فيصل بسمة
بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.
إعتادَ بعضٌ/كثيرٌ من المفكرين و السياسيين و كُتَّاب الأعمدة و أصحاب الرأي من الإعلاميين و الناشطين السودانيين و آخرون من دونهم من جماعات ”المهتمين“ بالشأن السوداني على وصف ما يجري/يدور في بلاد السودان من إقتتال و حروب و دمار بأنه: (نزاع) عرقي عنصري و (صراع) حول السلطة و النفوذ و الموارد و (خلاف) و (إختلاف) سياسي و إجتماعي و فجور في الخصومة و إستغلال للدين و إقحامه في السياسة و إنهيار في القيم و الأخلاق و تفلت و فشل أمني و فساد إداري و مالي عظيم و إهدار للموارد و نهب للثروات غير مسبوق و تآمر و إرتزاق و عمالة و إرتهان لقوى و جهات أجنبية و… و… و… ، و أسهبوا و أطنبوا و برعوا في إختيار المسميات و إطلاق الأوصاف و الصفات و النعوت على ”الأزمة السودانية“ حتى إختلط الأمر على كآفة الشعوب السودانية و جماعات المتابعين و المراقبين المهتمين بالشأن السوداني ، و لما طال أمد الحرب و بلغت: الفوضى السياسية و الإقتصادية و العسكرية و التفلتات الأمنية و معدلات القتل و المجازر الجماعية و الإنتهاكات و الفظاعات و الدمار و الفساد السياسي و الإقتصادي و الإداري و النعرات الجهوية و العنصرية ذروتها و مراحل غير مسبوقة في تأريخ بلاد السودان إستحدثوا أوصاف و صفات و نعوت و مسميات جديدة برزت منها و تكررت كثيراً مفردات: (لعب عيال) و (عبث) و (لامعقول)…
المفردة (نزاع) جذرها الفعل نَزَعَ و تصريفه نَزَعَ ينزعُ نزوعاً ، و الفاعلُ نازعٌ و المفعولُ به منزوعٌ ، و صيغة المبالغة نَزَّاع ، و للنزعِ و النِّزَاعِ و المُنَازَعَةِ معاني متعددة ، و قد تفيد/تعني حسب السياق: القلع و الإستخراج و الإزالة و الخلع و السلب و الإنحسار و الدفع و الجذب و المجاذبة و (الخلاف) و (الإختلاف) و الخصومة و الخروج عن الطاعة و العراك و المغالبة و الصراع ، و قد يكون النزاع سلمياً أو قد ينتهج سبيل العنف…
و (الصراع) إسمٌ ، و مصدره الفعل صَرَعَ و تصريفه: صَرَعَ يَصْرَعُ صَرَعاً و مَصْرَعاً ، و الفاعل صارعٌ و المفعول به مصروعٌ و صريعٌ ، و الفعل صرعَ قد يعني ، و حسب السياق ، الطرح أرضاً و المغالبة و القطع و التجزئة و الإهلاك و القتل ، و الصراع يتضمن و يفيد معاني: التباين و التعارض و التضارب و الخصومة و المشادة و التنافس و النزاع ، و كما النزاع فقد يكون الصراع سلمياً أو يكون طابعه العنف…
و أغلب الصراعات تنشأ في العلن بين أفراد أو مجموعات/مكونات إجتماعية حول المناصب و الحقوق و الإمتيازات و الموارد/الثروات ، و قد يكون الصراع محصوراً داخل النفس الإنسانية يتجاذبها و حينما يبرز إلى السطح/العلن يظهر في صورة أرآء و أفكار أو إضطراب عقلي و عدم إستقرار و سلوك مضطرب و غير عادي/سَوِي ، و في علم النفس فإن الصَّرْعَ يعني حالة إضطراب و عدم إستقرار تصيب النفس الإنسانية فتورثها الشك و التردد و عدم اليقين ، و قد تفضي بها إلى الخمول و الإحباط و الوسوسة و الإنعزال عن العالم المحيط ، أما الصَّرَعُ فهو حالة مرضية مزمنة تصيب الجهاز العصبي ، و تنتاب المريض فيها نوبات فجآئية من التشنجات المصحوبة بفقدان وقتي/طاريء للوعي و الإرادة…
و (الخلاف) يعني: (النزاع) و (الصراع) و التعارض و التضاد و التناقض في الأرآء و وجهات النظر و الأهداف ، و حدوث الخلاف و الصراع بين المجموعات الإنسانية ، و حتى غير الإنسانية ، أمرٌ كثيرُ الحدوثِ و من صميم سنن الحياة/الكون ، و أنواع الخلاف ، في عالم بني الإنسان ، كثيرة و متعددة الأسباب ، أما (الإختلاف) فيعني عدم الإتفاق و التباين ، و يفيد التعدد و التنوع ، و غالباً ما ينشأ الخلاف بسبب الإختلاف حول الارآء و الأفكار و القيم و المباديء و الأهداف…
و قد يتخذ (الخلاف) صفات متعددة/متنوعة ، فقد يكون فكرياً/دينياً حول الإعتقاد و الإيمان بوجود نظام كوني مركزه التصورات و الأرآء و الفلسفات حول الطبيعة و ما ورآءها ، و إن كان هنالك وجودٌ لإلهٍ خالق و رب مسيطر و متحكم ، أوجد سنن و قوانين كونية و دين ، و له أوامر و شرآئع و ما يتبع ذلك من شعآئر و طقوس و نظام جزآئي فيه الثواب و العقاب ، أما أكثر أنواع الخلاف شيوعاً و حدوثاً فهو الخلاف حول السلطة و النفوذ و نظريات و فلسفات نظام الحكم و الإقتصاد و كيفية إدارة/إستغلال الموارد و توزيع الثروات و كذلك طرق و آليات حسم الخلافات و الإختلافات ، و قد يكون الخلاف عنصرياً حول الأجناس و الإثنيات و الأعراق ، و أيها أربى و أرقى و أسمى و أكثر تميزاً و أجدر بالصدارة و الريادة و القيادة و إحتكار السلطة و النفوذ و الهيمنة على الموارد/الثروات ، أو قد يكون الخلاف بين الذكر و الأنثى حول القوامة و الأهلية و الميراث ، و قد يتخذ الخلاف منحاً سلمياً مدنياً طابعه النقاش و الحوار و النزاع المدني السلمي ، أو قد يميل إلى الجدل و الرفض و عدم القبول و إستخدام العنف و العراك و الإحتراب و اللجوء إلى العنف و إستخدام السلاح كوسيلة للحسم و الحل…
التعبير (لعب عيال) هو تعبير عامي القصد منه الإفادة بعدم بلوغ الفعل أو القول المقصود مرحلة الرشد ، أو بصيغة أخرى غياب الرشد و الإفتقار إلى الجدية و النضج في الطرح و التناول و التصرف و السلوك ، و يستخدم التعبير بغرض التقليل من قيمة: الشخص أو الشيء أو العمل أو القول أو الفعل ، و كذلك التأكيد على سطحيته و تفاهته و عدم أهميته ، أما (العبثُ) فيعني الفعلُ الغيرُ مثمرٍ الذي يفتقد إلى المضمون و الحكمة و ينقصه الهدف ، و هو أيضاً العمل الذي لا جدوى له و لا طآئل من ورآءه…
و في الإطار الفكري و الفلسفي فقد إرتبط مفهوم (العبث) بمدرسة (اللامعقول) التي ظهرت في أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، و هي مدرسة فكرية فلسفية أرسى قواعدها رواد مفكرون و كتاب أنتجوا أعمال أدبية و مسرحية خَلُدَتْ و أصبحت علامات و محطات أدبية/فكرية/فلسفية ، و قد عَبَّرَت تلك الأعمال/المنتجات الفكرية ”العبثية“ و ”اللامعقولة“ ، و بطريقة غير تقليدية أو مألوفة ، عما أصاب و طرأ على المجتمعات الأوروبية من: صدمات و مآسي و فوضى و قلق و شك و عدم يقين جرآء تلك الحرب و الدمار ، و ما نتج عن ذلك من سلوك و ممارسات جديدة رافضة و متمردة أثارت الكثير من الشكوك حول كل ما هو مألوف و معقول و موروث و متعارف/متفق عليه من ثوابت القيم و الأخلاق و المعتقدات ، و قد وَظَّفَت تلك الأعمال السخف و السخرية كأدوات/كوسآئل للتعبير عن أرآء و أفكار و أهداف منتجيها ، و كان طابع تلك الأعمال: (العبثية) و مفارقة العقل (اللامعقول) و الغرابة و العشوآئية و فقدان التسلسل و عدم الترابط ، و قد إستخدام كتاب و مفكرو و فلاسفة (مدرسة العبثية و اللامعقول) تلك الأدوات/الوسآئل للتعبير عما ما يظنون أنه ”مأساة الوجود الإنساني“ المفتقر إلى النظام و الغاية و الهدف ، كما طرحوا العديد من الأسئلة الفكرية و الفلسفية ، لكنهم في ذات الوقت لزموا الصمت و أحجموا عن تقديم أي إقتراحات أو حلول أو إجابات لتلك الأسئله!!! ، و تركوا الباب ، عمداً ، مفتوحاً على مصراعيه ، و يبدو أن الهدف من ذلك هو تحفيز القرآء على الإجتهاد و التفكير و التأويل (و كل زول ياخد من تلك الأعمال الدَّايرُو… و يفسرها على هواه… و بمزاجو!!!)…
لن يجد المتابع و المهتم كثير عنآء في إسقاط الكثير/أغلب/جميع المعاني و التفاسير الواردة في جميع الفقرات أعلاه على ما يجري و يحدث في بلاد السودان ، و إذا ما نظر المراقب المهتم إلى الأحداث و ”الأزمة السودانية“ و تَفَحَّصَ و مَحَّصَ و دقق في بعض/كثير من الشخصيات و الجهات الفاعلة و المتحكمة في الشؤون: السيادية و السياسية و التنفيذية و الإدارية و الإقتصادية و تلك المتورطة/الوالغة في الحرب و الخراب و الدمار و الأخرى الناشطة في الترويج و الإعلام و تلك المساندة/الداعمة لتيار الحرب لوجد و لاحظ أنه يغلب على بعض/كثير منها: ممارسة الظلم و الفساد و الإفساد و الجشع و الطمع و حب الذات و التسلط و عدم الإكتراث بمصالح الآخرين و مشاعرهم و الميل إلى الفجور في الخصومة و إستخدام أساليب ملتوية و فاسدة في التعامل و اللجوء إلى العنف اللفظي و الجسدي ، هذا إلى جانب طغيان: السطحية و التفاهة و الجهل و الإضطراب و نقصان العقل و الكفآءة و ردآءة التأهيل و عدم الملآئمة/الكفآءة الوظيفية و إدمان النفاق و الكذب و كذلك (قوة العين) ، و أغلب هذه الصفات ، و خصوصاً الأخيرة ، غالباً ما تقود إلى سلوك و ممارسات و نتآئج و مخرجات يصعب تصنيفها على أنها (عبث) أو تحت أي مسمى آخر ، و ذلك لأنها لا ترتكز إلى العقل حتى توزن بموازينه فيقال عنها أنها معقولة أو (لامعقولة) أو ما دون هذا و ذاك ، و لا هي من جنس الأعمال المتعارف عليها حتى تقيم مخرجاتها و منتجاتها بمقاييس و معايير ، معروفة و متفق عليها ، تختبر/تمتحن مدى قانونيتها و صلاحها و نفعها و جدواها ، كما يصعب تصنيف الشخصيات و المجموعات التي أشعلت الحرب و تسببت في الخراب و الدمار بصفات إنسانية و تصنيفها في فئات البالغين الراشدين أو الأطفال غير المُكَلَّفِين بأسباب ما ذكر أعلاه عن سلوكياتهم و ممارساتهم و الأوصاف و الصفات و النعوت التي يتحلون بها ، مما يجعل وصف أعمالهم و أفعالهم بأنها (غير راشدة) غير دقيق و لا يفي بالغرض المطلوب ، و ذلك لأنها أسوأ/أردأ من ذلك بكثير/بمراحل…
أما وصف سلوكيات و ممارسات تلك الفئات بأنها (لعب عيال) فإنه مخلٌ ، و يُعَدُّ نوعاً من العبث المسيء إسآءة بالغة إلى فئة العيال البريئة ، فالعيال حين يمارسون ألعابهم لا يدور في خلدهم و أفكارهم الطفولية أي من الأفعال و الأعمال الغير بريئة من شاكلة تلك التي أقدم عليها و مارسها/يمارسها البالغون الراشدون المتورطون/الوالغون/الداعون/المساندون/الداعمون للحرب و المحدثون للخراب و الدمار و الفوضى ، فما يدفع العيال إلى الرتع و (اللعب) هو الحب الفطري للحركة و اللهو و المرح و كذلك الحوجة الطبيعية الفطرية إلى تفريغ الطاقات الطفولية الهآئلة الكامنة في الأجسام الطفولية المعافاة/الصحيحة و التي لم تعقيها بعد الأمراض و الكبر ، كما أن طبيعة هذه الأنفس و العقول الطفلة ، التي لم تلوثها التجارب و عوامل السنين ، العفوية و البرآءة و البساطة ، فهي أنفس و عقول لم تبلغ بعد مرحلة الرشد حتى تفهم/تعي و تدرك و من ثم تتأثر بتعقيدات أرآء و أفكار و معتقدات و مرجعيات قيم و أخلاق و قوانين عوالم الكبار البالغين الراشدين التي تتنافى تماماً مع إنطلاقة و عفوية و عشوآئية و برآءة الأطفال ، لذلك فإن إستخدام الوصف (لعب عيال) قد جانبه التوفيق تماماً…
و الحمد لله رب العالمين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.
فيصل بسمة
FAISAL M S BASAMA
