مبعوث أوباما والافراط فى التفاؤل !؟

آدم خاطر

 

adamo56@hotmail.com

 شهدت العلاقات السودانية الأمريكية عداءا مستفحلا فى العقود الثلاثة الآخيرة ، كان برغبة أمريكا المعلنة وسياساتها تجاه السودان التى وصلت مرحلة القصف المباشر بصواريخ كروز على مصنع الشفاء عام 1998 م . و لم تفلح محاولات الحكومات السودانية الجادة والعديدة فى كسب ود الولايات المتحدة لأجل الوصول معها الى تفاهمات مشتركة تفضى الى تطبيع العلاقة ونقلها من مربع المواجهة الى التعاطى الموجب رغم يقينها بأهمية السودان فى محيطه وامتدادته !.هنالك خلافات داخل الأجهزة الأمريكية فى ادارة ملف السودان بين الخارجية الأمريكية والبنتاغون وكافة الأجهزة الاستخباراتية ومراكز صناعة القرار الأمريكى واللوبى الصهيونى والناشطين باسم ( حملة انقاذ دارفور ) . بدأ ظاهريا أن موضوعات السلام فى السودان  وما أسفر عنها من اتفاقيات فى الجنوب فيما  عرف ” باتفاق السلام الشامل-نيروبى    ودارفور ” اتفاق سلام دارفور- أبوجا  ” كلاهما كان برعاية أمريكية ولكنها سرعان ما خلت من الدعم والتأييد أثناء فترة التنفيذ بتقديرات أمريكية تتعلق بمصالحها واستراتيجيتها تجاه لسودان حيث يظل النفط السودانى هو الغاية من وراء هذه الرعاية لدرجة الادمان  ! . لجأت الادارة الأمريكية سواءا كان فى العهد الجمهورى أو الديمقراطى خلال العقد الأخير الى الاستعاضة بفكرة المبعوثين الخاصيين كما فى ( السيدة ماليسا ويلز 1995م المقربة من مادلين أولبرايت وزيرة لخارجية وقتها وقتها ،  والسناتور القس / جون دانفورث المقرب من بوش على عهد نيفاشا ، والاكاديمى أندرو ناتسيوس المقاوم لمجموعات الضغط  الأمريكى والسفير/ ريتشارد وليامسون وصولا الى الجنرال المتقاعد بسلاح الجو الأمريكى / سكوت غرايشن ) . لكن فكرة المبعوثين هذه قللت من الدور الثنائى الذى تضطلع به البعثات الدبلوماسية عادة ، وتراجعت من خلاله محاولات التطبيع لتدنى التمثيل بين البلدين ومردود العلاقة وانحساره الى مستوى المجاملات العابرة التى لا تغوص فى صميم المصالح  وليس بمقدورها انجاذ أمر ذى بال فى ظل التعقيدات التى تكتنف الملف وتقاطعات القرارات  . التجاوب والتعاون السودانى كان كبيرا ومفرطا فى التفاؤل مقابل وعود سرعان ما تنصلت عنها أمريكا ولم يكن بمقدور مبعوثيها من تبرير عدم وفائها بالتزاماتها وهى ما قادت ناتسيوس للاستقالة نهاية 2007 م !. فالآن والبلاد تستقبل موفدا أمريكيا جديدا أرى أن هذه فرصة حقيقية للوقوف على ماضى التجربة وما توافر لها من مكاسب ومن ثم مدى جدوى التعاطى عبر مبعوثين خاصين للولايات المتحدة للسودان بعيدا عن الطاقم الذى يحيط بادراة الرئيس أوباما خاصة على صعيد العلاقات الخارجية  ، والمعروف بعدائه الشديد للسودان والانقاذ على وجه الخصوص !.           هنالك خلط لدى بعض السياسيين والاكاديميين والمحللين السودانيين فى التركيز على شخص المبعوث وخلفياته وامكاناته وقربه من مؤسسة الرئاسة وقدرته على المناورة بين مكونات صناعة القرار السياسى فى أمريكا  وخضوعه لمجموعات الضغط ، وعدم ربطهم لشخص المبعوث بأمريكا كدولة وليس أحزابها كما ظل الحال ، نظرا لأن ما تم فى السابق كان يمثل الولايات المتحدة الدولة بكل ما تحمل من رمزيات ، وأن الذى قصف السودان فى السابق كان سلاح الجو الأمريكى وليس كلنتون كرئيس !. وجود القائم بالأعمال الأمريكى/  ألبرتو فرنانديز بالخرطوم كل هذه الفترة حتى بعد مجىء الادارة الجديدة ، وهو لا يعدو كونه ( ضابط علاقات عامة ) يوظف لغته العربية فى تطييب الخواطر وتوزيع الابتسامات ، وفعاله تؤسس للفتن وتقويض الاستقرار بالبلاد !؟ . استمراره يؤكد هذه الحقيقة فى بقاء المصالح الأمريكية مهما اختلفت الادارات ، وأن الرغبة الأمريكية فى النهوض بالعلاقات مع السودان لم تكن صادقة ولا جادة ، ومساعيهم لمحاصرة الانقاذ وتطويقها كانت الأبرز عبر واجهة لسلام الذى ظلوا يدعون رعايته !.  الوعود الأمريكية كلها جاءت مخيبة للآمال واحدثت اختراقات سلبية سواءا على مستوى الوفاق الوطنى الداخلى ، أو علاقات الجوار أو قضية السلام وتداعياتها !. كان بمقدور الولايات المتحدة حسم ملف السلام وحمل كافة الحركات المسلحة بدارفور للانخراط فى العملية السلمية واسدال ستار المعاناة الانسانية واستدامة السلام ، ولكن مصالح الولايات المتحدة ورغبة شريك الحكم ( الحركة الشعبية ) آثرت تعقيد الوضع الداخلى وارباكه وفرض المزيد من الضغوط على حكومة السودان لأجل اضعاف الحكم ان لم يتأتى تقويضه وحصد تنازلات أكبر !. توصيات هؤلاء المبعوثين فى غالبها كانت اما للمزيد من التضييق والمباعدة بين البلدين أو رمت الى فرض ترتيبات أكثر عداءا واستهدافا للسودان وذات طابع عسكرى وأمنى حالت ظروف أمريكا الحالية من الاستجابة لها !. وبالتالى  نتائج جولات هؤلاء المبعوثين لم تكن فى مصلحة السودان بداية  لجهل معظمهم  بواقعنا السياسى وقدراتنا ، بل كانت مصوبة لتحقيق نجاحات عارضة لصالح أمريكا وقد نجحت فى ذلك ولم تكن تهدف لترفيع أوترقية علاقات البلدين ، ولم تجلب فى الوقت ذاته أى اختراقات بخلاف ما تم من اتفاقيات للسلام كانت كبيرة فى قيمتها وما تواجهه البلاد من أزمات  ولكن الاعاقة  والتشويش الأمريكى لمساراتها انتقص كثيرا من حيدة ونزاهة الولايات المتحدة وحرصها على استقرار السودان واستدامة سلامه !. كلنا يقدر أن يبادر الرئيس أوباما الى تعيين مبعوث شخصى له للسودان على غرار ما تم للشرق الأوسط وأفغانستان وباكستان فى فترة وجيزة من تسلمه لمهام منصبه الأمر الذى يؤكد أهمية السودان وقضاياه وتصدررها لجدول اهتماماته .  والكل يتطلع أن يتجسد شعار التغيير الذى نادى به وتجد سياساته باتجاهنا حظها من هذا التغيير على أرض الواقع !. تصريحات أوباما عقب استقباله للمبعوث كشفت عن بعض توجهاته لرعاية مفاوضات السلام فى دارفور وهى بقدر ما تحمل من بشريات واعطاء قوة دفع جديدة وأمل لما تبقى من مساراته ، الا أنها لا تخلو من مخاطرة وتعقيدات ان اصطدمت أو تعارضت مع جهود الدوحة الماضية برعاية عربية –افريقية !. كلنا رغبة فى تجاوز مربع العداء والمواجهة مع أمريكا دون تعجل والطريق ما يزال طويلا وخطى المبعوث فى بداياتها وهو يجهل الكثير عن بلادنا وليس بيده عصى سحرية لتغيير الواقع الماثل لمجرد أنه يمثل رئيس أمريكا الجديد !. وما استثار حفيظتى فى الكتابة والتعليق على قدوم المبعوث هو درجة الترحيب والحفاوة المفرطة فى التفاؤل فيما تضمنه بيان الخارجية من كلمات وما ورد على لسان الناطق الرسمى لوزارة الخارجية ( السفير على الصادق )  والكلمات غير الموفقة التى اختارها دون أن تكون هنالك شواهد حقيقية واشارات تدعو لهذا التفاؤل الكبير !.. علينا أن نرحب بمبعوث أوباما ونبادله اليد الممدودة وقد سبقنا بها مرارا ، ولكن دون أن نمنحه هالة قد تثبت الأيام أنه لا يستحقها ولا دولته أو رئيسه الذى ما يزال الوقت باكرا لسبرغور نواياه وما تنطوى عليه سياساته !. توخى الحذر فى التجاوب مع أمريكا يوجب علينا حكمة أكبر تأخذ بعبر التاريخ  ، ولغة صارمة ومتحفظة وخطوطا حمراء بنبرة متدرجة ومعان عزيزة ملؤها الكبرياء تحفظ لشعبنا الأبى مكانته ، ولدولتنا هيبتها وهى فى معركة الجنائية التى لم تسلم أمريكا من تغذيتها  وتأجيجها !. من حقنا على أمريكا أن نذكرها بحملات العداء والمكر والكراهية التى انتظمت نهجها باتجاهنا دون أن يمنعنا ذلك فى الجلوس والتفاوض معها !. للذى يريد الحوار مع أمريكا أن ينظر الى مآلات تدخلاتها فى شأننا حاليا وما قادت اليه ، وكذا حصاد فعالها النكراء فى العراق وأفغانستان ومن قبلهما الصومال !. علينا أن نعول على واقعنا فى التعاطى مع واشنطون وأن لا نثق بوعودها ونصدقها وما تزال أثر فأسها على رأس الوطن تقطر دما !. ترحيبنا بالمبعوث الأمريكى ينبغى أن لايجهل تنكرها لمسئولياتها تجاه السلام الذى رعته فى فترة وعقدت من مطلوبات حله معا من واقع ممارساتها  !. علينا أن نستفيد من نهج الدبلوماسية الايرانية والتركية وما حققته عبر صمود مواقفها تجاه أمريكا ومناوراتها !. اليد الممدودة التى جاء يتحدث عنها غرايشن سبقتها أيادى (متجاوزة)  قدمت فيها تنازلات كبيرة وفتحت أبواب البلاد أمام الأجهزة الأمريكية بكل تشكيلاتها ولم تسلم بلادنا بعد من تهمة الارهاب ورعايته ، فيما بقيت اليد الأمريكية غير خجلى من فظائعها الموغلة فى الوحشية والدماء فى العراق وأفغانستان !. على المبعوث الجديد أن يدرك أن المعاناة الانسانية التى يتحدث عنها والقلق العميق الذى انتابه عقب زيارته لمعسكر زمزم للنازحين بالفاشر والرسالة التى حاول أن يبعث بها من خلال تصريحاته لعودة المنظمات الجاسوسية مرة أخرى ، هى بعض آثار الحصار والقرارات الاقتصادية الأحادية الظالمة التى تفرضها دولته على السودان !. ما تزال الهوة كبيرة جدا مع الولايات المتحدة لاطلاق نبرة التفاؤل ان لم تكن تبسيطا مخلا  للمرارات التى استوطنت فى نفوسنا كسودانيين ازاء أمريكا !. الادارة الآمريكية على عهد أوباما قد سمى أحد ناطقى وزارة خارجيتها رئيس الدولة بالرئيس ( الفار من العدالة ) ولاأحد وقف عند ذلك !!. وذات الادارة على عهد أوباما  من أيام خلت يقف ممثلها فى الخرطوم الكوبى فرنانديز ليقول ويسمى ما جرى فى دارفور( ابادة جماعية ) حتى يكمل لأوكامبو مراده فيما لم تفعله تهمه السبعة التى رمى بها رئيس الجمهورية !؟ .  نعم هذه هى زيارة المبعوث الأولى للبلاد ولا تحمل أكثر من كونها ( استكشافية )  فى هذا التوقيت الذى ما تزال تفاعلات الجنائية وطرد المنظمات يسود الموقف ، وما يهمنا أن لا ننشغل ونتلهى بالاشارات العابرة التى ترد فى تصريحات هؤلاء ، والبلاد قد شبعت من ملاحظاتهم المتسرعة  دون عمل جدى ومن انطباعاتهم الفطيرة والمتناقضة ومماطلاتهم وتسويفهم الممل  !. علينا أن نكون أكثر عمقا وصبرا فى التعامل مع (الخداع الأمريكى ) وااتثبت من خطاهم وتتبع مواقفهم دون تعجل !. علينا اعمال سياسة النفس الطويل طالما أضحت مطامعهم ملئى البصر وشواهدها معروفه وآلياتهم بائنة ، وما فى جعبة غرايشن ستكشفه الأيام وسرعان ما يتبخر الحلم  ما ان كانت مثل هذه الآليات ستوصلنا أو تقود الى علاقات سوية ومواقف ايجابية من واشنطون أراها بعد المشرقين !!؟ . ..

عن أدم خاطر

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً