متى وكيف بدأت حرب دارفور الحالية؟ .. بقلم: صديق عثمان
18 أبريل, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
45 زيارة
الأخ العزيز أحمد كمال الدين
مرحبا بعودتك من السودان ونسأل الله الرحمة والمغفرة للوالد محمد حسن عزالدين ولكم حسن العزاء والصبر الجميل.
والشكر الجزيل على الإستجابة للدعوة لتوثيق هذا الجزء من الصراع الوطني
وكما أشرت فإن العام 2003 هو عام المكاشفة العسكرية إذ أن الحركات اكملت تدريب أعضائها واستعدت للإعلان عن نفسها بأحداث تلفت انتباه الغافلين إلى ما كان يدور من تقتيل وتشريد للمزارع البسيط في جبل مرة وللراعي في جنوب دارفور وللتاجر المسافر ببضاعته بين وسط السودان ودارفور او بين دارفور والدول المجاورة
لذلك فالحديث عن أن الحركات المسلحة هي من بدأ القتال في العام 2003 هو حديث يتخذ من رد فعل الضحية تاريخا لبداية الصراع ، فالحركات ما كانت ستجد سندها الشعبي لو أن المزارع لم يفقد محصوله ، والراعي لم يفقد سعيته ، والتاجر لم يشعر بأن المخاطرة في طلب الرزق أصبحت أكبر من ما قد ترده عليه تجارته.
وعلى الرغم من خصوصية دارفور على باقي الأطراف من حيث وعيها المبكر بخطأ الإستمرار في النظام الإداري المركزي الذي أرساه المستعمر ، ومثابرتها المستمرة في مناهضة ذلك كما أشرت أنت بحق منذ نهضة جبهة دارفور مرورا باحتجاجات الفاشر على تعيين المرضي وحركة المرحوم داوود يحي بولاد ، على الرغم من كل ذلك فإن الصراع ما كان له أن يأخذ منحا عسكريا والمواطن ما كان ليستجيب لدعوة الحركات بتحويل سلاحه المحلي الذي كان يستخدمه في الحماية والدفاع عن ارضه وتجارته وبهائمه إلى سلاح سياسي لولا أنه شعر أن أن السلاح الذي يوجه إليه هذه المرة ليس سلاحا محليا محدودا بل سلاحا سياسيا مصدره السلطة المركزية
لعل الأخ مصطفى البطل يجد في المداولات فرصة لتوسيع التداول حول الامر ونتوقع مساهمة الأخوة الآخرين
ساقوم بتحويل المداولات إلى الأخوين محجوب حسين وسلمى التجاني فكلاهما أسهم بمقالات سابقا في هذا الشأن ونجدد الدعوة للأخوان أحمد حسين وأحمد آدم بخيت
متى وكيف بدأت حرب دارفور الحالية؟
الأخ/ صديق
سلام وتحايا
أحسنت بتوجيه هذه الدعوة .. فقد بدأت الأبجديات في زماننا هذا تبدو غريبة .. والأباطيل تبدو من قبيل المعروف ..
وفي البداية وقبل الخوض في أعماق المشكل السوداني في دارفور لابد من رسم خارطة (بدائية) لأبجديات هذا المشكل السوداني في ذلك الإقليم ..
في عام 2003م أخذت المواجهة بين الحركات المسلحة والحكومة وجها صريحا مناهضا للحكومة مع رفع شعارات سياسية واضحة ..
بدأت بعض المحاولات من شخصيات وجهات دارفورية مع حكام دارفور لاحتواء النزاع بوصفه نزاعا سياسيا وتمت لقاءات منها ملتقى الفاشر الذي حضره ممثلون للحكومة (الجيش والأمن) وتم التوصل إلى تكليف ثلاث لجان للتوجه إلى القيادات القبلية (الزغاوة – المساليت – الفور) وتبليغهم برسالة الملتقى نحو السلام .. كان ذلك في نهاية مارس 2003م .. وبعد حوالي أسبوع أو أكثر قليلا ضربت الطائرات العسكرية الحكومية أحد مواقع حملة السلاح .. وأدى ذلك إلى هجمة مضادة تمكن فيها المسلحون من احتلال الفاشر لساعات وتحطيم عدد من الطائرات وأسر قائد السلاح الجوي السوداني الذي بقي معهم وقتا طويلا قبل اطلاق سراحه بمبادرة من أفراد قبيلته ..
بعدها نشطت “مبادرة مواطني دارفور” في العمل على توجيه رسالة إلى الحكومة بأن الذي يجري هو معارضة سياسية مسلحة وليست عملية أمنية عابرة .. والتقت قيادات المبادرة بجميع قيادات الحكومة تقريبا .. إلا أن جهاز الأمن كان يرى غير ذلك وطلب من قيادات المبادرة المشاركة معهم في خطتهم لانهاء هذا الخطر الأمني ضمن وفد سماه جهاز الأمن للسفر إلى دارفور والالتقاء بقادة الحركات المسلحة في شمال دارفور (أحمد بابكر نهار و عبد الله مسار) إلا أن قيادات المبادرة رفضت ذلك رفضا باتا باعتباره محاولة تتعارض مع توجه المبادرة .. وسافر المندوبان وبقيا لشهرين تقريبا مع قيادات الحركات المسلحة دون التوصل إلى نتيجة وسلم الدكتور أحمد بابكر نهار تقريره للقيادات الحكومية حيث توصل إلى أن المشكلة سياسية وليست أمنية وأن قيادات الحركات المسلحة تعرف ما تريد وأن أهدافها سياسية تتعلق بالمشاركة السياسية والاقتصادية للاقليم وسائر أقاليم السودان ..
في نهاية أغسطس 2003م انعقدت أول جولة للتفاوض (السياسي) مع الحركات المسلحة في أبشي التشادية القريبة من الحدود السودانية التشادية وكان يقود الوفد الحكومي د. الطيب إبراهيم محمد خير (سيخة) ..
هكذا كانت البدايات الأولى للتحرك السياسي المسلح للحركات المسلحة في دارفور خلال فترة حكم الانقاذ ..
أما التاريخ القديم فيكفي ذكر صفحة واحدة في بدايات الستينيات عندما تكونت جبهة نهضة دارفور على يد قادة الجبهة الثلاثة: عباس عبد الله أبوشوك (النقيب معاش حاليا) – الأستاذ أحمد إبراهيم دريج – الدكتور علي الحاج محمد (وكلهم أحياء يرزقون) وهذه الجبهة غير موجودة الآن لكنها تمثل بداية سياسية معتبرة في تاريخ السودان السياسي ..
وثمة عمل سياسي مسلح لم يستمر كثيرا كان بقيادة داؤود يحي بولاد في مناطق جبل مرة وبالتعاون مع الحركة الشعبية إلا أنه تم القبض عليه وقتل في دارفور مع بداية التسعينيات (1991م).
كانت روابط طلاب دارفور في الجامعات، وعلى رأسها رابطة طلاب دارفور في جامعة الخرطوم، تركز على العمل نحو تنمية دارفور، وكان الوعي الجمعي لهذه الروابط هو أن الاقليم البعيد من المركز يعاني من نقص في معينات التنمية الصحية والتعليمية والأمنية والاقتصادية، إلا أن هذه الروابط كانت تركز على البعد الاقتصادي أكثر من البعد السياسي مع وعيها بأهمية المشاركة السياسية .. لهذا ساهمت في حشد الطلاب نحو العمل المباشر خلال العطلات الصيفية للمساهمة في حل بعض المشاكل وفقا للمقدرات المحدودة لهذه الروابط .. مثل تدريس الطلاب النهائيين في المدارس الثانوية وتعبيد بعض الطرق وتقديم المحاضرات التوعوية لمكافحة العادات الضارة .. أدى هذا التوجه (خاصة خلال عقد الثمانينيات) إلى تلطيف الأجواء في هذا المجال .. إلا أن صراعات قبلية بدأت في التصاعد هنا وهناك أججتها التدخلات السياسية للأحزاب ذات القواعد الانتخابية في اقليم دارفور ..
عودة إلى الصراع السياسي المسلح: استمر النزاع المسلح من عام 2003 لعدد من الأشهر تقارب العام دون أي نصر على الأرض للقوات الحكومية (بلغ عدد المعارك حوالي 70 – 80 معركة) باستثناء الضربات الجوية التي لا يمكن احتسابها ضمن معارك المواجهات الأرضية .. عندها عمدت الحكومة إلى خطة جديدة لم تكن في تاريخ المواجهات المسلحة في السودان ..
كان حاكم دارفور الفريق إبراهيم سليمان قد اتخذ قرارا بإبعاد أو نفي القيادات الأهلية لأنه كان يعتقد في ذلك الوقت أن ابتعاد هذه القيادات قد يسهل التفاوض مع الشباب .. فأرسلهم إلى سجون بعيدة في الخرطوم و مدني وبورتسودان .. وكان من بين هؤلاء الشيخ موسى هلال و الشيخ عباس عبد الله أبو شوك وأخوه الشيخ يوسف عبد الله أبوشوك، والثلاثة الأخيرين كانوا في سجن مدني .. وفجأة تم استدعاء الشيخ موسى هلال وتم الافراج عنه والاتفاق معه على قيادة قوات الجنجويد (بغض النظر عن الاسم) لمكافحة التمرد في دارفور .. ودعمت الحكومة هذا التوجه بالمال والسلاح والسلطات .. وبدأت أول أسوأ تجربة في تمزيق النسيج الاجتماعي في تاريخ السودان .. وهو ما وصفه مدير الأمن السابق بأن هذا “خطأ لن نكرره في شرق السودان” – وذلك ضمن إفادة له في لقاء مع وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) قبل حوالي ثماني سنوات ..
المعلوم أن كلمة (جنجويد) كانت معروفة في دارفور قبل أي صراع سياسي فيها .. فهم لا يمثلون أي قبيلة، لكنهم أفراد غير منضبطين من عدد من القبائل لا يلتزمون بقواعد العرف المحلي ويمارسون النهب المسلح .. وكانوا يصنفون في وزارة الداخلية باعتبارهم “صعاليك القبائل” .. وهذه الإفادة على لسان وزير الدولة بوزارة الداخلية آنذاك مولانا أحمد هرون ضمن اجتماع مع قيادات مبادرة مواطني دارفور المذكورة أعلاه، إلا أن هذا معروف في ذلك الوقت للجميع ..
لكن بعد الاستخدام السياسي للجنجويد فقد تغيرت الأمور .. وصار الجنجويد هم الذين يمثلون الحكومة ويمثلون الجيش .. واليوم صار الجنجويد محروسون بالدستور .. ولهم سلطات جهاز الأمن بعد أن صارت تلك السلطات تنفيذية .. و يقرر أمرها رئيس الجمهورية الذي وضعت التعديلات الدستورية الأخيرة معظم السلطات المفتاحية في يده .. وبهذا انتقل الجنجويد من كونهم (صعاليك القبائل) تستهدفهم وزارة الداخلية لاستتباب الأمن، إلى كونهم الآمر النافذ في العملية الأمنية على مستوى السودان كله وتحت حماية الدستور القومي للبلاد ..
ما هي (القضية) التي يحارب من أجلها حملة السلاح في دارفور؟
بعيدا عن استخدام المصلطلحات وباستقراء أوراق المفاوضات العديدة التي جرت حتى اليوم فالقضية المعلنة هي الآتي:
المطالبة بقسمة عادلة للسلطة أي المشاركة العادلة في السلطة المركزية و السلطات الفرعية الأخرى ..
المطالبة بقسمة عادلة للثروة أي المشاركة في ما هو موجود من موارد وفرص تنموية واستثمارية وتمويلية وغيرها في المجال الاقتصادي ..
المطالبة بأن تكون هذه الحقوق بالتساوي لجميع أهل السودان في جميع الأقاليم ..
المطالبة بأن تدون هذه الحقوق في صلب الدستور ويمنع تجاوزها إلا برغبة أهل السودان بنسبة عالية ..
المطالبة بأن يتم التوصل لكل ذلك من خلال تفاوض سياسي في حضور مراقبين وضامنين للاتفاق المتوقع ..
هذه مجرد خواطر عجلى لكنها تقع في صلب المشكل الذي نعيشه اليوم ..
ولا يحتوي هذا الملخص على أي من التداعيات العديدة التي نتجت عن هذا الصراع .. مثل ملاحقة المنتمين إلى دارفور في الجامعات و أماكن العمل وفي دارفور نفسها وتصفية الرموز الاجتماعية و الرموز الاقتصادية والتضييق عليهم و تطبيق نظم للتوظيف غير معلنة لمنعهم من التوظف في المواقع الحكومية (باستثناء المنتمين للمؤتمر الوطني أو الموالين سياسيا للحكومة) وأزمات داخليات الطلاب والطالبات واضطرارا أعداد كبيرة للهجرة واللجوء السياسي بما في ذلك إلى بلاد معادية .. وغير ذلك مما زرع في نفوس الكثيرين قدرا من العداء والشعور بالظلم والتضييق على أسس جهوية وعنصرية وعرقية ..
ومتى ما توجه الناس إلى حل القضية الجوهرية باعتبارها قضية سودانية محورها المشاركة العادلة في الثروة والسلطة وفقا لدستور يحقق التوازن التنموي و العدالة الاجتماعية والتعايش السلمي .. فسوف تختفي جميع مسببات الصراع في السودان ..
لكن الذي نشهده اليوم فهو لا يساعد على ذلك .. نشهد توجهات نحو استزراع الكراهية، و استنفار العداء، ومنع جهود السلام من أن تصل إلى مراسيها الطبيعية ..
والمطلوب هو مكافحة هذه الدعوات العدائية ودعوات الكراهية .. وتنشيط دعوات السلام والوفاق والحوار السلمي .. لانها تتفق مع طبيعة الانسان .. وتتفق مع رسالة الاسلام ..
والله الموفق ..
أحمد كمال الدين