مذكرات معتقل سوداني قضى عاماً بسجون النظام (1) .. بقلم: الدكتور بشرى قمر رحمة
1 أغسطس, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
40 زيارة
د.بشرى قمر رحمة، اعتقل في 25 يونيو 2011، وقضى في السجن عاماً كاملاً، تنقل خلاله ما بين الإعتقال في زنازين جهاز الأمن وحراسة نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة وسجن كوبر، وأطلق سراحه في يونيو من عام 2012، بعد قرار الطبيب بإجراء عملية جراحية في السلسلة الفقرية، ومكث في المستشفى قرابة الشهر، وبعدها أطلق سراحه بالضمان العادي. سجل د.بشرى كل ما تعرض له أثناء اعتقاله الطويل. ولأهمية المذكرات تنشرها (سودان تايمز) على حلقات. فإلى ما جاء فيها :-
بعد إعلان نتيجة إستفتاء جنوب السودان في يناير 2011، حرصت على البقاء بكادقلي (عاصمة جنوب كردفان/ جبال النوبة) حتى إعلان نتيجة إنتخابات جنوب كردفان التي أجريت في أبريل 2011 وأعلنت نتائجها في مايو من ذات العام بفوز مرشح المؤتمر الوطني أحمد محمد هارون، الذي أعلنت المفوضية فوزه بـ(201,455) صوتاً، فيما حصل منافسه مرشح الحركة الشعبية عبد العزيز الحلو على 194,955 صوتاً، فيما جاء المرشح المستقل تلفون كوكو فى المركز الثالث ب 9130 صوتا.، وسبق إعلان النتيجة من قبل المفوضية القومية للإنتخابات تكهنات بفوز عبد العزيز الحلو، لذلك كل التوقعات كانت تنذر بإحتمال إنفجار الصراع مجدداً، بين حركة تحرير شعوب السودان (الحركة الشعبية – قطاع الشمال) والحكومة السودانية، وكذلك لتصريحات المنفعلة التي كانت تطقها القيادات السياسية الحكومية حملت بعداً عنصرياً في تناولها مستقبل السودان لما بعد إنفصال جنوب السودان(1)، وأنفق الشريكان في الحكم على تأجيل إنتخابات منصب والي جنوب كردفان عقب التوتر الذي ساد عملية التعداد السكاني، والإعتراضات من جانب الحركة على توزيع الدوائر الجغرافية، ثم الإختلاف في الفهم العام للمشورة الشعبية، علاوة على الأسئلة التي لم تكن لها إجابات مثل مصير قوات الحركة الشعبية عقب إنفصال الجنوب. والتحايل الواضح الذي أبرزه النظام فى قصد الإرباك لتمرير أجندته (بتحقيق النييجة التي يرتضيها من خلال المشورة الشعبية)، وذلك بكسب نتيجة الإنتخابات بأى شكل كان أو الحرب. جاءت الحملات الإنتخابية أكثر إنفعالاً(2) قادت لعملية إنتخابية مليئة بالترصد، عجل المؤتمر الوطنى بالإنقضاض على مصداقيتها فشوه صورة النتيجة ومن بعدها صورة السودان علاوة على التشويه المرتقب لخريطته بإنفصال الجنوب. فكان الصراع الذي كنا نأمل أن لا يكون. لهذه الأسباب وغيرها كان حرصي على البقاء في منزل أسرتي بكادوقلي، فكنت شاهداً على بداية الحرب، وخرجت من كادقلي بعد ثلاثة أيام من بدايتها. فقد دارت بعض المعارك داخل شوارع مدينة كادقلي في الليلة الأولي للحرب حيث تمت تصفية الكثير من كوادر جبال النوبة حتى تلك التي تنضوي تحت عضوية المؤتمر الوطني مثل كبي الغزال. جل ما تبقي من المعركة كان عبارة عن قصف من أعلى الجبل بواسطة القوات الحكومية لقوات الحركة المتمركزة، هناك بينما تلك تقصف مناطق إرتكاز القوات الحكومية بكادقلي مستخدمة مدافع (البك أب). في اليوم الثاني كانت المداهمات بواسطة القوات الحكومية مدعومة بقوات الدفاع الشعبي لمقرات المنظمات وبيوت العاملين بالمنظمات وبيوت ضباط الحركة الشعبية، حيث نهبت تلك الدور وتم تدمير البعض. بقيت داخل الولاية أراقب عن ما يدور كثب (فقد كنت مسكوناً بألام ما حدث في تسعينيات القرن الماضي من إنتهاكات وما حدث ويحدث بدارفور من مأساة). بعد خمسه أيام من وصولي للنقطة التي كنت أراقب منها، تحركت لمدينة الأبيض، حيث وقفت على معاناة النازحين وتصيد السلطات للكوادر السياسية للحركة الشعبية الفارين من جحيم الحرب وإرجاعهم لكادقلي لمواجهة المصير المجهول، بقيت ليومين وغادرت بعدها للخرطوم. وصلت للخرطوم(3) ثم أمدرمان يسكننى هاجس الإعتقال (كنت متأكداً من هذه الإحتمالية لمعرفتي بطريقة تفكير النظام – حيث لن يسمح بتكرار تجربة عملي بدارفور)، وكانت تتأكد لي أكثر فى كل يوم جديد, إلى أن جاءني في يوم الجمعة (24/06/211) صديق أخبرني بأن هناك أفراد من جهاز الأمن يسألون عني وعن منزلي. عندها خرجت من المنزل بالفتيحاب لمنزل عمنا حسن أبونا بالثورة لحين الترتيب لمغادرة السودان ولكن كان ما هو مقدراً أسبق.
يوم الإعتقال
يوم الأحد (26/06/2011م) كنت بمنزل عمنا بأم درمان/ الثورة الحارة (17)، وحوالى الساعة التاسعة مساءًا ونحن جلوساً بباحة المنزل عبرت من فوقنا وفي علو منخفض طائرة صغيرة بدون طيار فتوجست منها وعندما قفلت راجعة بنفس المسار فى أقل من خمسة دقائق كنت قد دخلت للغرفة، مما جعل من كان معي يلحقون بي ويتهموني بالتوجس والريبة، ونحن نتحاور فى الأمر وأثناء حديثنا دخل علينا أربعة أفراد بذي مدني داخل الغرفة وإدعوا أنهم أفراد شرطة وطلبوا رؤية بطاقات الهوية (عندها تأكدت بأني المعني) وعندما رأى قائد المجموعة بطاقتى إحتفظ بها وأحجم عن رؤية بطاقات الآخرين، وأعلن عن نفسه بأنه ضابط أمن وأني مقبوضٌ علي، وبدأ الضابط ومن معه في جمع أغراضي. عندها طلبت أن أغير ملابسي المنزلية فرفضوا إلا أن الضابط(4) تحت إصراري أمرهم بتركي أن أبدل ملابسي على عجل، وتم ذلك أمام أعينهم وأعين من كان معي بالغرفة، ونتيجة للإستعجال (نسيت أن أقفل سستة البنطلون). عندما أُقتادني أفراد الأمن خارج المنزل وجدت أربع سيارات صالون صغيرة وبعض الأفراد المنتشرين أمام المنزل, أدخلت فى إحدى السيارات بالمقعد الخلفي وركب معي إثنان واحد على كل جانب والثالث بالمقعد الأمامي وهناك أحد على مقود السيارة لم ينزل أصلاً أما الضابط فإستغل سيارة أخرى. تحركت السيارة فور ركوبنا وتبعتنا سيارة من تلك السيارات وأمامنا السيارة التي ركبها الضابط. سلكنا طريق الحتانة(5) ومنه لكبري الحلفايا(6)، وعند الكبري أدرك من يقتادوني بأني مفتوح العينين فقاموا بعصبها بقطعة من ملابسي. طيلة الطريق وأنا أسمع لشتائمهم وتهديداتهم (دي خلق دي/ ده ما شكل دكتور، ده شكل جاسوس بس/ خلي نصل تشوف الما شفته في حياتك – يرد أخر ده لو بقى حي/ نوبة شنو كمان العاملين لينا إزعاج/ كرهتنا نفتش عليك)، كما أن أحاديثهم بالتلفون مع آخرين يؤكدون إلقاء القبض علي ويقسمون وهم فرحين وكأن من يحدثونه لا يصدق، أيضاً علمت من أحاديثهم حجم ما يعرفونه عن تحركاتي فى اليومين الأخيرين (من قابلت وأين ذهبت وماذا أعمل).
الهوامش:-
1- مثل حديث رئيس الجمهورية بمدينة القضارف فى نوفمبر 2010 م بأنه لا مجال للحديث إذا إنفصل الجنوب عن تعدد ثقافات أو أديان أو أي جغمسة. أيضاً حديث نافع بأن هوية السودان أصبحت أكثر وضوحاً (فى إشاره لعروبة السودان) وغيرهم.
2- شاع عن المؤتمر الوطنى عبارة (يا هارون أو القيامه تقوم) ,وعن الحركه الشعبيه (النجمة أو الهجمة).
3- تتكون مدينة الخرطوم الكبرى من ثلاثة مدن، الخرطوم بين النيلين، أم درمان على الضفه الغربيه, بحرى على الضفه الشرقيه.
4- من أخذ بطاقتي ولاحقاً كان هو المتحري الأول عرفني بأن إسمه ذو النون.
5- ضاحية بالجزء الشمالي لمدينة أم درمان.
6- كبري على نهر النيل يصل أمدرمان بمدينة بحري حيث إدارة جهاز الأمن وسجن كوبر.
7- يسمونها النظارات.