محجوب محمد صالح: هرم الصحافة السودانية .. بقلم: د. حمد عبد الهادي

 

يعتبر هرم وعميد الصحافة السودانية الكاتب الصحفي محجوب محمد صالح ، أفضل و أعظم كاتب صحفي يمر علي تاريخ السودان . فقد ظلّ قلمه الذهبي يزيّن بساتين العمل الصحفي لما يربو على السبعةِ عقود . وما فتئ عموده الراتب يقدم الفكرة الصائبة ، المنهج السليم ، اللغة الجزلة والإسلوب السهل الممتنع الذي لا يتأتّى إلا لذوي العزم من أصحاب رسالات الحياة . يضاف إلى ذلك وطنية حقة تؤمن بالوطن وترابه ، تنصح السياسيين بمختلف مشاربهم عبر خبرة طويلة عبرت كل الحِقْب ،ترشدهم هُدى سواءِ السبيل دون مَنِّ أو أذى سوى الرغبة الصادقة أن يسلم الوطن وأهله. 

ولد محجوب محمد صالح بمدينة الخرطوم بحري عام 1928 م وتلقى تعليمه الأولي والأوسط بها قبل أن يلتحق بكلية الخرطوم العليا (نواة جامعة الخرطوم لاحقاً) في العام 1947 م . انتمي محجوب محمد صالح للعمل القيادي والطلابي باكراً فصارسكرتيراً لإتحاد الطلاب الذي ما لبث أن اصطدم مع المستعمر الانجليزي ففصل من الجامعة . أنضم بعدها لرفيق عمره الراحل بشير محمد سعيد لتأسيس نواة للعمل الصحفي المستقل فأسْسَا جريدة الأيام عام 1953 م التي تعرضت للإغلاق ، التأميم والمصادرة في كل النظم الشمولية التي مرت بالبلاد منذ حكومة عبود ، نميري فالبشير . طوال حياته ظل محجوب محمد صالح منافحاً عن حرية الرأي والتعبير، منتمياً للشعب ، منحازاً للقضايا الشعبية و الوطنية ، فكان عموده الراتب ” أصواتٌ وأصداء ” يمثلُ نبضُ الشارع وعامة الشعب ويعكس مرآة حقيقية للأوضاع في البلاد بلا رتوش ولا نفاق مما إعتاده أصحاب الأبراج العاجية من الحكام الشموليين . لذا كان لابد أن يكون قلمه النزيه منبوذاً من المنافقين ، المداهنين وأباطرةُ الحكم الشمولي.
وثّق محجوب محمد صالح لتاريخ الصحافة السودانية فألف الصحافة السودانية في نصف قرن في العام 1971 م الذي أعاد مركز الدراسات السودانية طباعته في العام 1996 م متتبعاً تطور الصحافة السودانية منذ مطلع القرن العشرين وحتي منتصفه . بما أن الطبْعَ والمرتكزات الأخلاقية والمهنية دائماً ما تشكل النواة لأي شخص أي كان ، فبالإمكان تتبع ذلك في إيراده لمقالات الكاتب حسين شريف التي نشرت في حضارة السودان في العام 1920 م التي لا زالت تثير لغطاً حتى يومنا هذا بتلخيص مضمونها وعرضها كاملة غير منقوصة دون التعليق عليها وإن كان محتواها قد يختلف مع توجهاته التي كانت ضد الأفكار الطائفية التي تسود السودان في ذاك الوقت. وهي لعمري مهنية لا تتوفر في جلّ من إمتهنوا العمل الصحفي في سودان الماضي والحاضر .
رغم أن محجوب محمد صالح ظلّ دوماً يحسبُ ضمن خط اليسار السوداني مثل رفيقي دربه : بشير محمد سعيد و محجوب عثمان الذيْن شاركاهُ في تأسيس صحيفة الأيام ، إلا أنه نفى الانتماء السياسي وأشار أنه كان منتمياً في بواكير شبابه للجبهة المعادية للاستعماربوابة نضال اليسارالماركسي في ذاك الوقت لكنه نفي الانضمام بعدها للاحزاب اليسارية رغم أنه أشار أن فكره وتوجهاته إشتراكية لذا كان دوماً منحازاً لقضايا الشعب . كما أشار أن أفكاره الاجتماعية و السياسية أكبر من أن تختذل في إطار حزب سياسي لم يتخلّق بعد . يشار أنه قد قاد من قبل محاولات في تأسيس عمل سياسي كغيره من المثقفين في ذاك الزمان .
قُدّر لمحجوب محمد صالح أنه يقضى خريفَ عُمْره في زمن اليباب والاضمحلال الصحفي في السودان حينما إستولت حكومة “الإنقاذ” على السلطة في العام 1989 م فشهد تراجعاً مريعاً في بيئة ونوع العمل الصحفي لم يشهدها من قبل ، يضاف إلى ذلك تسنمُ قمة العمل الصحفي من ليس لهم أدنى مقومات ومقدرات العمل الصحفي المحترف للإشراف على خلق بيئة معافاة تمارس عمل السلطة الرابعة بضمير ووازع أخلاقي فصار الوسط الصحفي معتركاً للاسفاف والانحطاط اللغوي ومن ثمّ التغول عليه من قبل السلطة الشمولية بالتدخل السافر المباشر وغير المباشر حتى وصلت حد منع حرية التعبير ، المصادرة والتكميم . وبدلا ً من الإستفادة من خبرات الرجل العالية بتنصيبه شرف رئاسة المجلس الصحفي حتى يضع الأسس الناجحة و الناجعة للعمل الصحفي المؤسس في البلاد و الأشراف على تنظيم و تدريب الصحفيين سبل العمل الصحفي الرشيد ، أبت نفوسُ القائمين على الأمرِ إلا أن يجرمّنهم الشنآن على ألا يعدلوا ، وهي ما فتئت تنادي أنها ما جاءت وما دانت إلا للتقوى ! فمْنَ مِن رؤساء تحرير الصحف المعاصرين يماثله في ثنائية الخبرة والمهنية التي ثشرّبها ومارسها عبر مختلف الحقب.
في ظلِّ الحِيفِ وسوءِ الكيل الداخلي وعدم التقدير لقامة سامقة عملت بتقدير واخلاص لسنواتٍ طوال ، ما هانت ولا لانت ، ما كلّت ولا ونّت : جاء التقدير من الخارج ممثلاً المنظمة العربية لحرية الصحافة في العام 2004م ، منظمة فردريتش آبيرت لحقوق الإنسان الألمانية ثم الإتحاد العالمي للصحافة بباريس وواشنطون فنال جائزة القلم الذهبي في العام 2005 م تقديراً لدوره في الدفاع عن الحريات وحرية التعبير والمدافعة عن استقلال الصحافة ضد السلطات الشمولية . تسابقت بعدها منظمات المجتمع المدني قبل الحكومي فنال الدكتوراة الفخرية من جامعة الأحفاد التي كانت دوماً سبّاقة في الشأن الوطني ثم جامعة الزعيم الزهري ، ثم شركة دال الخلّاقة التي تهتم بمنظور عميق تشكر عليه لجواهرِ الوطن وشعبه فخصصت جائزة سنوية تخلّد إسمه في الصحافة والإعلام.
مما يثير الإعجاب في الرائد الصحفي ويجعله مثالاً يحتذى به ، أن الكثيرين من أبناء جيله ومن تلاه أخذتهم الحسرة على ما يعانيه الوطن من مستقبل المجهول ، فأسلموا عُنقهم لسيوفِ القنوط واليأس ففضلوا ذهب السكوت حتى نفضوا أيديهم عن مقارعة تيه الحكم و السلطان بنور الحكمة ِ والبيان . لكن مازال قلم محجوب محمد صالح الذهبي يتابع و يحلل الأحداث ، ينصح ويرشد الشعب و الحكاّم ، يحدوه الأمل أن تنصلح الأحوال في ظرف سنواتٍ أو أجيال . رغم أنه يعلم علم اليقين أن الطريق شائك والدرب طويل كما حلّل من قبل أن سودان اليوم يعيش أسوا مراحل تكوينه الوطني ، لكن رغم كل هذه المصاعب و العوائق تجده بصدقٍ يتشبث بأمل التغيير مؤمناً بقناعة داخلية سرمدية : أن تضيئ شمعةً خيرٌ من أن تلعن عتمةِ الظلام ، وأن مبدأ غرس فسيلة النصح والإرشاد ماضيةٌ حتى تقوم الساعة .
عزاؤه أن جهده عبر كل الحقب لم يكن عبثاً ، فقد ساهم بصورة أساسية في أن يكون المنارَ والنبراسَ لسفينِ أجيالٍ سارت على رُشْدِه لصدقِ وبيانِ دورالقلمِ نحو الوطن والمواطن دون منٍّ أو أذى ، والدفاع المستميت لمبدأ حرية الرأى والتعبير واستقلال الصحف ، والمهنية العالية التي تضع المبدأ قبل المصلحة . فقد ساهم بصورة مباشرة وغير مباشرة في إرساء دعائم العمل الصحفي والوطني الرشيد التي سار على هداها المئات ممن إعجبوا بالمنهج والمنهاج . يبقى هذا الانجازُ أعظم رسالةٍ أرسى دعائمها الصحفي محجوب محمد صالح الذي نأمل أن يرى فيها نتيجة العمل الدوؤب لسنوات طوال كأكبر رسالة له في الحياة. يعتبر هذا الأنجاز غير الملموس و المرئي أعلى درجات الرضى لمن إختاروا المعاني والمبادئ دون زيف المردود العيني والمادي.

hamadhadi@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً