يا طائر الحُزن غرِّد،
فإني معك على مركب الهوى.
خُسارتي نجمٌ مُتفرِّد،
فإني مع الصهيل في موجة الريح،
دَمعٌ مُتورِّد.
(1)
لن يُضير العُمر إن جلس قليلاً و انتظر.
لن يُضير العُمر أن يبقى حتى ينفُخ في وجهِها حليب الفأل ويبدأ العُرس المُؤجل ونَفرح لهما وللوطن. للفواجع أن تهنأ فقد نسجت عُشاً لغُربانها وأسكرنا رجز الثواكِل . ها هوَّ الحُزن يصُب العلقم في الحُلوق عُنوةً، ويعصب البطون.
*
جاء الصباح بشمسه المُحتقِنة، واسودَّت مصابيح العُيون على فراقكَ يا سيد النضار. مآقي الدمع تنـزف بالفراق، أهذا ما وعدتنا به يا زمان البؤس!: ذبح قديم في جُمعة عظيمة، ثم عيد للقيامة مُفرِحٌ، ثم سفر لك سيدنا بلا عودة !.
هذا ربيع الجمر حَط على مضاربنا. هدَّ المسير رواحلنا وتكالب الطير ينتظر الوليمة. في وداعك التفَّت الأجساد برايات قديمة، ونزفَت الطرقات بالأفواج رَذْماً. أول الرؤساء عندنا جال في الخاطر، و تذكَّرنا الآن كيف كان رحيله المقهُور فادحاً بعد 25 مايو بأشهر. كنتَ سيدي خرزة عُنقود تمجد، يصلُح لريح الزَّعامة أن تركُض في أثره بنفيس أثوابها، وثقيل ملحها، وعسير أيامها تَطلُب الرضا.
(2)
الوطن و قد أعيته التضاريس، يسير حافياً. ما أن تنهض فكرة تُطوِّر، حتى يتخطفها الكواسر من كل صوب. تستعصِم هي بالشرنقة، ويستَقوي غلافها عليها فتَحتَجب.
*
رأيتُك أول مرة وأنتَ في منتصف عُمرك الجامعي، وكانت الأغُصان يافعة تلهو بها الريح. كستكِ الوداعة من بساتينها، وتسللت المحبة إليك في رونق جلالها. كنـز الروائح من دواخلنا يفوح وأنتَ ببساطة طبعك كُنت: ( سيد نفسك مين أسيادَك ؟ ).
أتذكرني سيدي وتذكر رفقتي، أم أن الروح يشغلها هوى جديد؟
كنتَ أنت على اليمين والصديق “صلاح حسن أحمد” على اليسار، ولا تصلُح هُنا إلا كلمات الشاعر “محمد محمد علي”:
همسات من ضمير الغيب تُشجي مَسمعي
و خيالات الأماني رفرفت في مضجعي
لم يشغلك الإرث العظيم الذي تنكبه والدك، ولم يُخامرُك التعالي. حديثك بيننا يُطرب، وأصابع يديك تُمسِك بأحاسيس الدواخل قبل آلة الجيتار. كنتَ شمعة أكبر من كل المصابيح التي عهدنا، ثم صعدت نجماً باسقاً، وها أنتَ الآن تومِض من بعيد. إنها الخسارة الفادحة.
(3)
حلَّ علينا زمان الفرقة، شرٌ مستطير. أُقنوسة المُلكْ الحزينة، جلست عند رؤوس لا تستحق!. كان موعدك على قارب في اليَّم، وحولك سُفن القراصنة مُشرعة. هذا زمان آسن يُغرِق أحباءنا ويُنجِي الثعالب!. الأشقياء دوماً يطول عُمرهم، وأنت طيب مثل أبيك ترحل قبل إنجاز المُراد.
الدهر صوَّب سهمه وتكسرت النِصال على النِصال. تفككت الأصفاد عن الروح، وغادرت جسدك البديع إلى عوالم أرحب. رحلتَ مُبكراً سيدي والجُرح مفتوح على سَفح الهزيمة و الملف الآن ينتظر.
لك السلام في أرائك العُلا، و لكَ المَحبة منذ كانت، والقلب يركُض في أثر الهوى وإن رحَلتَ.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم