قراءة نقدية في “المشروع البديل لبرنامج الهبوط الناعم”
عاطف عبدالله
الجزء السادس
البرنامج الاقتصادي – أهداف مشروعة وأسئلة لم تُحسم
تطرح الورقة تصوراً لاقتصاد مختلط تقوده الدولة في القطاعات الاستراتيجية، وتشارك فيه قطاعات خاصة وطنية، وأجنبية، وتعاونية، ومشتركة. كما تدعو إلى تنمية متوازنة، وتخطيط اقتصادي، وتوسيع الخدمات العامة، وتحقيق الاكتفاء الغذائي، واستعادة الموارد المنهوبة، ومراجعة الخصخصة، وتقليل التبعية للخارج.
هذه الأهداف تستجيب لحاجات حقيقية في السودان، لكنها لا تزال في جانب مهم منها عناوين للسياسات المطلوبة، وليست برنامجاً اقتصادياً تنفيذياً مكتملاً.
- من يموّل إعادة بناء السودان؟
تواجه البلاد، بعد سنوات من الأزمات والحرب، تحديات ضخمة تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة الإنتاج الزراعي والصناعي، وإعادة بناء المرافق الصحية والتعليمية، وتعويض المتضررين، وإعادة توطين النازحين واللاجئين.
وتستهدف الورقة استعادة الأموال المنهوبة وتعبئة الموارد الوطنية وتقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي. لكن هذه المصادر، مهما كانت أهميتها، لا تكفي وحدها لإعداد خطة قابلة للتنفيذ من دون تقدير حجم الاحتياجات والموارد المتاحة.
كان ينبغي أن تحدد الأطروحة، ولو بصورة أولية:
ما القطاعات التي يجب أن تحظى بالأولوية خلال السنوات الأولى بعد وقف الحرب؟
كيف ستُموَّل إعادة الإعمار في ظل ضعف الإيرادات العامة وتضرر القاعدة الإنتاجية؟
ما دور الضرائب التصاعدية، ومكافحة التهرب، واسترداد الأصول، والاستثمار الوطني؟
ما حدود الاقتراض المقبول، وكيف تُقيَّم شروطه ومخاطره؟
ما الآليات التي تمنع توجيه الموارد إلى شبكات المحسوبية أو إلى إنفاق غير منتج؟
فالاستقلال الاقتصادي لا يتحقق بمجرد رفض شروط المؤسسات المالية الدولية، وإنما ببناء قدرة وطنية على الإنتاج والتخطيط والتفاوض وإدارة الموارد بكفاءة.
- القطاع العام ليس ضمانة تلقائية للعدالة
تراهن الورقة على قطاع عام رائد في القطاعات الاستراتيجية. لكن ملكية الدولة للمؤسسات لا تضمن بذاتها أن تعمل لمصلحة المواطنين.
فقد عانى السودان تاريخياً من الفساد، وضعف الكفاءة المؤسسية، وتسييس الخدمة العامة، واستغلال المؤسسات الاقتصادية لتحقيق مصالح شبكات السلطة. ولذلك فإن استعادة المؤسسات التي خُصخصت أو إصلاح المؤسسات العامة القائمة يحتاجان إلى معايير واضحة للحوكمة والشفافية والمحاسبة.
ما المقصود تحديداً بالقطاع الاستراتيجي؟ وكيف تُحدَّد المؤسسات التي ينبغي أن تكون ملكيتها عامة؟ وما العلاقة بين القطاع العام والقطاع الخاص الوطني والتعاوني؟ وكيف تُحمى المؤسسات العامة من التدخل السياسي، وتُخضع في الوقت نفسه للرقابة الديمقراطية؟
إن الاقتصاد المختلط الذي تتصوره الورقة يحتاج إلى تحديد العلاقة بين الملكية العامة والخاصة، وحدود الاحتكار، وشروط المنافسة، وحقوق العاملين، ودور التعاونيات، وآليات محاسبة الإدارات.
والبديل عن النيوليبرالية لا ينبغي أن يكون افتراضاً بأن التوسع في ملكية الدولة يحل وحده مشكلة التوزيع والإنتاج؛ بل بناء مؤسسات اقتصادية منتجة وخاضعة للمساءلة.
- كيف تتحول العدالة الاجتماعية إلى برنامج قابل للقياس؟
تدعو الورقة إلى مجانية التعليم والصحة، وتوفير فرص العمل للشباب، وتحقيق الاكتفاء الغذائي، والتنمية المتوازنة جغرافياً وقطاعياً وبيئياً.
لكنها لا تحدد بصورة كافية ترتيب الأولويات، أو المراحل الزمنية، أو الموارد المطلوبة، أو مؤشرات قياس التقدم.
والفرق كبير بين إعلان مجانية الخدمة وبين ضمان جودتها واستمراريتها، وبين الدعوة إلى تشغيل الشباب وبين خلق قطاعات منتجة قادرة على استيعابهم، وبين الحديث عن الاكتفاء الغذائي وبين معالجة مشكلات الأرض والتمويل والري، والنقل، والتسويق، والتكنولوجيا.
وكان من المفيد أن تقدم الورقة تصوراً مرحلياً يميز بين إجراءات عاجلة لتخفيف المعاناة، وبرنامج متوسط الأجل لإعادة تشغيل الاقتصاد، وتحولات هيكلية أطول مدى.
فالبرنامج الاقتصادي لا يُقاس فقط بعدالة أهدافه، وإنما بقدرته على بيان كيف تتحول تلك الأهداف إلى سياسات قابلة للتمويل والتنفيذ والتقييم.
