محمود عثمان رزق
15 أغسطس 2026
نظام البوت هو اختصار أو ترميز للجملة الأنجليزية (BUILD, OPERATE and TRANSFER) والتي تعني التأسيس والتشغيل والإدارة و تحويل الأرباح، وفي النهاية تحويل الملكية لأصحاب الأصول. ونظام “البوت” يقوم على إعطاء دولة كالصين أو تركيا أو غيرها من الدول أو مستثمر من القطاع الخاص من داخل الدولة أو خارجها مشروعاً حيوياً لتشييده من حر ماله بشرط أن يقوم بتشغيلّه وإدارته بعد عمليّة الانتهاء منه وذلك بإمتياز معيّن قد يكون مدتّه من (30-40) سنة عادة، وخلال هذه المدّة يقوم المستثمر بتشغيل المشروع ويسترد كل تكاليفه بالإضافة للأرباح التي يجنيها من خلال تشغيل وبيع منتج المشروع للمستهلكين، وبعد إنتهاء مدّة الامتياز المتفق عليها تؤول ملكية المشروع بالكامل الى الدولّة، ممّا يعني أن نظام البوت هو آليّة تمويل جيدة ومضمونة النتائج وسريعة الإنجاز، ومن الناحية الدينية لا غبار البتة على شرعية هذا النظام لأنه لا يقوم على نظام الإقراض الربوي المحرم الذي يقرض الكاش ويقف بعيداً يتفرج، بل يقوم على جهد حقيقي قوامه شراء المعدات والتأسيس والإنتاج والإدارة والإنفاق. وقد استفادت الإنقاذ من هذا النوع من التمويل في استخراج البترول ومد خط أنابيبه وإنشاء مصافيه ومعامله، ولكنها للأسف لم تتوسع فيه لإكمال البنية التحتية المختلفة في البلاد.
وبما أن السودان بلد غني بالموارد المختلفة إلا أن رأس المال فيه ضعيف جداً، وفي الحقيقة إن معظم أهله فقراء لا حول لهم ولا قوة يكابدون شغف العيش، وحتى الفئة التي تمتلك رأس المال فيهم هي فئة ضعيفة إذا ما قورنت بمن حولها من أثرياء العالم، ولذلك لن تستطيع الرأسمالية السودانية الوطنية وحدها ولا الحكومة السودانية في أي وقت من الأوقات النهوض بالبنيّة التحتيّة في أي مجال من المجالات الأساسية من غير أن يصيبها الإعياء والتوقف.
أما ميزانية الحكومّة التي تجمعها بعد جهد جهيد من الرسوم والضرائب فحدث عنها ولا حرج! فميزانية الدولة السودانية في أحسن أحوالها لم تتجاوز بضع مليارات من الدولارات، أذا غطيت بها الرجلين ظهر الرأس وإذا غطي بها الرأس ظهرت الرجلين! وميزانية الدولة منذ الإستقلال لم تكن ميزانية تنمية ونهضة حقيقية، ولكنها كانت وما زالت ميزانية مرتبات ودفاع وشرطة وشيء من التعليم والصحة وأشياء من هذا القبيل. ولهذا أي وزير يعتمد على ميزانية الدولة لينجز ويحقق إختراق في مجاله ومشاريع ضخمة فالفشل سيكون حليفه لا محالة، وهذا ليس رجماً بالغيب ولكنها حسابات واقعية نتيجتها واضحة. فاذا كان وزراء الطاقة في جمهورية السودان الحبيب منذ الإستقلال وحتى 1990 خلفوا لنا (حسب إفادة الباشمهندس مكاوي وزير الطاقة سابقاً) 90 ميقاواط فقط من التوليد الكهربائي، فهل هذه نهضة؟ وهل بعقل أن يحدث توليد 90 ميقاواط نهضة ولو بعد 200 سنة والحاجة للكهرباء تزداد عاما بعد عام؟ لماذا كان التوليد قليلا كل هذه الفترة الطويلة؟ لانه ببساطة إعتمد على ميزانية الدولة في إنشاء محطات وخزانات التوليد الكهربائي!
وعليه، يجب تحوبل التفكير كليا لنظام البوت لتمويل مشاريعنا القومية كلها في كل المجالات. فالنجاح ليس هو تنفيذ المشروع أو التخطيط للمشروع، وأنّما النجاح كل النجاح في إيجاد التمويل الكافي للمشروع المرتقب. فاذا وجد التمويل الكافي فالخيال يمكنه أن يأتي بمليون فكرة ومشروع والخبراء يمكنهم تنفيذها كلها بنجاح تام. إذن العقبة الحقيقة أمام نجاح المشاريع على أي مستوى هو رأس المال، فمن ناله سهلت مهمته.
ونظام البوت يمكن الإستفادة منه في السودان في خمس مجالات أساسية هي الآتي:
1- في التوليد الكهربائي: فلو طلبت الحكومة السودانية من الجكومة الصينية أو التركية تأسيس محطات كهربائية ضخمة تغطي كل السودان وتستوعب التوسع الصناعي والخدمي والتعليمي في كل أرجائه فسيكب السودان لا محالة وستكسب معه حكومة الصين وسيكسب الشعب السوداني وسيرى السودان نهضة حقيقية في محال الزراعة والصناعة.
2- في مجال الصحة: يمكن لنظام البوت أن يعمل في مجال الصحة أيضاً لو رسم السودان خريطة صحية طموحة ومتكاملة تشمل كل التخصصات وتعم كل المدن والقرى والاقاليم. خطة تشمل تأسيس مصانع للأدوية الحديثة والعشبية والمعدات الطبية كذلك.
3- في مجال التعليم الفني والتقني: يمكن للسودان أن يستفيد من نظام “البوت” في تأسيس كمية كبيرة من المدارس الصناعية الثانوية والمعاهد الفنية التي تخرج كمية كبيرة من الفنيين والصناعيين الذين يحتاج لهم البلد في نهضته الإقتصادية. وكذلك يمكن الإستفادة منه في تأسيس جامعات تقنية حديثة عالية الجودة تشارك في تطوير الصناعات وتزيد من كمية الإختراعات السودانية التي تشارك في دفع عجلة العلوم الإنسانية التقنية للأمام فيستفيد السودان ويستفيد العالم لأن الحقيقة القرآنية تقول وما آوتينا من العلم إلا قليلا، فاذن هناك كم هائل من العلوم التي لم تكتشف بعد، وهناك أيضا علوم أكتشفت لكنها تحتاج لتطوير، والإكتشاف والتطوير ليس حكراً للغرب ولا على جنس بعينه ولا دين بعينه ولا منطقة بعينها.
4- في مجال الزراعة: يمكن للسودان متبنياً نظام “البوت” أن يقود ثورة زراعية كبرى تستثمر لأول مرة في التاريخ ملايين الأفدنة الزراعية التي تكفي لكل سكان العالم أو نصفهم على أسوأ تقدير. يمكننا أن نرى إستكمال مشروع زادنا وترعه ومخازنه المبردة، ومشروع الهواد وترعه ومخازنه، ومشروع الجزيرة وترعه ومخازنه ومحالجه. ولا شك أن الثورة الزراعية ستسبقها بالضرورة ثورة في الري وشق الترع واستخراج المياه الجوفية، وكل ذلك يمكن أن يتحقق بنظام البوت وسريعاً جداً لو تحققت وتحررت الإرادة السياسية من التردد والخوف.
5- في مجال النقل الجوي والبري والبحري: أيضاً يمكن لنظام “البوت” أن يحدث وثبة عالية كبرى في مجال الطيران والنقل البحري والنهري وخطوط السكة الحديد والطرق الكبرى.
** إذن يمكننا أن نقوم بنهضة إقتصادية بعيداً عن ميزانية الدولة المحدودة بشراكات ذكية لا ترمنا في ديون جديدة، ولا تزيدها بالفائدة الربوية، ولا ترهن أصولنا الوطنية لأصحاب الديون الدولية، ولا تجعلنا فريسة لأطماع القوي السياسية العالمية الكبرى التي تريد استعباد إرادتنا السياسية وتحجيم دورنا في إتخاذ القرار الذي يهمنا لتنهب هي من بعد ذلك ثرواتنا وتجعلنا خدماً وعبيداً لها في أرضنا، وهكذا الخيل تقلب والفائدة للمستعمر الجديد!!.
اللهم قد بلغت فاللهم أشهد!
