bty

محجوب شريف شاعرا  .. بقلم: الوليد محمد الأمين

كتب محجوب شريف الشعر منذ يفاعته ، فقصائده الأولى كتبها وهو لا يزال في مرحلة الدراسة الوسطى . وإلى آخر ايام حياته اختار محجوب شريف أن يستخدم الشعر كوسيلة لتوصيل ما آمن به من الأفكار . لم تكن القصيدة عنده وسيلة لاستعراض جودة الشعر أو إجادة صنعته ، أو حتى وسيلة لإظهار امتلاك ناصية اللغة ، الأحرى أن القصيدة لدى محجوب شريف كانت وسيلة لتوصيل الفكرة . كانت الفكرة لدى الشاعر أكثر إلحاحا وأهمية من القصيدة نفسها ، فالكلام لدى محجوب هو ماعون الفكرة وموصلها . لذلك ربما ، نجد أن الموسيقية واللحنية الداخلية للقصيدة في العديد من قصائده تتراجع لصالح الفكرة والرسالة ، التي ربما بدت مباشرة إلى حد الهتافية في كثير من قصائد الشاعر . الهتافية المرشدة والهتافية المستنيرة ذات المقصد النبيل . هتافية تسعى بين الناس بالصراخ حينا وبالهمس الدقيق أحيانا أخر : أوعك تخاف / أصحى فك الريق هتاف . غير أنها وفي كل الأحوال تحمل رسالتها الواضحة دون ريب ، وانحيازها للجماهير وللفكرة قبل ذلك دون مواربة . خذ مثلا من قصائده تلك المقاطع  : في لحظة تلقى الرد / كل الشوارع سد ، ومن مثل ذلك أيضا : الليلة شن بتسو  ، ومنه : سلم سلم ما بنسلم / وشعب معلم ، ومنه كذلك : ملينا الدفتر الأول / حنملا الدفتر التاني ، وغير ذلك وغيره .
غير أن محجوب شريف لم يهمل رغم ذلك إظهار موسيقى القصيدة الداخلية ، كما كتب أيضا قصائد جمّلها باستعمال محسنات القصيدة من التشبيه والجناس والطباق وغير ذلك من محليات الشعر في القصيدة .
أعرض هنا لبعض القصائد التي تعمد فيها محجوب شريف إظهار ملكته الشعرية العالية التي لطالما جيرها لصالح الفكرة مهملا ، أو متغاضيا على الأقل ، لمهارات الشاعرية فيه .
في قصيدته ست البيت على سبيل المثال تجد مثل تلك الصور البلاغية البديعة ، والقصيدة هذه بالذات من بدايتها وإلى نهايتها تزخر بالصور البلاغية ، فانظر مثلا لتشبيهه للملاءات بضفاف النيل ، وللحوش بالوادي ، وقبل ذلك لا يمكن لنا تجاوز تلك الشاعرية العالية في سطح الشاشة ياخد من عيونك نور ، ثم مقاربته بين الصورة والسورة في المقطع : والتعب البخلي السورة في عينيك أجمل صورة ، وانظر للحنان حيث هو سور : مُدَرِسَة حيث مدرستِك / حنانك سور ، أما كراسات التلاميذ والتلميذات في المدرسة فهي ليست محض كراسات ، إنما هي : كراريس الصبا الباكر / تذاكر نحو بكرة مرور ، إنه العلم الذي يرفع بيتا دون شك ،  ثم انظر يا هداك الله لمثل هذا الكلام : توب السهرة أبيض ناصع / بين العنابر نور ! أما القرقريبة فليست محض تلك القطعة المستعملة في عواسة الكسرة ، تلك القطعة من البلاستيك أو من الخشب الرقيق في حركتها الموزونة شافها محجوب شريف كما ينبغي : فراشة تدور !
غير أن المعاني لا تغيب ، ففي القصيدة أن ساعة رضاعة أجمل من سياحة شهور ، وفيها أن ختم الدولة يشير إلى الهيبة لدى الموظفة الشريفة العفيفة .
واحدة من مُحَلِيَات القصيدة لدى محجوب شريف هو تلك السودانوية المعاد توظيفها كما ينبغي في متن القصيدة : تسوي الشاهي يا إلهي يا إلهي ، ديك الحجلة وداك البلي . وعن الشاي وطقوسه نجد محجوب شريف في قصيدة أخرى يذكره بمحبة لا تخفى ، محبة لطقوسه ولسودانيته بالطبع وليس للشاي من حيث هو الشاي : الشاي باللبن / براده لابس تاج .
لم يهمل محجوب هذه الشاعرية ولطالما مزجها بالتفاصيل السودانوية حتى في قصائده الثورية أو قل قصائده ضد الظلم وضد الطغيان بمختلف أشكاله ، ففي قصيدته ” أوعك تخاف ” نجده يدخل في تلك التفاصيل مرة أخرى : عند المغيرب رادي بغ بن المزاج / يدخل من النفاج عليك عثمان حسين / يا عشرة الأيام تمام / أهو دا الكلام / يا سلوى جك الموية / اعملوا لينا شاي … الخ القصيدة . تفاصيل تستدعي في خضم ثورية القصيدة ، تستدعي ما ينشده انسان هذه البلاد من الحرية والسلام والعدالة ، ومحجوب شريف دون شك من العالمين بطبيعة انسان هذه البلاد وبمكامن الخير فيه ، بل ومن العالمين بعلم اجتماعه في حال التوهج والأفول . لقد كانت هنا لندن ودقات بغ بن لزمن طويل من ثوابت السودانيين ، كان ذلك قبل وأثناء وحتى بعد ما عمل بها الطيب صالح واسماعيل طه من ناس السودان . كذلك كانت عشرة الأيام في وقتها فتحا أو قل نقلة في غناء السودانيين وعثمان حسين يشدو بها بكامل أناقته والبدلة الكاملة ، حتى أن السودانيين في عهد ما أطلقوا على طقم كبابي الشاي ذاك المُعَيّن : عثمان حسين ، يقول لك الواحد منهم كب لي شاي في عثمان حسين ! وفي احتفاء محجوب شريف بقصيدة عشرة الأيام واستعماله لها هنا ، احتفاء منه بشعراء القصيدة الغنائية السودانية ، كان محجوب شريف وفيا للشعر من حيث هو طالما تبنى قيم الانسانية والجمال . لقد أدهشني ذلك حين مرة حين عدّ محجوب شريف الشاعر محجوب سراج من أرق الشعراء وألطفهم في العبارة . أدهشني يومها احتفاءه بشعراء الأغنية العاطفية وتقديره لدورهم ، كان ذلك على كل حال في لقاء عابر في بيته ، محجوب شريف .
في القصيدة ذاتها وهي المحتشدة بالدعوة للخروج وفك الريق هتاف ، في القصيدة ذاتها نجد محجوب شريف يربط حق الناس في الحياة الكريمة بصور السودانوية التي يراها الشاعر في كل حين : كشك الجرايد في الصباح / كيس الفواكه والملابس والكراريس والحليب / نكهة خبيز والدنيا عيد … كذلك تفعل الكلمات ، كذلك يفعل شعراء الشعب : قراءة ما بين سطور العادي والخروج بما يجد السامع نفسه متسائلا كيف لم ينتبه له قبل ذلك ؟ لقد كان كشك الجرايد في زمن ما من أساسيات صباحات السودانيين ، كانت مكتبة ياسين في الخرطوم جنوب عند ناصية هيئة البريد والبرق من علامات بداية اليوم بالجرائد والمجلات . لقد رحل ياسين قبل عام أو يقل وانتهى الأمر بمكتبته إلى بيع الرصيد وسماعات الهواتف وعلب الفازلين . وما هَمّ ؟ كذلك كان كيس الفواكه وملحقاته من عادات عودة الموظفين من دوام العمل في ظهيرة البلاد الرائقة وقتها ، أما نكهة الخبيز والدنيا عيد فلا تزال تفعل في  المدينة فعلتها هي ورائحة الحلومر قبيل شهر رمضان . ما يهمنا هنا غير السودانوية المحببة وعين الشاعر اللماحة في التقاطها ، تلك العذوبة والشاعرية في مثل ذلك الكلام .
في قصيدته عشة كلمينا ميري ذكرينا ، نجد محجوب شريف يدخل كلمة سودانية غارقة في سودانيتها ولكنها قلما استعلها الشعراء ، ” ساي ”  : مافي حاجة ساي ، كلو عنده دين ، كلو عنده راي . والحقيقة فبالنسبة لي لم أجد استعمالا في الشعر لكلمة ساي إلا هنا عند محجوب وكذلك عند العميري ، عبد العزيز : دي حتى الأغنيات قبلك ، حروف ابياتا كانت ساي ! والقصيدة هذه بالذات ، رغم رسالتها السياسية و الوطنية البائنة ، فلم تخل هي ذاتها من بديع الشاعرية والتعابير : ألف ضحكة حلوة / تسندك بجنبة ، وكذلك : صفق الترولي / طمن القطار ، وكذلك : تسرح الغزالة / جنبها الزرافة .
في مخاطبته  لليل السجون البغيض نجد محجوب شريف يربط ذلك بالعادي من أحوال الناس ، يفعل ذلك في لغة شاعرية وموسيقى قصيدة رائقة : اسمعنا يا ليل السجون / نحن بنحب شاي الصباح / والمغربية مع الولاد / والزوجة والأم الحنون ، كذلك تفعل الكلمات باللغة ، ثم ماذا ؟ ثم أنه يتبع ذلك بتحد لا يهادن : افتح زنازينك أهو / بنفتح شبابيك اليقين ! لابد من الانتباه هنا إلى استعماله لمفردة أهو ! استعمال بديع وفي موضعه تماما . استعمل ذات المفردة  صديقه في القصيدة وفي سجون النميري الشاعر صلاح حاج سعيد في قصيدته الحزن النبيل : أهو نحن في الآخر سوا ، وهكذا .
عم سلاما يا محجوب شريف ، عم سلاما ورحمة الله عليك يا بديع العبارة ويا نقي السريرة إذ القلب مساكن شعبية .
wmelamin@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً