1
لا يمكنني أن أصف محاولتي لفهم شعر حميد الا بالمحاولة الفاشلة… ذلك أن معاني ومدلولات… وبالتالي مقاصد ومرامي شعر حميد ليس بالأمر السهل. كيف لا وحميد نفسه مشروع مؤسسة تربوية اصلاحية ذات رسالة انسانية عميقة… وينبوع من المعاني اللانهائية…
لن أستطيع دراسة شعر حميد… ولا طريقته في تناول موضوعاته الشعريه ذلك أن ذلك يحتاج الي ناقد أدبي متخصص يستطيع سبر غور شخصية حميد ويغوص فيها ليستخرج الدرر واللالي من قاعها …
وما شخصنا الضعيف الا معجب ومتذوق ليس الا ان نجحت في ذلك… وان كانت الثانية فجوعان يتضور جوعا… أو ظمأن يتلوي من شدة العطش للكلمات المشبعة والتي تقطع العطش في صحراء العشق والحب والجمال.
وأختار اليوم مقطعا واحدا من رائعته (سوقني معاك… يا حمام) وهو المطع الاتي :
ولِيد مخلوق للقرايي
خزين مدخور للجِسام
تتمر نيتو التخايي
إلاما مزهلل إلام .؟
ويتراءي أمام ناظري جبريل عليه السلام وهو يخاطب سيد الأولين والاخرين رسول الهدي والنور محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه قائلا له في أول لقاء وأول كلمة له اذ فال: بعد باسم الله الرحمن الرحيم
(أقرأ.باسم ربك الذي خلق . خلق الانسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الانسان ما لم يعلم.) سورة العلق… وما ذلك الا لأهمية القرايي…
ولا يفوت علي فطنة حميد ذلك المعني لأهمية القرايي… ويقول… وليد مخلوق للقرايي… ثم بعد ان أكد هذا المعني أضاف خزين مدخور للجسام… كلمات بسيطة جدا عميقة جدا… ولقد سمعها حميد مرارا وتكرار في صغره…من أمه ومن حبوبته… يالخزين… ويالدخري… ولأي شئ يتم تخزينه؟ ولأي غرض يتم ادخاره؟ للجسام. كلمات موهطة. نازلة كبس مفصلة تفصيلا عجيبا بمقاسات باللينية والميكرو… قدر معانيها بالضبط لا تزيد ولا تنقص…
ويصف ذاك الوليد بأنه تتمر نيتو التخايي… نية هذا الوليد صافية نقية نظيفة كقطعة القماش القطنية التي تتمر بها الكبابي بعد غسلهن وتنشف الأواني بها ولكن لم يقل الكبابي… وانما قال التخايي… وهي مفرد التخا وهو السحاب…
وبعد ذلك يطرح السؤال العجب العجاب… الام مزهلل الام.؟ ..
كلمات حميد متسقة ومنسقة ومرصوصة كالعقد الفريد… وأي عفار فيها يفسد ألقها وبهاؤها… فمعذرة ان تحستها أو لمستها بأصابعي وما ذلك الا اعجابا وانبهارا بها يصل حد الدهشة… والذهول… ليس الا.
2
وقفنا في المقطع السابق عند عبارة (الام مزهلل الام ؟ )… والزهلله من الكلمة العربية الفصحي (الذهول)… رغم أن الأولي بالزين والثانية بالذال… الا ان الغريب في الأمر المعني واحد… فسواء كانت الزهللة او الذهول فهي حالة شرود عقلي وخلعة… وخوف من شئ ما… لا يعلم كيفه… ولا كمه .. ويتوقع وصوله في أي لحظة لذلك تجد القلب والعقل معا في حالة استعداد قصوي أو( استاندباي) مية بالمية وتحفز لملاقاة الخطر المحدق المجهول كنهه ومصدره وكميته وكيفيته…
هذه هي الحالة الذهنية التي يرسمها حميد للوليد.. بريشة دافنشي عند رسمه للموناليزا…فان كان الموناليزا ابتسامة تمثل اللغز… فان للوليد خوفا يجسد الزهللة.
وتأتي بعد ذلك الام الثانية… الام مزهلل الام ؟ … لتطرح السؤال الاستفهامي التعجبي الاستنكاري في ان واحد..
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم