نزار عثمان السمندل
تقترب الحرب من الدمازين، وباقترابها يصبح النيل الأزرق حاضراً في المشهد كله. الكدالو سقطت، بحسب إعلان الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال المتحالفة مع قوات الدعم السريع، والقوات المتقدمة تتجه نحو عاصمة الولاية، فيما يقول الجيش السوداني إنه صد هجوماً في منزة وباشكركت.
بين الروايتين تمتد أرض قصيرة المسافة من الروصيرص، وأقصر من أن تفصل الحرب عن واحد من أكثر أنهار أفريقيا حمولةً في السياسة.
الكدالو تقع على بعد نحو 50 كيلومتراً من الروصيرص ونحو 60 كيلومتراً من الدمازين، قريبة من الحدود الإثيوبية، وقريبة كذلك من سد الروصيرص. وعلى مسافة أخرى من المكان نفسه يقف سد النهضة الإثيوبي، كأن النهر وضع منشأتين كبيرتين على جانبي جبهة واحدة، ثم ترك للحرب أن تقترب منهما.
منذ بداية العام، أخذت المعارك في النيل الأزرق منحى متصاعداً. سيطرت «الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية» على الكرمك وقيسان في مراحل سابقة، قبل أن يعلن الجيش استعادة بعضها، ثم جاءت معارك مينزا وجبل النمر وغيرها، التي دفعت نحو 7 آلاف شخص إلى النزوح في 26 سبتمبر، و5 آلاف آخرين أول من أمس، وفق المنظمة الدولية للهجرة.
الروصيرص أكبر من بقعة على الخريطة. السد الذي يحمل اسمها واحد من أهم منشآت المياه والكهرباء في السودان، والدمازين تمثل مركز الولاية والطريق الذي يصل عمق البلاد بحدودها الجنوبية الشرقية. ولهذا تحمل الكادلو وزناً عسكرياً يتخطى مساحتها. السيطرة عليها تفتح الطريق نحو الروصيرص والدمازين، وتمنح القوات المتقدمة موطئ قدم في منطقة تلتقي فيها الحدود بالمنشآت الحيوية وبخطوط الحركة بين شرق السودان ووسطه.
لكن النيل الأزرق لم ينتظر الحرب السودانية حتى يصبح ملفاً إقليمياً. أديس أبابا أعادت فتح صفحته بعد قمة العلمين التي جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال.
القمة أكدت احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ودعت إلى الالتزام بالقانون الدولي في الأنهار العابرة للحدود، ومبدأ عدم الإضرار، والتشاور والتوافق، كما شددت على أن أمن البحر الأحمر وحوكمته مسؤولية الدول المطلة عليه.
بعد يوم واحد، جاء رد الخارجية الإثيوبية بأن مصالح بلادها الوطنية والجغرافية والتاريخية يجب أن تكون حاضرة في أي نقاش حول النيل والبحر الأحمر. واستعادت أديس أبابا اسم أباي، الاسم الإثيوبي للنيل الأزرق، لتقول إن معظم مياهه تنبع من المرتفعات الإثيوبية، وإنه يساهم، وفق تقديرها، بنحو 85 في المئة من تدفق مياه النيل.
كانت الرسالة تحمل الماء إلى البحر. إثيوبيا، التي فقدت منفذها الساحلي بعد استقلال إريتريا، ترى في الوصول إلى البحر مصلحة استراتيجية، وتتعامل مع موقعها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية مع ساحل المنطقة باعتبارهما جزءاً من أمنها، فيما تزداد حساسيتها مع إريتريا التي تملك الساحل والموانئ. وبين البلدين تاريخ قريب من الحرب، وعلاقة تتجه مجددا نحو التوتر، بينما عاد القتال في تيغراي خلال سبتمبر واستعادت القوات الحكومية وحلفاؤها ميكيلي وسط مخاوف من اتساع المواجهة.
عند هذا المنحى تتسع دائرة المشهد. السودان يحارب داخل حدوده، وإثيوبيا تراقب حدودها ومصالحها المائية والبحرية، ومصر تنظر إلى النيل من جهة المصب، وإريتريا تمسك بساحل البحر الأحمر، والصومال تدخل في حسابات الأمن البحري والقرن الأفريقي. ملفات كثيرة وصلت إلى المكان نفسه من طرق مختلفة.
الحرب السودانية تضيف إلى المشهد هشاشة أخرى. فالجيش يريد الاحتفاظ بالنيل الأزرق بما فيه من عمق وحدود ومنشآت حيوية، بينما يمنح التقدم لـ«الدعم السريع» وحلفائها مساحة جديدة في حرب السيطرة على الدولة. وكلما اقتربت هذه القوات من الدمازين والروصيرص، اتسع الرهان من موقع عسكري إلى منطقة تمس الحدود والمياه والطاقة معاً.
لهذا تبدو الكدالو، في حجمها الصغير، واقفة عند باب كبير. خلفها الدمازين والروصيرص، وبعدهما النيل والحدود وسد النهضة، ومن بعيد يتراءى البحر الأحمر وتيغراي وإريتريا ومصر. كلما تقدمت الحرب في هذا الطريق، حملت معها ملفات لم تبدأ في السودان، لكنها وجدت في حربه أرضاً جديدة تستلقي عليها.
النيل الأزرق يشقّ طريقه منذ آلاف السنين، بينما تصرّ السياسة كل مرة على رسم طريق آخر للماء. وبين الطريقين يقف السودان، بمدنه وسدوده وحدوده وحربه، وهو يرى النهر الذي يعبر أرضه يتحول، قطرة بعد قطرة، إلى جزء من معركة أكبر من جبهاته.
