مدارس بورتسودان الثانوية قبل خراب الكيزان (٣) .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد

 

شرقنا الحبيب كان اقل حظوة من بقية اقاليم السودان الأخري في مجال التعليم العام، لم تحظي مدينة بورتسودان حتي نهاية حقبة ستينيات القرن الماضي بغير ثلاث مدارس ثانوية فقط، إثنتين منهما للبنين, هما مدرسة بورتسودان الثانوية الحكومية ومدرسة البحر الأحمر الثانوية وواحدة خاصة للبنات وهي مدرسة العشي الثانوية ..

في ذاك الزمان كان القبول في المدارس الثانوية مركزيا ويتم توزيع الطلاب علي المدارس حسب الرغبات الموضحة في الاستمارة التي يملأها الطالب قبل الامتحان .. بعد استيفاء شروط النجاح للدرجات المطلوبة كان كل تلاميذ المرحلة المتوسطة في السودان يتنافسون علي المقاعد المحدودة في المدارس الثانوية الموزعة في مدن اقاليم السودان المختلفة مثل حنتوب، خورطقت، وادي سيدنا، عطبرة، بورتسودان .. الخ

مدرسة بورتسودان الثانوية كانت الاقدم في المدينة .. أقيمت في ثكنات الجيش الإنجليزي التي كانت تحتل موقع مميز علي مقربة من ساحل البحر قبالة الميناء الشرقي وبجوارها من الناحية الغربية تقع مباني سجن بورتسودان العمومي الشهير ومن الناحية الشمالية يقع سوق المدينة الكبير .. أضيفت لمباني الثكنات مبني حديث من طابقين يحتوي علي ٢١ فصلا للدراسة مقسمة علي سبعة انهر لكل مرحلة دراسية ومكتب فسيح لناظر المدرسة وآخر للوكيل .. كانت فصول الدراسة تحمل أسماء العلماء والأدباء والشعراء من مختلف العصور مثل الجاحظ، ابن سينا، المتنبي، فلمنج، ابن رشد، ابن حيان ..الخ، أما مباني ثكنات الجيش الإنجليزي فقد تم تخصيصها كداخليات لسكن الطلاب وكانت تحمل الاسماء المحلية للمحافظة مثل داخلية القاش، طوكر، اربعات، جبيت، اركويت، سواكن ..الخ
المدرسة كان بها معامل مكتملة ومجهزة بأحدث الأدوات مثل الميكروسكوبات ومحاليل الكيمياء المستعملة في مادة العلوم بأقسامها الثلاثة التي تضم الاحياء، الفيزياء والكيمياء و كان هناك مسرح للأنشطة الفنية والأدبية وهنا لا يفوتني ذكر الفنان الإنسان مصطفي سيداحمد الذي تشرفنا بزمالته .. في هذا المسرح تفتحت موهبة مصطفي وبدأ مشواره الفني وكان يجيد أغنيات الجابري وحمد الريح وآخرين من عمالقة الفن في ذاك الزمان ..

المدرسة كانت تضم طلاب من كل أقاليم السودان المختلفة إبتداء من حلفا في الشمال الي نمولي في الجنوب ومن الجنينة غربا الي كسلا شرقا .. كنا خليط متجانس رغم اختلافنا في السحنات، الألوان والعادات، كان هذا الهجين تجربة ثرة لمجتمع المدرسة استفاد منها الطلاب في مستقبل حياتهم العملية

كانت المدرسة تعج بمعلمين غاية في الكفاءة والخبرة في كل الشعب المتخصصة واذكر منهم علي سبيل المثال وليس الحصر أستاذتنا الأجلاء: أمين الجاك، عابدين، جان ميشيل بشعبة الرياضيات، حمدون تية، محجوب فيزياء وصباحي بشعبة العلوم، يعقوب، الحاج، جعفر بشعبة الجغرافيا، عمرالقراي، فضيل، محفوظ في شعبة الإنجليزي، عباس تاريخ وعنتر وكرسني في شعبة اللغة العربية .. كان القائد لتلك الكوكبة الفريدة الناظر ناجي السواكني رحمه الله كان صارم يرتدي الشورت (الردي) والجوارب الطويلة ويجوب المدرسة كلها ويتفقد الفصول للتأكد من حضور المعلمين عند بداية جرس كل حصة .. كان الناظر ناجي يهتم بالزي المدرسي خاصة شارة المدرسة التي كان شعارها رأس رجل هنددوي عليه الخلال الشهير لتمشيط الشعر الكثيف ..

الكديت كان ضمن مناشط المدرسة الرئيسية .. كان هناك مخزن كبير للسلاح يحوي أعداد كبيرة من بنادق ابوعشرة وملابس الكديت العسكرية التي كانت توزع علي الطلاب مع البوت والجوارب والقلاشين وكان المسئول عن تدريب الكديت الصول نصرالله عليه رحمة الله الذي كان يفتخر بأنه درب في الكلية الحربية جميع ضباط مجلس عسكري إنقلاب ١٧ نوفمبر ما عدا الفريق ابراهيم عبود .. رغم كبر سنه، كان الصول نصرالله شعلة من النشاط والقوة وكثير ما يصاحبنا في الركض (الجكة) من المدرسة حتي المطار الواقع في جنوب المدينة دون أن يبدو عليه التعب أو الإرهاق ..

مدرسة البحر الأحمر الثانوية تأسست في بداية السبيعينات بعد إلغاء معهد بورتسودان العلمي بسبب السلم التعليمي الجديد في عهد د. محي الدين صابر .. المدرسة كانت إضافة كبيرة للتعليم الثانوي لأن مدرسة بورتسودان الثانوية كانت تستوعب سنويا ٢٨٠ طالب فقط من كل انحاء البلاد .. لم يكن بمدرسة البحر الأحمر سكن داخلي رغم أن القبول فيها مفتوح للجميع .. كانت السعة الكلية للمدرسة لا تتعدي ٨٠ مقعدا في العام ..

مدرسة العشي الثانوية بدأ تأسيسها رجل الأعمال علي العشي عام ١٩٦٧ وتم افتتاحها رسميا عام ١٩٦٩، المدرسة كانت فرصة كبيرة للبنات اللواتي حرمنا من مواصلة الدراسة لانه في ذاك الزمان كانت مدرسة كسلا الثانوية هي الفرصة الوحيدة لكل بنات المحافظة .. مدرسة العشي لم تضع شروط تحدد سن للقبول الأمر الذي أتاح الفرصة لكثير من الطالبات في مواصلة الدراسة بعد أن توقفن لسنوات طويلة .. كانت مدرسة العشي مشيدة علي أحدث طراز ومكتملة بكل الأدوات اللازمة من معامل وداخليات ومسرح للانشطة الأدبية والفنية وكان هناك بص خاص مميز بلونه الازرق لترحيل الطالبات من منازلهم صباحا للمدرسة والعكس بعد نهاية اليوم الدراسي .. رجل الاحسان والبر علي العشي يعتبر من كبار المساهمين في تعليم البنات بمدينة بورتسودان مثله مثل رائد تعليم البنات الشيخ بابكر بدري برفاعة ..

هكذا كانت المدارس الثانوية في بورتسودان قبل خراب الكيزان .. الله لا كسبهم كما يقول الأستاذ مرتضي الغالي .. لان في عهدهم إندثرت مدرسة بورتسودان الحكومية العريقة وتحولت لجامعة البحر الأحمر دون أن تتوفر لها إمكانيات ومقومات الجامعة وتحولت مدرسة العشي الي خرابة بسبب الإهمال المتعمد الذي كان يصب في خدمة مدارس الكيزان الخاصة ونفس الحال ينطبق علي مدرسة البحر الأحمر الثانوية المغلوبة علي أمرها من جراء الإهمال ..

ختاما .. هذه السلسة عن مدارس بورتسودان الإبتدائية، المتوسطة والثانوية قبل خراب الكيزان توضح ذلك الخراب الممنهج للتعليم العام الذي تم علي ايدي عصابة مات فيها الضمير وانعدمت منها الوطنية ولم تخشي الله في عباده الأمر الذي جعلنا نكرر مرارا وتكرارا سؤال اديبنا الراحل الطيب صالح .. من اين اتي هؤلاء؟؟!! ..
عشمنا بعد ثورة ديسمبر المجيدة ✌? .. تحقيق شعار السودان حنبنيهو ?? ..

د. عبدالله سيد احمد
٢٨/١٢/٢٠٢٠
abdallasudan@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً