مسألة حق تقرير المصير: في حل قضيَّة جبال النُّوبة والنِّيل الأزرق (2 من 2) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
كلمة الحكم الذاتي “أتونوميا” (Autonomy) أصلها يوناني، ومعناها حكم سياسي لمجموعة من البشر في تجمُّع مدني واحد تُسن قوانينه دون أي تدخل من عناصر خارجيَّة. وقد انتشر هذا المصطلح في اليونان منذ القرن الخامس قبل الميلاد، ثمَّ أصبح بعد ذلك مصطلحاً سياسيَّاً مرادفاً للسُّلطة المستقلَّة والحرَّة. أما تعريف المصطلح اليوم فهو يعني علاقة معيَّنة لجهة سياسيَّة أو اجتماعيَّة تخضع لقوَّة سياسيَّة أو اجتماعيَّة أكثر شموليَّة واتِّساعاً، على أنَّ المجموعات الدِّينيَّة والعرقيَّة، أو المجموعات الثقافيَّة والاقتصاديَّة تحافظ على استقلاليَّة معيَّنة عن السُّلطة المركزيَّة للحكومة.
هناك أسباب كثيرة تدفع بأطراف القوى السِّياسيَّة لإعطاء الحكم الذاتي، ويمكن الاطِّلاع على تلك الأسباب من خلال المعرفة بالسوابق التأريخيَّة له. فهناك قرابة 91 نموذجاً لمناطق الحكم الذاتي في العالم متشكِّلة في 52 دولة، وهذا عدد كبير إذا ما أدركنا أنَّ تعداد دول العالم يزيد عن 150 دولة. ففي بعض الحالات يُعطى الحكم الذاتي لمنطقة معيَّنة عندما تنتقل فيها السِّيادة لدولة أخرى أثناء الحرب، وأقرب مثال لذلك مدينة “مملة” الواقعة على بحر البلطيق. ففي الحرب العالميَّة الأولى انتقلت السِّيادة علنيَّاً من ألمانيا إلى ليتوانيا، ومُنحت هذه المدينة الحكم الذاتي بقرار من الحلفاء.
تتراوح أنواع الحكم الذاتي بين مناطق لها صلاحيات واسعة – بما فيها صلاحيات التشريع – ومناطق لا يتعدَّى فيها الحكم الذاتي الحكم الإداري فقط. وهناك نوع آخر من الحكم الذاتي هو الحكم الذاتي الشخصي – كما أشرنا إليه آنفاً – وهو الذي اقترحته دولة إسرائيل على الفلسطينيين في المناطق المحتلة، وهذا يسري فقط على أشخاص معيَّنين وعلى سكَّان معيَّنين، وهم القاطنون في المنطقة المنفَّذ بها الحكم الذاتي، ومثال هذا النوع من الحكم الذاتي يتمثَّل في الاتِّفاقيات التي تمَّ التوصُّل إليها بعد انتهاء الحرب العالميَّة الأولى، والتي تضَّمنها منح الأقليات التي تعيش في الدول التي نشأت بعد الحرب حكماً ذاتيَّاً شخصيَّاً في المواضيع الداخليَّة المختلفة مثل التَّعليم والدِّين والخدمات الاجتماعيَّة. وتحافظ الدولة المركزيَّة “الأم” التي منحت الحكم الذاتي لمنطقة معيَّنة على صلاحيتها وتأثيرها من خلال الطرق التالية:(4)
هناك عدة أسباب تأريخيَّة وسياسيَّة واقتصاديَّة وثقافيَّة واجتماعيَّة دفعت مواطني المنطقتين إلى المطالبة بحق تقرير المصير، ويمكن اختصار هذه الأسباب في الآتي:
لا مُراء في أنَّ الرَّب قد قسَّم البشريَّة إلى مجموعات إثنية متباينة على سطح البسيطة، وبذلك نجده كان قد غرس بذور الأمم والشُّعوب، ولكن الحكومات هي التي شوَّهت تصميم وهندسة الرَّب. ولعلَّنا نشاهد هذه المجموعات البشريَّة جليَّاً على ضفاف مجاري الأنهار، وفي الجزر، وسهول الصحاري على الواحات، وسفوح سلاسل الجبال، والبقاع الرِّيفيَّة والحضريَّة، ثمَّ في المواقع الجغرافيَّة الأخرى. ولعلَّ بسبب سوء إدارة الأزمات تغيَّرت الخارطة الجيوبوليتيكيَّة في السُّودان العام 2011م بذهاب جزءٍ عزيزٍ من الوطن ألا وهو جنوب السُّودان؛ فإذا لم يتدارك الساسة في الخرطوم المخاطر السِّياسيَّة والأمنيَّة والاجتماعيَّة المحدقة بالبلاد فستبزغ دولٌ أخرى من حطام السُّودان القديم، وذلك لتعبِّر عن أصوات الأحرار الذين انتفضوا في أريافهم وأقاليمهم ضد النُّخب النِّيليَّة “المتخرطمة”.
////////////////////
لا توجد تعليقات
