متين نخُش أم درمان..؟

 


 

 

بلا أقنعة -
قالوا أنّ القائد الفرنسي نابليون بونابرت الإمبرطور الفرنسي الذي تربّع على عرش فرنسا وقاد جيوشه لتغزو أوربا وتوسّع في احتلال أراضيها، التقى في يوم من الأيام في مأدُبةِ عشاءٍ فاخِرة، بملوك وأمراءِ أوربا فأراد أحد الأمراء أن يحرجه أمام الملأ، فقال له بصوتٍ عالٍ حتى يصل لجميع من كانوا في المكان وقتها، أليس من العارِ يا نابليون أن تُقاتِل من أجلِ الأرض، بينما نحن إذا قاتلنا فإننا نُقاتِل من أجلِ الشرف..؟ فرد عليه نابليون في الحال، وكان سريع البديهة، وحاضر الخاطرة، يا عزيزي كلٌ يُقاتِل من أجلِ ما ينقُصُه، فأفحم بردِهِ ذاك الأمير، وماأراده نابليون من جوابه ذاك، إنّ الشرف ينقُصُك أيُها الأمير، ولذا فأنت تقاتِل من أجله، أما أنا فلا ينقصني الشرف بل تنقُصُني الأرض ولذا أقاتل من أجلها.
شاهدتُ فيديو لزعيم من زُعماءِ زمان اللا وعي، يُدعى إبراهيم الماظ، يقف وسط رفاقه بانبساطٍ شديد، وهو يُبشرهم بأنّ الطريق للخُرطوم أصبح مُمهدا، والوصول للحُلم المنشود قد اقترب، ومن حقه طبعاً أن يحلم بالغدِ الذي ناضل من أجله هو ورفاقِه، فبوابات الحُلم لا يجب أن تُغلّق في وجه أي شخص سعى للتغيير واجتهد من أجله، والسلام المنشود هو أمنية لو تحققت، ستُحيل الغدِ إلى واقعٍ سعيد ينتظره جميع أهل السودان، وما دفعني للتعليق على ما جاء به ا(لزعيم)، أنّ حديث الرجُل وأحلامه التي بذلها لأتباعِه، لا ترقى لأحلام قائد وضع نفسه في خانة (الزُعماء) الوطنيين.
تخيّلوا أنّه يحلم مع رفاقِه بيومٍ قد اقترب، سيدخلون فيه أم درمان، لا للاستمتاع بالسلام لبناء السودان الجديد كما كان يدعي هو وغيره، ولا للاستفادة من الاستقرار في اعادة بناء ما دمرته الحرب على الأقل لارضاء البُسطاء، من الذين تأثّروا بها في تلك المناطق، بل كان يُحدثهم عن يومٍ سيدخلون فيه لأم درمان لاستبدالهم بأهلها، وللتلذذ بحمامِ الدُش، وبهواء المُكيِّف البارد، وبحمام الساونا الذي أخبرهم بطريقته، وطالبهم بتذكيره عند دخولهم لأم درمان، ليأخذهم إليها ليأخذوا نصيبهم فيها، للتخلُّص بها من رواسبٍ تعلّقت بأجسادهم، طيلة سنوات الحرب في تلك المناطِق.
أيُعقل يا هذا، أنّ هؤلاء الأبطال ظلّوا يُقاتِلون ويُقاتّلون لأجل الاستمتاع بحمام ساونا، ولأجل النوم تحت المكيف البارد في أم درمان، وهل هكذا يعيش اهل أم درمان اليوم، ويقيني أنّك تعلم أكثر من غيرك كيف يعيش الناس فيها، وأكثر أهل أم درمان أصبح استخدام الدُش عندهم نوع من الترف، لا لعدم توفره ولكن لعدم توفّر المياه والكهرباء في منازلهم، أو لعدم توفّر ما ينفقونه عليها، أما حديثك عن الساونا، فمن اتهمتهم زوراً وبهتاناً في حديثك البئيس بأنّهم يستخدمونها، رُبما لم يدنو أغلبهم من أماكنها، وأظنّك تعلم علم اليقين بأنّ لديهم ساونا تُغنيهم عن الساونا المزعومة، فرؤوسهم تغلي من الهموم، وجيوبهم تفور من سخانة العدم والفاقة.
الجريدة

 

آراء