الذى يتناول علاقات السودان مع الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكنه تجاوز المرحلة التى تولى أعمال السفارة الأمريكية بالخرطوم فيها المدعو ( ألبرتو فرنانديز ) الكوبى الأصل . هذا الرجل الذى سطع نجمه أثناء وبعيد الاحتلال الثنائى الأمريكى – البريطانى للعراق فى ابريل عام 2003 م ، وهو يبرربلغته العربية الممزوجة بنكهة لبنانية – خليجية ، يبرر دواعى الوجود الأمريكى فى المنطقة وشرعنته ، وتسويق فكرة الشرق الأوسط الكبير واشاعة الديمقراطية ويسط الحريات والحكم الراشد على نحو ما تلوكه الآلة الاعلامية الأمريكية ضمن سلسلة الدعاوى التى تتشدق بها !. و لا تهم الوسائل ولا الآليات ولا الأخلاق والمبادىء فى الوصول الى هكذا أهداف حتى وان وصلت نسبة القتلى والجرحى والمشردين والنازحين واللاجئين الملايين ، اضافة الى اضطراد أعداد الأيتام والأرامل وما احدثته هذه الحرب اللعين من فوضى خلاقة تجاوزت العراق الى كل دول الجوار والاقليم !. ليس المقصود هنا أن نتناول امكانات هذا الدبلوماسى الشخصية ، ولا الجوانب التى راعتها وقدرتها أمريكا فى العلاقة مع السودان والظروف قد كانت فى أضعف حالاتها من تأزم وعداء واستهداف مستحكم . فضلا على استمرار النهج العدوانى والدموى لحكومة ( بوش الابن ) فى انتشار الخراب ، والتى توسعت فى الجبهات والحروب على امتداد العالم فيما أسمته ( الحرب الصليبية على الارهاب ) ، والتى راجت عبرها تجارة السلاح والألغام والذخائر وكل العتاد وأدوات الدمار ، وأنتشرت الحركات المسلحة والتمرد كتوابع حقيقية لنتائج السياسة الأمريكية تحديدا فى منطقة الشرق الأوسط وافريقيا . هذه الخلفية التى جاء فرنانديز الى الخرطوم على أنقاضها وهو يحمل هذه التبعات لحكومته ويعرف موقف الطاقم الذى كان يحيط ببوش ازاء السودان رغم ادعائهم لسياسة الانخراط الايجابى مع الخرطوم !. ولكن النتيجة التى وصلت اليها علاقات الخرطوم بواشنطون على امتداد عهد القائم بالأعمال الأمريكى بالخرطوم أن تراجعت العلاقات الى درك سحقيق ولم تحدث أى انفراجات تذكر رغما عن حركة الوفود الأمريكية للسودان من نواب الكونغرس والمبعوثين الخاصين والأجهزية الأمنية والخارجية الأمريكية وغيرهم ، وانشغالهم بهموم ومشاغل لم تكن العلاقات الثنائية السودانية الأمريكية على رأسها !. بل ظلت دوما على هامشها وأعتلت قضية تخليص الحاويات الخاصة ببناء السفارة الأمريكية بسوبا من قبضة الجمارك السودانية ، لبناء احدى القلاع التى تنتوى أمريكا الانطلاق منها الى كل افريقيا هى المحور جراء الصفعة القوية التى تلقتها المصالح الأمريكية من القاعدة فى كينيا وتنزانيا فى حادثة التفجير المتلازمة من سنوات !.
فترة ألبرتو فرنانديز رمت من ورائها أمريكا الى ابقاء الوضع الراهن للعلاقة مع الخرطوم دون تقدم فى أى مجال زى بال ، وذلك من خلال توظيف قدرات رجل المخابرات الأمريكى أو ضابط العلاقات العامة ( فرنانديز) لاستخدام ملكاته وقدراته فى اقامة العلاقات العامة بالمسئولين الرسميين وقادة الأحزاب والنخب المجتمعية ، من خلال الحركة الطليقة التى حظى بها وابتسامته الماكرة ودعاباته السخيفة ، وظهوره الاعلامى وتدخله السافر فى شأننا الداخلى تكاد تكون قد أعطت أكلها وأثمرت فى عكس صورة مغايرة لحقيقة علاقتنا بواشنطون ، لأن الذى يشهد التحركات الكثيفة لهذا المسئول الأمريكى بالخرطوم ، واختراقه لمعظم وسائل ووسائط اعلامنا المحلى وتوظيفه المحكم لها عبر اكرامياته التى تأتى من حفلات الاستقبال والزيارات التى يمنحها لبعض الصحافيين لزيارة أمريكا والجوائز والحوافز التى تعتمدها سياسته تحت ستار ( اشاعة الحريات الصحفية ) ، وغيرها من الأساليب الفاسدة أوشكت أن تقود الى فهم خاطىء وكأن هذا الضابط قد اخترق الحجب وأرتقى بعلاقات البلدين والحقيقة المرة تقول بغير ذلك تماما !. علاقات السودان بأمريكا طوال فترة هذا الرجل أبقت على العقوبات الأمريكية ويجرى تجديدها بطريقة راتبة وميكانيكية مهما تحسن السودان فى مساراته الداخليه وقضاياه الشائكة وحقق من التقدم فى معدلات النمو وخلافها !. بل استحدثت عقوبات وقوانيين أمريكية جديدة استهدفت الاستثمار الخارجى وأبقت على العزلة والحصار على بلادنا ومنعت قطع الغيار عن الطيران المدنى والنقل النهرى وشلت حركة الأموال بطريقة انتقائية ومدروسة !. المساعى المشوشة لهذا الدبلوماسى صعدت من نبرة الحرب وتعقيد الحلول للمشكل فى دارفور من خلال تحليلاته الفطيرة وتقييمه غير الواقعى لقدرات الدولة والحكومة وامكانية استمرارها فى سدة الحكم رغم الضغوط الكثيفة عليها من قبل واشنطون والعواصم الغربية . جهود هذا الرجل فى اطالة أمد الحرب فى دارفور وارباك العلاقات مع تشاد لا تخطئها العين وهو يتغلغل بين الحركات فى دارفور كافة ويحتفظ بخطوط تواصل معهم على مستوى القيادة ، وقد ظل كثير التشكيك فى من يناصرون الدولة وقائدها عندما اعتبر تظاهرة الذين التفوا حول الرئيس فى حواضر دارفور عقب اتهام الجنائية له هم من موظفى الحكومة وترديده لوجود ابادة جماعية بدارفور !. ولا يخفى على المتابع لمجريات الأوضاع اهتمام فرنانديز بالشأن الانسانى فى دارفور لما له من تعويل كبير على معسكرات النزوح وضرورة وجود الموطنيين سجناء داخلها خدمة لأجندته ، وصدمته الكبيرة وفجيعته الشخصية بعيد طرد الحكومة لبعض المنظمات الأجنبية وعلى رأسها منظمة ( كير العالمية ) الامريكية !.
لا يمكننا ونحن نعدد حصاد هذا الكوبى فى تدمير ونسف علاقة السودان بأمريكا وهو قد بذل جهودا محمومة لضرب استقرار اتفاقية السلام الشامل والتشويش عليها وارباك مسيرتها فى مراحلها المختلفة من خلال هيمنته على قادة الحركة وقربه من عناصرفاعلة داخلها وقد ظل كثير الحديث عنها ، وهو لا يخفى صداقته ودولته لها وانحيازه الأعمى لها فى كل مواقفها ، وقد كان بعض جهده تعليق اتفاق السلام ( CPA) لأكثر من شهرين وحمل مناوى لمغادرة الخرطوم واعتزال المشاركة فى الحكم لفترة مماثلة !. ولا ينسى لهذا الرجل تطاوله على الدولة وقياداتها وانتقاصه من كل حسنة وانجاز تحدثه أو انفراج وتأييد لصالح سياستها ، وليس بامكاننا أن نتغافل عن جهوده من وراء أزمة الجنائية وتأجيجه لها رغم عدم توقيع بلاده لميثاق روما !. الذى يحصى حركة النشاط السالب لهذا الفرنانديز بالخرطوم لا يمكنه أن يأتى بحسنة أو انجاز يمكن أن يحسب لصالحه ، حتى اطلاق بعض العناصر السودانية من معتقل غوانتانامو وعلى رأسهم ( سامى الحاج ) فهذا يرجع للجهود السودانية الملحة والسودان قد قدم العديد من التنازلات والتحفيزات لتجاوز عنق الزجاجة مع واشنطون ، فضلا عن الضغوط الدولية ازاء السقطة والفخ الذى أوجدت فيه الادارة الأمريكية نفسها والجحيم الذى انطلق عليها من هذه البوابة !. هذه بعض لمحات فيما تابعته وأنا استرجع مسيرة فرنانديز بالخرطوم ، وأنظر أى زاوية دفع بها ايجابا لكى تتقدم علاقتنا بواشنطون كاحدى الواجبات والأولويات التى يركز عليها أى دبلوماسى يبتغى نجاح مهمته !.
نقول بذلك ونحن نطالع فى الصحف من يومين خبر انتهاء مهمة فرنانديز بالخرطوم نهاية هذا الشهر ، وكثيرون مثلى قد تنفسوا الصعداء بانتهاء فترة أشبه بالكابوس للظلامية التى ظللت سماء علاقتنا بواشنطون على عهد هذا الرجل والتدهور الذى شابها ، وقطع يقينا العشم و رجاءات البعض فى استعادة علاقات سوية قوامها الندية والاحترام المتبادل !. لا أقول ذلك حتى يصار بين عشية وضحاها الى علاقات راسخة ومتينة مع دولة بأهمية أمريكا والكل يعرف ما يكتنفها من صعاب وتباين فى وجهات النظر !. ولا أرمى من وراء ذلك الى ترفيع التمثيل الى درجة السفير لكى ننهى حقبة المبعوثين الخاصين وحلقاتها المفرغة التى تدور فيها ، تلك السياسة التى اعتمدتها حكومتى كلنتون وبوش دونما جدوى ولم توصلنا الى بر آمن ، وليس العبرة بسمو المنصب فى غياب الشخص الحادب والحريص على تجسيير الهوة وتضييق مساحة الخلاف !. ويشاع أن السيد/ روبرت وايتهيد هو من يخلف فرنانديز بكل هذه الخلفية غير المؤاتية ، والظروف تتبدل بمجىء مبعوث جديد هو لجنرال غرايشن ، وسياسة أوباما التى تعتمد التغيير فى تعاطيها مع الجميعوما نراه يمثل نقيض ذلك !. لأن الشاهد فى الأمر أن السودان قد وضع مجددا على لائحة الدول الراعية للارهاب على ، والجنرال قد عاد بالفعل الى السودان عبرالجنوب وهو فى طريقه للخرطوم الآن ، وبعض الأخبار تقول بأن لديه خارطة طريق للتطبيع بين البلدين ( أشك فى صدقيتها ومعقوليتها ) ، وبعض الناس يفرط فى التفاؤل والتجارب مع أمريكا بسلوكها الماثل لا تجعلنا نشاطر من يمضون الى هذا التفاؤل دون أن نرى أشراطه و نستصحب هذا التاريخ الطويل معها بمراراته الحارقة ومواقفها العدوانية واستهدافها المستبد ، حتى نصل الى تغير حقيقى وجوهرى فى مواقفها باتجاهنا وقد مللنا الوعود ، حتى نرى رؤية جديدة وتعاط مغاير يخرج العلاقات من هذه الدائرة الى منعطف جديد يغطى على حقبة فرنانديز وسياسة بوش الابن ، ويعود حراك المصالح المتبادلة والتفاهمات الندية عوضا عن هذه النزعة التى كرست الكراهية فى شعبنا باتجاه أمريكا فهل من متعظ !!؟ والاسنجد من يبكى على فرنانديز على سوءه !!! .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم