محاضر نيفاشا .. بقلم: صديق محمد عثمان
7 يونيو, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
42 زيارة
تمنيت لو أن الأخ الصديق السفير خالد موسى دفع الله لم يعود إلى مقاله السابق (يوميات نيفاشا وصكوك البراءة السياسية لعلي عثمان وفريق التفاوض) والمنشور بتاريخ 31 مايو 2015، ولكن خالدا عاد بعد نشر مقالي السابق (خالد موسى وصكوك الإدانة السياسية الكاملة لعلي عثمان وفريق نيفاشا) إلى نشر مقال ثان بشأن ذات الموضوع، وتمنيت لو أنه حين فعل لم يختر له عنوانا (جدل الحرب والسلام بين علي عثمان وعلي الحاج ..) ولكنه فعل فنشر مقاله بهذا العنوان بتاريخ 6 يونيو 2015. وبذلك ألزمنا أن نعود إلى جدل سنجتهد في أن نصوبه نحو الهدف الأكثر نفعا للناس من ذكرى علي عثمان وعلي الحاج. إذ أن إختيار العنوان أعاد تصوير المسألة على أنها جدل بين علي عثمان وعلي الحاج، وهو تصوير مضر جدا بأصل القضية رغم ان علي الحاج وعلي عثمان يمثلان مدرستين مختلفتين تمام الإختلاف داخل التيار الإسلامي صاحب القدح المعلى في قضية نيفاشا.
وابتدر السفير خالد موسى مقاله بالإشارة إلى مداخلة أرسلها الدكتور علي الحاج محمد إستجابة لدعوتي له الإدلاء برأيه حول الموضوع، فقال خالد (وقدم الدكتور علي الحاج اضافة نوعية لهذا الحوار بمداخلته القيمة حول عدم وجود توثيق لوقائع نيفاشا، ولكنه وصف مداخلتي وكتاب (يوميات نيفاشا) الذي حرره السفير عبدالرحمن ضرار بأنها رد دبلوماسي خجول علي قضية أساسية. وطرح الدكتور علي الحاج اسئلة في غاية الأهمية لمعرفة سياق بعض مفاهيم الإتفاقية كما جاءت في التفاوض مثل “المشورة الشعبية” ماذا تعني وقسمة البترول في حالة الإنفصال؟) مما جعلني أستبشر خيرا بأن خالد وقف على عمدة الموضوع في الجدال الدائر بيننا وهي ببساطة الإستجابة السريعة من الدكتور علي الحاج للحوار حول الأمر، والذي لم يكتفي بمداخلته بل أرسل نص الحوار الكامل الذي كانت صحيفة الإنتباهة قد نشرته بتاريخ 3 يونيو 2012، والذي قال عنه د. علي الحاج أنه قد إشترط على الصحيفة نشره كاملا أو لا نشر. والأمر الآخر وهو ما أشار إليه الأخ خالد بأن د عل الحاج قد طرح أسئلة مهمة جدا لتوضيح إستنكاره عدم وجود محاضر للتفاوض في نيفاشا وأهم هذه الأسئلة هو معرفة الظروف والملابسات التي قادت إلى طرح قضايا مفصلية في التفاوض كمسألة المناطق الثلاثة والمشورة الشعبية؟ ومسألة قسمة النفط؟.
ثم أن الأخ خالد أعلن عن إتفاقه معي في أن ما بذله السفير عبدالرحمن ضرار من توثيق مداولات السيد علي عثمان مع وفده لا تغني عن محاضر المفاوضات حيث قال (ولكن في ذات الوقت أتفق مع الأستاذ صديق محمد عثمان في نقده الجهير في أن تسجيل وقائع المداولات والنقاش بين علي عثمان وفريقه التفاوضي بعد المقابلات الثنائية مع قرنق كما حررها السفير عبدالرحمن ضرار لا تغني عن التوثيق الحق شيئا ولا تقوم مقام محاضر التفاوض المشتركة أو تسد مكانها.) ولكنه ترك كل أسئلة د علي الحاج على أهميتها، واتفاقه معي على جوهر الجدال وذهب ينقب في ضميري وعقلي الجمعي عن ما وراء إنتقادي لمقاله السابق ثم طفق يبحث عن سوابق في التفاوض الدولي تعضد عكس ما اتفق معي عليه وهو أهمية وجود محاضر للمفاوضات.
والحقيقة أنني كنت قد وقعت خلال مفاوضات نيفاشا على مذكرات داخلية بين المفاوض الرئيسي حينها السيد علي عثمان وبعض أعضاء وفده ومن خلال أسلوب التخاطب ووسيلته ولغته وقفت على حجم الكارثة التي كانت تجري حينها، وهذا هو سبب إشارتي في المقال السابق إلى أن السيد علي عثمان ذهب إلى المفاوضات مكشوف الظهر ثم تعمد تكوين وفده على نحو حسب أنه يتيح له الحرية المطلقة في الحركة والتفاوض، وهي إستراتيجية تكسر أولى قواعد التفاوض، فكما يعلم السفير خالد ولا شك أن التفاوض يستند على التحضير الجيد وأهم مدخلات التحضير الجيد هي إختيار أشخاص لهم دراية تفصيلية بموضوع التفاوض وذوي عقلية نقدية بحيث يستطيعون إثارة الأسئلة الصعبة مقدما وإستشراف نقاط ومكامن الوعورة في المفاوضات ووضع الإحتمالات لكل حالة.
وأهمية محاضر المفاوضات هي في قياس مستوى تحقيق المفاوض لأهداف إستراتيجيته المسبقة، ولكنها أيضا تعين على التعرف على الأجواء والظروف المحددة التي واكبت النجاح في بعض أجزاء التفاوض والإخفاق في الأخرى ليتم تعزيز الأولى وتجنب الثانية.
وهذا هو ما ندعو إليه حاليا من خلال تسجيل هذه المحاضر بأثر رجعي رغم عدم توفر الدقة والموضوعية والأمانة المطلوبة ولكنها على كل ستفيد الأجيال القادمة فقد بدأت بالفعل الدعوات لإنفصال دارفور والمناطق الثلاثة لا تزال معلقة بخيط رفيع عماده حضور الوعي لدى قطاع من السياسيين إذا غيبتهم دورة الزمن أو إستغرقتهم تفاصيل الفتن فمصير هذه المناطق إلى إنفصال ليس في ذلك أدنى شك.
أما ما أورده الأخ السفير خالد بشأن إحتفاءنا بكتاب الوزيرة هيلدا جونسون في إطار محاولته إستثارة حميتنا السياسية ضدها، فلا أدري كيف فات على خالد أن هيلدا جونسون لم تأت بجديد بشأن رأيها حول الدكتور الترابي فالقاصي والداني يعلم أن الغربيون وحلفائهم الإقليميين وكثير من السياسيين الوطنيين كانوا يرون في إقصاء الدكتور الترابي فتحا مبينا لهم لسبب بسيط، وهو علمهم بأن الذي كان يعمل على إقصاء الدكتور الترابي هو الأستاذ علي عثمان الذي سيكون صيدا سهلا وهو ما حدث فعلا.
ونحن لم نفعل سوى أن حمدنا للسيدة النرويجية فعلها بتسجيل تاريخنا السياسي ولكننا لسنا أغرارا ننخدع عن أهدافها الذاتية والموضوعية من نشر الكتاب ومن جهدها في المفاوضات ومن فرحتها لإقصاء الدكتور الترابي، فالسياسي لا يتعامل بالعاطفة المطلقة إعجابا أو كرها خاصة حين يتعامل مع من ينطلقون من قناعات مختلفة تماما عنه، ولكن يقاربهم بعقل مفتوح يمنحهم مساحات ذواتهم والمشروع من اهدافهم بالقدر الذي لا يضر بجوهر قضيته ثم يصوب جهده إلى تحقيق هدفه من تعامله معهم.
أما تقصي الأخ السفير خالد للسوابق الدولية التي تعزز فرضية عدم أهمية محاضر التفاوض فلم يصب فيها النجاح بإستناده إلى سابقة المفاوضات الإيرانية الغربية بشأن ملف إيران النووي أو ما بات يعرف بمفاوضات 6+1 أو 3+3+1 وذلك لسبب بسيط وهو أن ما أورده من تقرير (النيويورك تايمز) بشأن الإستعاضة عن محاضر التفاوض المكتوبة الموقعة بسبورة بيضاء أثناء الإجتماعات يتم تسجيل النقاط فيها، لا ينفي وجود محاضر رسمية في نهاية التفاوض فكما يعلم الأخ السفير يعلم بأن هذه الإجتماعات كلها تتم تحت ما يسمى بقواعد (تشاتهام هاوس) والتي تسجل كل صغيرة وكبيرة وتمنع منعا باتا أي طرف من نشر المادة المسجلة، ويتم النشر بعد الإتفاق على نصوصه فقط، مما يعني أن الجلسات ذات السبورة هذه تسجل بالصوت والصورة والتي يمكن بعد ذلك مشاهدتها.
والسابقة كلها غير مفيدة في الإستشهاد لعدة أسباب أهمها أن الوصول إلى جنيف ومفاوضات الملف النووي الإيراني هي تتويج لجولات سرية وعلنية بدأ منذ غزو العراق ولم تتوقف إلا لفترات قصيرة، أصابت خلالها إيران نجاحات مقدرة بإحداثها إختراقات أغضبت العرب الذين كانوا يظنون أنهم الحليف الإستراتيجي للغرب، بل وأغضبت كما تابعنا إسرائيل ابنة الغرب المدللة. ولكن إيران شأنها شأن علي عثمان تحقق نجاحات في إطار معزول وظهرها مكشوف تماما، وكان يكفي المفاوض الغربي جر إيران إلى الطاولة ومن ثم الإلتفاف عليها بضرب حليفها الأساسي بوتن من خلال حرب إستتنزاف في أوكرانيا وحرب نفطية طويلة المدى وهذا مبحث آخر.
وبالعودة لموضوعنا فأنا أتمنى أن يقود جدالنا هذا إلى تحفيز الجهود التوثيقية التي تبذلها جامعة الخرطوم بقيادة الدكتورين حسن حاج علي وعوض الكرسني، وأن يستفز بعض مفاوضي نيفاشا إلى تسجيل خواطرهم وتسليم ما قد يتوفر لهم من وثائق مهما كانت هامشية حتى يكتمل جهد التوثيق.
siddig93@hotmail.com
/////////