مرونة النظم الصحية في الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات: إطار تحليلي متكامل ودروس للحالة السودانية (الجزء الثاني)
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الفصل الثاني
مرونة النظام الصحي السوداني أثناء الحرب وإعادة البناء (Case Study Sudan)
يمثل هذا الفصل تطبيقاً للإطار التحليلي السابق على الحالة السودانية، بهدف فهم كيفية تشكل النظام الصحي السوداني تاريخياً، وكيف تأثر بالاقتصاد السياسي الداخلي، وكيف دخل في مسار الانهيار خلال الحرب الحالية. كما يوضح الفصل أن ما يحدث في السودان ليس انهياراً مفاجئاً، بل نتيجة تراكم طويل من الهشاشة البنيوية التي تفجرت مع الصراع المسلح.
2.1 تطور النظام الصحي السوداني
شهد النظام الصحي السوداني تطوراً غير خطي تأثر بالتحولات السياسية والاقتصادية والإدارية، مما جعل بنيته الحالية نتاجاً لتراكمات تاريخية أكثر من كونها نتيجة تخطيط صحي متكامل.
2.1.1 فترة الاستعمار
تأسس النظام الصحي في السودان خلال الفترة الاستعمارية على نموذج مركزي يخدم المصالح الإدارية والاقتصادية للدولة الاستعمارية. وقد ركز هذا النظام على المدن والمراكز الحضرية وعلى حماية القوى العاملة المرتبطة بالإدارة الاستعمارية، مع إهمال واسع للمناطق الريفية (Vaughan، 1991).
وقد أدى هذا التأسيس غير المتوازن إلى خلق فجوة هيكلية مبكرة بين المركز والأطراف، استمرت آثارها في المراحل اللاحقة من تطور النظام الصحي.
2.1.2 ما بعد الاستقلال
بعد الاستقلال عام 1956، ورث السودان نظاماً صحياً محدود الموارد وضعيف التغطية الجغرافية. ورغم محاولات التوسع في الخدمات الصحية، إلا أن عدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية المتكررة أعاقت بناء نظام صحي مستدام (Ali، 2006).
كما اتسمت هذه المرحلة بضعف الاستثمار في الرعاية الصحية الأولية، وتركز الخدمات في المدن الكبرى، مما عمّق التفاوتات الإقليمية.
2.1.3 اللامركزية الصحية
شهدت السودان في فترات مختلفة محاولات لامركزية النظام الصحي بهدف نقل بعض الصلاحيات إلى الولايات. إلا أن هذه اللامركزية كانت في كثير من الأحيان شكلية، حيث لم تُرافق بتحويل كافٍ للموارد أو بناء قدرات إدارية محلية (Elhassan، 2013).
وأدى ذلك إلى نشوء نظام هجين يجمع بين المركزية في اتخاذ القرار وضعف التنفيذ على المستوى المحلي، مما أضعف فعالية النظام الصحي ككل.
2.1.4 إصلاحات التسعينيات
شهدت التسعينيات إدخال إصلاحات اقتصادية وهيكلية أثرت بشكل كبير على القطاع الصحي، بما في ذلك سياسات التحرير الاقتصادي وتقليص الإنفاق العام. وقد أدى ذلك إلى زيادة الاعتماد على الدفع المباشر من قبل المرضى، وتراجع التمويل الحكومي للصحة (Ali، 2006).
كما توسع دور القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية، مما أدى إلى مزيد من تجزئة النظام الصحي.
2.1.5 ما بعد انفصال جنوب السودان
أدى انفصال جنوب السودان عام 2011 إلى فقدان جزء مهم من الإيرادات النفطية، مما أثر بشكل مباشر على تمويل القطاع الصحي. كما أدى إلى إعادة تشكيل أولويات الدولة في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة (World Bank، 2018).
في هذه المرحلة، أصبح النظام الصحي أكثر اعتماداً على المساعدات الخارجية، مع استمرار ضعف الاستثمار المحلي.
2.1.6 ما قبل حرب 2023
قبل اندلاع الحرب في 2023، كان النظام الصحي السوداني يعاني بالفعل من هشاشة بنيوية، تشمل ضعف التمويل، وتفاوت الخدمات، ونقص الكوادر، وضعف البنية التحتية في المناطق الريفية والنائية.
وقد شكل هذا الوضع أرضية هشة جعلت النظام الصحي غير قادر على امتصاص الصدمة الناتجة عن النزاع المسلح، مما أدى إلى انهيار سريع عند اندلاع الحرب.
2.2 الاقتصاد السياسي للصحة في السودان
يمثل الاقتصاد السياسي إطاراً تفسيرياً أساسياً لفهم كيفية توزيع الموارد الصحية واتخاذ القرارات داخل النظام الصحي السوداني، وكيف تتفاعل السلطة مع الصحة في سياق دولة هشة.
2.2.1 تمويل الصحة
يعتمد تمويل الصحة في السودان على مزيج من الإنفاق الحكومي المحدود، والمدفوعات المباشرة من الأسر، والمساعدات الخارجية. ويشكل الإنفاق المباشر من الأسر نسبة كبيرة من إجمالي الإنفاق الصحي، مما يضع عبئاً ثقيلاً على السكان (WHO، 2020).
ويؤدي هذا النموذج إلى عدم المساواة في الوصول إلى الخدمات الصحية، حيث تعتمد القدرة على الحصول على الرعاية على القدرة المالية وليس على الحاجة الصحية.
2.2.2 التفاوتات الإقليمية
يتميز السودان بتفاوتات إقليمية كبيرة في توزيع الخدمات الصحية، حيث تتركز الخدمات المتقدمة في الخرطوم وبعض المدن الكبرى، بينما تعاني المناطق الريفية والهامشية من نقص شديد في الخدمات الأساسية.
وقد ساهمت هذه التفاوتات في تعزيز الشعور بالتهميش وعدم العدالة، وهو ما ارتبط تاريخياً باندلاع النزاعات في بعض المناطق.
2.2.3 المركز والأطراف
يعكس النظام الصحي السوداني نمطاً واضحاً من التمركز في العاصمة مقابل ضعف الأطراف. ويؤدي هذا النمط إلى ضعف قدرة الولايات على التخطيط وتنفيذ السياسات الصحية بشكل مستقل وفعال.
كما يعزز هذا التمركز عدم المساواة في توزيع الموارد البشرية والمالية، ويؤدي إلى هجرة الكوادر من الأطراف إلى المركز.
2.2.4 دور المانحين
لعبت الجهات المانحة دوراً متزايد الأهمية في تمويل ودعم النظام الصحي السوداني، خاصة في مجالات التحصين وصحة الأم والطفل ومكافحة الأمراض المعدية.
غير أن هذا الدعم اتسم أحياناً بعدم التنسيق وضعف التكامل مع النظام الصحي الوطني، مما أدى إلى إنشاء برامج موازية بدلاً من تعزيز النظام الصحي ككل (OECD، 2022).
2.3 الحرب الحالية ومسارات الانهيار
أدت الحرب الحالية في السودان إلى تسريع مسار انهيار النظام الصحي الذي كان يعاني بالفعل من هشاشة بنيوية. وقد حدث الانهيار عبر عدة مسارات مترابطة تشمل الحوكمة والخدمات والقوى العاملة والإمداد والمعلومات والتمويل.
2.3.1 انهيار الحوكمة الصحية
أدى النزاع إلى انهيار فعلي في القدرة التنظيمية لوزارة الصحة والمؤسسات الصحية المركزية، مع تزايد تعدد الفاعلين في القطاع الصحي دون تنسيق موحد.
وقد نتج عن ذلك غياب التخطيط الصحي الوطني، وضعف الرقابة، وتشتت الجهود بين الجهات المختلفة، مما أدى إلى فقدان السيطرة المؤسسية على النظام الصحي.
2.3.2 انهيار الخدمات
تأثرت الخدمات الصحية بشكل مباشر نتيجة تدمير المرافق الصحية، وتعطيل سلاسل الإمداد، ونقص الكوادر. وقد أدى ذلك إلى توقف العديد من المستشفيات والمراكز الصحية عن العمل في مناطق واسعة.
كما انخفضت قدرة النظام على تقديم الخدمات الأساسية مثل الرعاية التوليدية والتحصين وخدمات الطوارئ.
2.3.3 هجرة الكوادر
شهد السودان موجة واسعة من هجرة العاملين الصحيين إلى خارج البلاد أو إلى مناطق أكثر أماناً داخلها. وقد أدى ذلك إلى فقدان خبرات تراكمية مهمة، وتراجع القدرة التشغيلية للمرافق الصحية.
ويشكل هذا النزيف البشري أحد أخطر التحديات طويلة المدى أمام إعادة بناء النظام الصحي.
2.3.4 انهيار الإمداد
تعطلت سلاسل الإمداد الدوائي نتيجة إغلاق الطرق، وتدمير المخازن، وصعوبة الاستيراد. وقد أدى ذلك إلى نقص حاد في الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية.
ويؤثر هذا الانهيار بشكل مباشر على قدرة النظام الصحي على تقديم أي خدمات علاجية فعالة.
2.3.5 تعطل البيانات
تدهورت نظم المعلومات الصحية بشكل كبير نتيجة توقف المرافق الصحية وانقطاع الاتصالات ونقص الكوادر.
وأدى ذلك إلى غياب بيانات دقيقة حول الوضع الصحي، مما صعب عملية التخطيط والاستجابة السريعة للأوبئة والأزمات.
2.3.6 أزمة التمويل
أدت الحرب إلى انهيار شبه كامل في قدرة الدولة على تمويل القطاع الصحي، مع اعتماد شبه كلي على المساعدات الإنسانية الخارجية.
ويخلق هذا الوضع نظاماً صحياً هشاً يعتمد على التمويل الطارئ بدلاً من التمويل المستدام، مما يحد من إمكانيات إعادة البناء طويلة الأجل.
2.4 تحليل المرونة القائمة
رغم الانهيار الواسع الذي شهده النظام الصحي السوداني خلال الحرب، إلا أن بعض عناصر المرونة استمرت في العمل بشكل جزئي أو أعادت تشكيل نفسها خارج البنية الرسمية للدولة. ويعكس ذلك أن المرونة في السياقات الهشة لا تختفي بالكامل، بل تتحول إلى أشكال مشتتة وغير مركزية تعتمد على الفاعلين المحليين والدوليين والمجتمعيين.
ما الذي استمر؟
تُظهر الحالة السودانية أن استمرار النظام الصحي لم يعتمد على الدولة وحدها، بل على شبكة متعددة المستويات من الفاعلين الرسميين وغير الرسميين الذين حافظوا على حد أدنى من الخدمات الصحية رغم الانهيار المؤسسي.
الرعاية المجتمعية
استمرت الرعاية الصحية المجتمعية بوصفها أحد أهم أشكال الصمود المحلي. فقد لعبت المجتمعات المحلية، خاصة في المناطق الريفية والمناطق المتأثرة بالنزاع، دوراً محورياً في تقديم الإسعافات الأولية، ورعاية الأمراض المزمنة، ودعم النساء الحوامل، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي.
وتعكس هذه الظاهرة قدرة المجتمع على إنتاج بدائل وظيفية للنظام الصحي الرسمي عندما يتعذر الوصول إليه، مما يؤكد أن المرونة ليست حكراً على المؤسسات الرسمية فقط.
المبادرات المحلية
ظهرت مبادرات محلية متعددة لسد الفجوات في الخدمات الصحية، شملت إنشاء مراكز علاجية مؤقتة، وتنظيم حملات تطوعية لنقل المرضى، وتوفير الأدوية الأساسية عبر شبكات غير رسمية.
وتعتمد هذه المبادرات على رأس المال الاجتماعي والثقة داخل المجتمعات، لكنها تظل محدودة من حيث الموارد والاستدامة، مما يجعلها حلولاً مؤقتة أكثر من كونها بدائل نظامية كاملة.
المنظمات الإنسانية
لعبت المنظمات الإنسانية الدولية والإقليمية دوراً محورياً في استمرار تقديم الخدمات الصحية الأساسية، خاصة في مجالات الطوارئ، والتحصين، وصحة الأم والطفل، والاستجابة للأوبئة.
وقد ساهم هذا التدخل في منع انهيار كامل للنظام الصحي في بعض المناطق، لكنه في الوقت نفسه أدى إلى ظهور أنماط تقديم خدمات موازية لا تتكامل دائماً مع النظام الوطني (OECD، 2022).
الشبكات المهنية
استمرت الشبكات المهنية للعاملين الصحيين، بما في ذلك الأطباء والممرضين والصيادلة، في العمل بشكل غير رسمي عبر التعاون والتنسيق لتبادل المعلومات والخبرات والموارد.
وقد ساعدت هذه الشبكات في الحفاظ على حد أدنى من التماسك المهني، رغم انهيار المؤسسات الرسمية التي كانوا يعملون داخلها.
الشتات السوداني
لعب الشتات السوداني دوراً متزايد الأهمية في دعم النظام الصحي عبر التحويلات المالية، وتوفير الأدوية والمعدات، والمشاركة في الاستشارات الطبية عن بعد، ودعم المبادرات الصحية المحلية.
ويمثل الشتات مصدراً مهماً للمرونة الخارجية، إلا أن تأثيره يظل غير منظم في غياب إطار وطني يدمج مساهماته ضمن استراتيجية صحية شاملة.
2.5 الفجوات الرئيسية
يكشف تحليل النظام الصحي السوداني في ظل الحرب عن فجوات عميقة تعيق قدرته على التعافي وإعادة البناء، وتشمل هذه الفجوات جميع مكونات النظام الصحي الأساسية.
فجوات الحوكمة
تعاني الحوكمة الصحية من ضعف شديد يتمثل في غياب التنسيق الوطني، وتعدد مراكز القرار، وانهيار آليات الرقابة والتنظيم.
ويؤدي ذلك إلى نظام صحي مجزأ لا يمتلك رؤية استراتيجية موحدة لإدارة الأزمة أو إعادة البناء.
فجوات التمويل
يعتمد النظام الصحي بشكل شبه كامل على التمويل الإنساني الخارجي، مع انهيار شبه تام للتمويل الحكومي المحلي.
ويؤدي هذا الوضع إلى عدم استقرار مالي مزمن، وصعوبة في التخطيط طويل الأجل، وتذبذب في تقديم الخدمات الصحية.
فجوات القوى العاملة
يواجه النظام الصحي نقصاً حاداً في الكوادر نتيجة الهجرة، والنزوح، وانقطاع الرواتب، وتدهور بيئة العمل.
ويؤدي ذلك إلى اختلال كبير في توزيع الكوادر بين المناطق المختلفة، وانخفاض جودة الخدمات الصحية.
فجوات المعلومات
انهارت نظم المعلومات الصحية بشكل كبير، مما أدى إلى غياب بيانات دقيقة وموثوقة حول الوضع الصحي.
ويؤثر ذلك على قدرة النظام على التخطيط، والاستجابة للأوبئة، وتحديد الأولويات الصحية.
فجوات العدالة الصحية
تتسع الفجوة في العدالة الصحية بين المناطق المختلفة، حيث تختلف فرص الوصول إلى الخدمات الصحية بشكل كبير حسب الموقع الجغرافي والقدرة الاقتصادية والأمنية.
ويؤدي ذلك إلى تعميق التفاوتات الصحية وزيادة هشاشة الفئات الأكثر ضعفاً.
2.6 السيناريوهات المستقبلية
تعتمد مستقبلات النظام الصحي السوداني على مسار تطور النزاع، وطبيعة التسوية السياسية، وقدرة الدولة والمجتمع الدولي على إعادة البناء. ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: استمرار الحرب
في هذا السيناريو يستمر النزاع المسلح لفترة طويلة دون حسم سياسي واضح. ويؤدي ذلك إلى:
مزيد من تدهور البنية التحتية الصحية.
استمرار هجرة الكوادر الصحية.
اعتماد شبه كامل على المساعدات الإنسانية.
توسع النظم الصحية الموازية.
ويُعد هذا السيناريو الأكثر تدميراً للنظام الصحي على المدى الطويل، حيث يؤدي إلى تفكك شبه كامل للمؤسسات الصحية.
السيناريو الثاني: تسوية جزئية
يشير هذا السيناريو إلى الوصول إلى اتفاقات محدودة أو هدنات إقليمية دون تسوية شاملة للنزاع. ويؤدي ذلك إلى:
تحسن محدود في بعض المناطق.
استمرار عدم الاستقرار المؤسسي.
إعادة تشغيل جزئية للمرافق الصحية.
استمرار الاعتماد على المانحين.
ويتميز هذا السيناريو بعدم التوازن بين المناطق واستمرار هشاشة النظام الصحي ككل.
السيناريو الثالث: تسوية شاملة
يفترض هذا السيناريو التوصل إلى اتفاق سياسي شامل يؤدي إلى وقف الحرب وإعادة بناء الدولة. ويؤدي ذلك إلى:
إعادة بناء تدريجية للنظام الصحي.
عودة تدريجية للكوادر الصحية.
إعادة دمج النظم الصحية الموازية.
زيادة الاستثمار المحلي والدولي في القطاع الصحي.
ورغم أن هذا السيناريو يوفر أفضل فرصة لإعادة بناء النظام الصحي، إلا أنه يتطلب وقتاً طويلاً واستثمارات ضخمة وإصلاحات مؤسسية عميقة.
2.7 نموذج إعادة البناء المقترح للسودان
يستند نموذج إعادة بناء النظام الصحي السوداني إلى مقاربة تدريجية تراعي واقع الانهيار المؤسسي الناتج عن الحرب، وتفترض أن التعافي لا يمكن أن يكون لحظياً، بل عملية طويلة متعددة المراحل تتداخل فيها الاستجابة الإنسانية مع إعادة بناء الدولة والنظام الصحي معاً. ويقوم النموذج على ثلاث مراحل مترابطة: الاستقرار، التعافي، والتحول، بحيث تمثل كل مرحلة قاعدة للمرحلة التي تليها دون انفصال حاد بينها.
المرحلة الأولى: الاستقرار (1–2 سنة)
تركز هذه المرحلة على منع الانهيار الكامل للنظام الصحي وضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية المنقذة للحياة. في هذا السياق، تصبح الأولوية للرعاية الصحية الأولية باعتبارها خط الدفاع الأول للنظام الصحي، إلى جانب خدمات الطوارئ التي تعالج الإصابات الحادة والأمراض المهددة للحياة.
كما تشمل هذه المرحلة إعادة تشغيل سلاسل الإمداد الأساسية للأدوية والمستلزمات الطبية، مع التركيز على الأدوية المنقذة للحياة واللقاحات الأساسية. ويتم الاعتماد بشكل كبير على الشركاء الإنسانيين والمنظمات الدولية لضمان استمرار التدفق الحد الأدنى من الموارد.
في السودان، تمثل هذه المرحلة واقعاً فعلياً في العديد من المناطق، حيث تعتمد المرافق الصحية على حلول مؤقتة وشبكات دعم محلية ودولية لتجنب الانهيار الكامل.
المرحلة الثانية: التعافي (3–5 سنوات)
تتجه هذه المرحلة نحو إعادة بناء المؤسسات الصحية تدريجياً، مع التركيز على استعادة الوظائف الأساسية للنظام الصحي الوطني. وتشمل إعادة تأهيل المرافق الصحية المتضررة، وإعادة تشغيل المستشفيات والمراكز الصحية بشكل منظم، واستعادة نظم الإدارة الصحية على المستوى القومي والولائي.
كما تتضمن هذه المرحلة استعادة الكوادر الصحية عبر سياسات العودة الطوعية، وتحسين بيئة العمل، وتوفير الحوافز المهنية والمالية. ويعد الاستثمار في التدريب وإعادة التأهيل المهني جزءاً أساسياً من هذه المرحلة لضمان استعادة القدرة التشغيلية للنظام الصحي.
في السياق السوداني، تمثل هذه المرحلة نقطة تحول من الاعتماد الكامل على الاستجابة الإنسانية إلى إعادة بناء تدريجي للقدرات الوطنية.
المرحلة الثالثة: التحول (5–10 سنوات)
تمثل هذه المرحلة إعادة تصميم شاملة للنظام الصحي السوداني بهدف بناء نظام أكثر عدالة وكفاءة ومرونة. وتشمل هذه المرحلة تحقيق التغطية الصحية الشاملة كهدف استراتيجي، وتطوير نموذج حوكمة تعاوني يدمج الدولة والولايات والمجتمعات المحلية والقطاع الخاص والمانحين ضمن إطار واحد.
كما تشمل هذه المرحلة تطوير نظام تمويل صحي مستدام يعتمد على آليات الحماية الاجتماعية وتقليل الاعتماد على الدفع المباشر من الأفراد، إضافة إلى التحول الرقمي للنظام الصحي عبر بناء نظم معلومات صحية متكاملة تدعم اتخاذ القرار والتخطيط.
في هذه المرحلة، لا يقتصر الهدف على إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل يتجاوز ذلك إلى معالجة الاختلالات التاريخية التي جعلت النظام الصحي السوداني هشاً قبل الحرب.
2.8 أولويات السياسات
تتطلب عملية إعادة بناء النظام الصحي السوداني تحديد أولويات واضحة ومترابطة تعكس الواقع المعقد للأزمة الحالية، وتوازن بين الاحتياجات العاجلة والاعتبارات طويلة المدى.
الأولويات العاجلة
تركز الأولويات العاجلة على إنقاذ الأرواح ومنع الانهيار الكامل للنظام الصحي، وتشمل:
ضمان استمرارية الرعاية الصحية الأولية والخدمات الطارئة.
إعادة تأهيل سلاسل الإمداد للأدوية الأساسية واللقاحات.
دعم الكوادر الصحية المتبقية وحمايتها وتحفيزها.
توسيع الاستجابة الإنسانية الصحية في المناطق الأكثر تضرراً.
تعزيز الحد الأدنى من نظم الترصد الوبائي.
هذه الأولويات تهدف إلى تثبيت النظام الصحي في حالة “الحد الأدنى من الاستقرار التشغيلي”.
الأولويات المتوسطة
تركز الأولويات المتوسطة على إعادة بناء القدرات المؤسسية للنظام الصحي، وتشمل:
إعادة تأهيل المرافق الصحية المتضررة.
استعادة نظم الإدارة الصحية على المستويين الوطني والولائي.
إعادة دمج البرامج الصحية الموازية ضمن إطار وطني.
إطلاق برامج منظمة لإعادة تدريب الكوادر الصحية.
تحسين تنسيق المانحين والجهات الإنسانية.
وتشكل هذه المرحلة جسراً بين الاستجابة الطارئة وإعادة البناء المؤسسي المستدام.
الأولويات طويلة المدى
تركز الأولويات طويلة المدى على التحول الهيكلي للنظام الصحي، وتشمل:
تحقيق التغطية الصحية الشاملة.
بناء نظام تمويل صحي مستدام قائم على الحماية الاجتماعية.
تطوير حوكمة صحية لامركزية وتشاركية.
التحول الرقمي الشامل للنظام الصحي.
معالجة التفاوتات الإقليمية والاجتماعية في الوصول إلى الخدمات.
وتهدف هذه الأولويات إلى تحويل النظام الصحي السوداني من نظام هش ومتأثر بالأزمات إلى نظام مرن قادر على الصمود والتكيف والتحول.
الخاتمة
يقدم هذا العمل تحليلاً متكاملاً لمرونة النظم الصحية في الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات، مع التركيز على الحالة السودانية بوصفها نموذجاً معقداً لتفاعل التاريخ المؤسسي الطويل مع الصدمة الحادة الناتجة عن الحرب. وقد أظهر التحليل أن ما يشهده السودان لا يمكن تفسيره باعتباره انهياراً لحظياً للنظام الصحي، بل نتيجة مسار ممتد من الهشاشة البنيوية، وتفاوت التنمية، وضعف الحوكمة، وتراكم اختلالات الاقتصاد السياسي للصحة.
النتائج الرئيسية
تتمثل النتائج الرئيسية للدراسة في أن مرونة النظام الصحي ليست خاصية ثابتة، بل عملية ديناميكية تتشكل عبر تفاعل الحوكمة والموارد والثقة والقدرات المؤسسية والتكيف المحلي مع عوامل التفكك مثل شدة النزاع وتجزؤ الدولة.
كما أظهرت الدراسة أن انهيار النظام الصحي السوداني لم يكن شاملاً بالكامل، بل كان انتقائياً وغير متساوٍ، حيث انهارت بعض المكونات بشكل شبه كامل مثل الحوكمة وسلاسل الإمداد، بينما استمرت مكونات أخرى بشكل جزئي مثل الرعاية المجتمعية والمبادرات المحلية والشبكات المهنية والشتات.
وتبين كذلك أن الاعتماد المفرط على النظم الإنسانية الموازية، رغم أهميته في منع الانهيار الكامل، لا يمكن أن يشكل بديلاً مستداماً عن النظام الصحي الوطني.
النموذج التفسيري النهائي
يؤكد النموذج التفسيري النهائي أن:
مرونة النظام الصحي = (الحوكمة + الثقة + الموارد + القدرات المؤسسية + التكيف المحلي)
− (شدة النزاع + التجزؤ + انهيار الدولة)
ويعني ذلك أن تعزيز المرونة لا يعتمد فقط على زيادة الموارد أو التدخلات التقنية، بل على إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإعادة توحيد النظام الصحي، وتقليل التجزؤ المؤسسي، وبناء شرعية حقيقية للنظام الصحي.
وفي الحالة السودانية، يميل التوازن الحالي إلى الجانب السلبي من المعادلة، مما يفسر هشاشة النظام الصحي واستمرارية الانهيار الجزئي حتى في وجود تدخلات إنسانية واسعة.
الدروس المستفادة للسودان
يقدم تحليل الحالة السودانية مجموعة من الدروس الأساسية:
لا يمكن فصل إعادة بناء النظام الصحي عن مسار السلام والاستقرار السياسي.
الاستثمار في الرعاية الصحية الأولية هو المدخل الأكثر فعالية في بيئات ما بعد الانهيار.
استعادة القوى العاملة الصحية تمثل شرطاً أساسياً لأي تعافٍ مستدام.
الاعتماد على النظم الموازية يجب أن يكون مؤقتاً ومقيداً بإطار وطني موحد.
الثقة المجتمعية عنصر حاسم لا يقل أهمية عن التمويل والبنية التحتية.
الدروس للدول الهشة الأخرى
تُظهر التجربة السودانية أن الدول الهشة تشترك في أنماط متكررة من الانهيار والمرونة، من أهمها:
هشاشة النظم الصحية السابقة للأزمات تجعلها أكثر عرضة للانهيار السريع.
تعدد الفاعلين دون تنسيق يؤدي إلى تجزؤ النظام الصحي.
الاعتماد طويل الأمد على المساعدات الخارجية يضعف بناء المؤسسات الوطنية.
المجتمعات المحلية غالباً ما تكون مصدر المرونة الأكثر استمرارية.
النظم الصحية لا يمكن فصلها عن الاقتصاد السياسي الأوسع للدولة.
التوصيات الاستراتيجية
تشير النتائج إلى ضرورة تبني مقاربة متعددة المستويات لإعادة بناء النظام الصحي السوداني:
قصيرة المدى: تثبيت النظام الصحي عبر دعم الطوارئ والرعاية الأولية وسلاسل الإمداد.
متوسطة المدى: إعادة بناء المؤسسات الصحية واستعادة الكوادر وتوحيد النظام الصحي.
طويلة المدى: التحول نحو نظام صحي شامل ومستدام قائم على الحوكمة التشاركية والتمويل المستدام والتحول الرقمي.
كما تتطلب التوصيات تعزيز التنسيق بين الفاعلين الإنسانيين والدوليين والحكومة لضمان عدم إعادة إنتاج التجزؤ المؤسسي.
أجندة البحث المستقبلية
تكشف الدراسة عن حاجة ملحة لتعميق البحث في عدة مجالات:
تطوير أدوات دقيقة لقياس مرونة النظم الصحية في البيئات الهشة.
دراسة ديناميكيات الاقتصاد السياسي للصحة في سياقات النزاع الممتد.
تحليل دور الشتات في دعم النظم الصحية الهشة بشكل منظم.
فهم العلاقة بين الثقة المجتمعية واستمرارية تقديم الخدمات الصحية.
إنتاج دراسات طولية حول مسارات التعافي بعد النزاعات، خاصة في السودان.
كما تبرز الحاجة إلى بحوث تطبيقية تربط بين التحليل الأكاديمي وصناعة السياسات لضمان تحويل المعرفة إلى تدخلات عملية قابلة للتنفيذ.
المراجع
Abimbola S, Topp SM, Palagyi A, Marais BJ, Negin J. Global health system resilience: a literature review. BMJ Glob Health. 2019;4(6):e001778.
Ali MM. Health sector reform in Sudan: a review. Health Policy. 2006;78(2-3):241-250.
Barasa E, Cloete K, Gilson L. From bouncing back, to nurturing emergence: reframing resilience in health systems strengthening. Health Policy Plan. 2018;33(6):660-669.
Blanchet K, Nam SL, Ramalingam B, Pozo-Martin F. Governance and capacity to manage resilience of health systems. Int J Health Policy Manag. 2017;6(8):431-435.
de Savigny D, Adam T. Systems Thinking for Health Systems Strengthening. Geneva: World Health Organization; 2009.
Elhassan S. Decentralization and health systems performance in Sudan. Sudan Health Review. 2013;9(1):15-28.
Fouad FM, Sparrow A, Tarakji A, et al. Health workers and the weaponisation of health care in Syria. Lancet. 2017;390(10110):2516-2526.
Johnson D. South Sudan: A New History for a New Nation. Athens: Ohio University Press; 2016.
Kieny MP, Dovlo D, Nishtar S, et al. Health-system resilience: reflections on Ebola. Bull World Health Organ. 2014;92(12):850.
Kruk ME, Freedman LP, Anglin GA, Waldman RJ. Rebuilding health systems in post-conflict countries. Soc Sci Med. 2010;70(1):89-97.
Kruk ME, Myers M, Varpilah ST, Dahn BT. What is a resilient health system? Lessons from Ebola. Lancet. 2015;385(9980):1910-1912.
Newbrander W, Waldman RJ, Shepherd-Banigan M. Rebuilding and strengthening health systems and providing basic health services in fragile states. Disasters. 2011;35(4):639-660.
OECD. States of Fragility 2022. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development; 2022.
Palmer N, Strong L, Wali A, Sondorp E. Contracting out health services in fragile states. BMJ. 2006;332(7543):718-721.
Pavignani E, Colombo S. Analysing disrupted health sectors: a modular manual. World Health Organization; 2013.
Peters MDJ, Godfrey CM, Khalil H, McInerney P, Parker D, Soares CB. Guidance for conducting systematic scoping reviews. Int J Evid Based Healthc. 2015;13(3):141-146.
Vaughan M. Curing Their Ills: Colonial Power and African Illness. Cambridge: Polity Press; 1991.
World Bank. Pathways for Peace: Inclusive Approaches to Preventing Violent Conflict. Washington DC: World Bank; 2017.
World Bank. Sudan Economic Update: Health and Development. Washington DC: World Bank; 2018.
World Health Organization. Global Health Expenditure Database: Sudan profile. Geneva: WHO; 2020.
