصرية حالياً أحد أغنى أرشيفات هذه الحقبة في أفريقيا الشمالية الشرقية. فقد وثّق عالم الآثار الأمريكي أنتوني ماركس (Anthony Marks) في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي للثقافاتٍ الباليوليتية في هذه المنطقة [7].
أما الفن الصخري الذي تحتضنه مناطق البطانة وجبال النوبة ووادي الحمر في السودان، فيمثّل شاهداً آخر على حياة إنسانية ثرية تتجاوز مجرد البحث عن الطعام. هذه النقوش — ومنها صور للحيوانات البرية كالزراف والفيل والتمساح — تُظهر أصحابها مراقبين دقيقين لبيئتهم، وربما راوين لقصص لا طريق لنا اليوم إلى تفسيرها كاملةً [8].
الثورة الخضراء الأفريقية، حين اخترع السودانيون شيئاً لا يُنسى
نحو 8000 – 5000 ق.م. شهدت منطقة وادي النيل الأوسط ما يمكن تسميته بـ«ثورة نيوليتية أفريقية» متوازية ومستقلة جزئياً عن تلك التي جرت في الهلال الخصيب. فقد كشفت الحفريات في موقع الشهيناب (Shaheinab) على النيل شمال الخرطوم، وهو موقع حفره البريطاني أركيل (A.J. Arkell) في الخمسينيات، عن مجتمع شبه مستقر يمارس صيد السمك وصيد الحيوانات البرية ويصنع الفخار، في حدود 4000 – 3000 ق.م. [9].
والأهم من ذلك أن الشواهد الأثرية تُشير إلى تدجين الحيوانات، لا سيما الأبقار، في مناطق السودان والسافانا الأفريقية بصورة مستقلة عن التدجين في الشرق الأوسط، وربما أسبق. فالدراسات الجينية الحديثة على الماشية الأفريقية تُشير إلى خطوط تدجين منفصلة ترتبط بأفريقيا جنوب الصحراء [10]. وهذا لا يعني أن أبناء السودان الأوائل رفضوا الاستيراد الثقافي من الجوار، بل يعني أنهم لم يكونوا في انتظاره جالسين على الارائك .
أما الزراعة المحلية فتُشير الأدلة في شرق السودان وامتداد منطقة الساحل إلى استئناس بعض الحبوب الأفريقية كالذرة الرفيعة (Sorghum bicolor) في هذه المنطقة، إذ يُعدّ السودان وإثيوبيا وتشاد مهداً أصلياً لهذا المحصول الذي يُطعم مئات الملايين اليوم [11].
ثقافة الخرطوم الحجرية وثقافة القاش، الجسر بين الصيد والمدينة
في الفترة بين 6000 و3000 ق.م. تتشكّل في المنطقة السودانية ثقافات أثرية موثقة توصف أحياناً بـ«نيوليتية وادي النيل». أبرزها ما أسماه أركيل «مجمع الخرطوم الحجري» (Khartoum Mesolithic) ثم تطوره في «نيوليتي الخرطوم» (Khartoum Neolithic). تتميز هذه الثقافات بفخار متطور نسبياً، وأدوات عظمية، وشواهد على تصنيع الزوارق، وعلى وجود شبكات تبادل سلعي بين مجتمعات المنطقة [12].
وفي شرق السودان، ثمة مجمع أثري آخر يُعرف بـ«ثقافة القاش» (Gash Group) يمتد من حدود 3000 إلى 1500 ق.م. تقريباً، ويُشير إلى مجتمعات شبه حضرية تمارس الزراعة وتُربّي الماشية وتتاجر مع جيرانها في الشمال والشرق. والمثير أن هذه الثقافة لا تُذكر في الغالب في الكتابات العامة عن تاريخ السودان، لأنها تقع في ذلك الفضاء الزمني المُهمَل بين «ما قبل التاريخ» وصعود كوش [13].
النوبة البِكر، المجتمع الذي مهّد لكوش
بين 3800 و2500 ق.م. تظهر في المنطقة الممتدة بين الشلال الأول والرابع ثقافة تُعرف باسم «مجموعة أ» (A-Group) في الأدبيات الأثرية، وهي ثقافة يرفض كثيرٌ من الباحثين اليوم وصفها بالبدائية، بل يُقرّون بأنها كانت تتمتع بتنظيم اجتماعي معقد، وشبكة تجارية نشطة مع مصر الفرعونية، وتقاليد دفن راقية تعكس تصوراً للحياة الأخرى لا يختلف جذرياً عما نجده لاحقاً في المجتمع الكوشي [14].
والحقيقة أن «مجموعة أ» لا تكاد تُذكر في الكتابة العامة عن السودان القديم، لأن مصطلحها الأثري الجاف — «مجموعة» — يفتقر إلى الدراما التي تحملها كلمات مثل «ممالك» و«فراعنة». لكنها حقيقةَََ هي المجتمع الذي جمّع الخبرات والتقاليد والتجارة التي ستُبنى عليها كوش. بمعنى آخر: كوش لم تنزل من السماء، بل نمت من تربة أعدّتها قرون [15].
وتجدر الإشارة هنا إلى أن التفاعل مع مصر في هذه الحقبة لم يكن تفاعلاً من طرف واحد. فالأدلة الأثرية تُشير إلى أن تجار «مجموعة أ» كانوا وسطاء في نقل بضائع أفريقيا الداخلية، العاج والذهب والأبنوس والزيوت، إلى مصر، وأن لهم حضوراً تجارياً بارزاً. ثم جاءت موجة التوسع المصري في الفترة الأولى (حوالي 3100 ق.م.) لتُهمّش هذا المجتمع مؤقتاً، قبل أن ينبثق منه ما هو أعظم [16].
مئة وستون ألف سنة ليست مقدمة
يُخطئ من يظنّ أن هذه الحقبة الطويلة — من سنجة إلى كوش — هي مجرد تمهيد لشيء أهم. فهذه المئة والستون ألف سنة هي في ذاتها تاريخٌ كامل لمجتمعات بشرية حقيقية، بَنَتْ وهاجرت واخترعت وتبادلت وفنت وأحبّت وتطورت في واحدة من أكثر المناطق تنوعاً بيئياً في العالم القديم.
والسودان الجغرافي في هذه القراءة ليس «مسرحاً» للأحداث، بل هو فاعلٌ محوري في الرواية الإنسانية: حافظ على خطوط الإنسان العاقل في أحلك فتراته المناخية، وأنتج محاصيل غذّت القارة، ومرّر التجارة بين أفريقيا العميقة والبحر المتوسط، وراكم الخبرة الحضارية التي أتاحت لكوش أن تقوم قوياً.
وإذا كانت كوش الممكلة قد أُعطيت ما تستحق من بحث واهتمام — وهو اهتمام ما زال أقل بكثير مما تستحق — فإن ما قبلها يستحق ضعف ذلك الاهتمام، لأن من لا يعرف أين بدأ لن يفهم تماماً كيف بنى.
المراجع
[1] deMenocal, Peter B. et al. “Abrupt Onset and Termination of the African Humid Period.”Quaternary Science Reviews, 19(1–5), 2000، ص 347–361.
[2] Drake, Nick A. et al. “Ancient Watercourses and Biogeography of the Sahara Explain the Peopling of the Desert.” Proceedings of the National Academy of Sciences, 108(2), 2011، ص 458–462.
[3] Behar, Doron M. et al. “The Dawn of Human Matrilineal Diversity.” American Journal of Human Genetics, 82(5), 2008، ص 1130–1140.
[4] McDermott, Frank et al. “New Late-Pleistocene Uranium-Thorium and ESR Dates for the Singa Hominid (Sudan).” Journal of Human Evolution, 31(6), 1996، ص 507–516.
[5] Mc Brearty, Sally & Brooks, Alison S. “The Revolution that Wasn’t: A New Interpretation of the Origin of Modern Human Behavior.” Journal of Human Evolution, 39(5), 2000، ص 453–563.
[6] Kleindienst, Maxine R. “What Is the Levallois? A Definition Based on Some East African Evidence.” Azania: Archaeological Research in Africa, 2(1), 1967، ص 1–22.
[7] Marks, Anthony E. (ed.). Prehistory and Paleoenvironments in the Central Negev, Israel. Southern Methodist University Press, Dallas, 1976 (يتضمن مقارنة مع مواقع وادي حلفا).
[8] Le Quellec, Jean-Loïc. Rock Art in Africa: Mythology and Legend. Flammarion, Paris, 2004.
[9] Arkell, A.J. Shaheinab: An Account of the Excavation of a Neolithic Occupation Site. Oxford University Press, Oxford, 1953.
[10] Hanotte, Olivier et al. “African Pastoralism: Genetic Imprints of Origins and Migrations.” Science, 296(5566), 2002، ص 336–339.
[11] Doggett, H. Sorghum (2nd ed.). Longman Scientific & Technical, Harlow, 1988.
[12] Haaland, Randi. “Aqualithic — A Stone Age Culture in Africa South of the Sahara.” Norwegian Archaeological Review, 25(1), 1992، ص 1–19.
[13] Fattovich, Rodolfo. “The ‘Pre-Aksumite’ State in the Northern Horn of Africa.” في: Afrikas Horn: Akten der Ersten Internationalen Littmann-Konferenz. Harrassowitz, Wiesbaden, 2005، ص 3–43.
[14] Adams, William Y. Nubia: Corridor to Africa. Allen Lane, London, 1977.
[15] Trigger, Bruce G. History and Settlement in Lower Nubia. Yale University Press, New Haven, 1965.
[16] Wilkinson, Toby A.H. Early Dynastic Egypt. Routledge, London, 1999
