مسئوليات وسائل الاعلام تجاه الثورة السودانية: جدلية الممارسة المهنية والجهالة الاعلامية .. بقلم: الدكتور أحمد صافي الدين
23 ديسمبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
124 زيارة
لا توجد ثورة من غير وعي. والوعي الناقد يزلزل عروش الطغاة على مدار الازمنة والامكنة. فالثورة حالة ذهنية تتحول لعمليات سيكولوجية نفسية ثم نتتقل اخيرا الى الحراك الميداني بالاقوال والافعال وحينها تنطلق الشرارة. وكما هو معلوم فان كل حرب وكل ثورة ولها كلام. ومن هنا تنبع أهمية وسائل الاعلام والاتصال.مصدر فخرنا معشر اهل السودان، ان الثورة اسهم فيها حتى الرضع قبل ان يكملوا حولهم الاول. فقد جهشت لحفيدة جاري التي ما ان تعلمت ماما وبات، كانت عبارتها الثالثة: تسقط بس. والحديث عن اطفال ما قبل الروضة في الحراك الثوري مدهش هو الآخر. واطفال الرياض بلغوا غاية الابداع في تعبيرهم الثوري. وبناء عليه يمكننا القول بكل ثقة ان ثورة مثل هذه لن تسرق، ولن تضيع، ولن يتم التفريط فيها على الرغم مما يحدث من حراك وعذابات وراءها الدولة العميقة والدولة الموازية، ولكن كما يقولون العبرة بالخواتيم. فسنة الانبياء الابتلاء حتى يبلغ حده، ثم يأتي التمكين. فالثورة منصورة بالسنن الكونية، والثورة ظافرة طالما وراءها الكنداكات والتراهقة، واطفال ما قبل الروضة ومابعدها.
ينبغي ان لا ننسى ان الوعي الثوري وراءه وسائل الاعلام والاتصال. فقد اتاح الفضاء السبراني لهذا الجيل ان يعيش الحدث لحظة بلحظة فالتهبت ثوريتهم وجذوة النضال التي لن تنطفئ ما بقيت عين ترمق.يشير خبراء الإعلام إلى أنًّ من بين المسئوليّات التي تقع على عاتق وسائل الإعلام هي :مسئوليّة وسائل الإعلام على المواطنين، حيث ارتفع الوعي في بعض جوانب الحياة، بينما تشهد جوانب أخرى قصوراً كبيراً.
ومسئوليّة الصًّحفيين نحو مصادر المعلومات، وهي قضية قانونيّة وأخلاقيّة يتوجب الإلتزام بها وعدم انتهاك حرمتها.وحقوق الصّحفيين تجاه المجتمع والحكومات والمؤسسات، فكل حق يمارس يقابله واجب ينبغي إنَّ يؤدي، وبهذه الموازنة تستقيم الأمور.فمن منطلق الرُّؤية النّقديّة لنظرية حارس البوابة(Gate Keeper) في ظل العولمة الإعلامية، فانه يتوجب على العاملين في الحقل الإعلاميّ عدم إقامة علاقات يمكن أن تحدث تأثيراً سالباً على الأداء المهنيّ، من شأنها أن تخل بالموازنة. لا بد من أن نفرق في هذا المقام بين ثلاثة مفاهيم تعبر عن ثلاثة مستويات من الأداء المهني هي: أداء وسائل الإعلام، والأداء العالي لوسائل الإعلام، والأداء العالي جداً لوسائل الإعلام. ولكن عند القاء نظرة فاحصة للأداء المهني، فهو دون هذه المستويات على الرَّاحج. أما بخصوص محدِّدات المهنيّة الاعلاميّة. فإن عمليّة تقييم الأداء المهنيّ يستند الى مؤشرات تشكل حزمة للمهنيّة العالية في مجال الاعلام: فالمحدِّد الأوّل- المهنيّة في قدرة وسائل الإعلام على أن تحافظ على استقلاليتها وأن تعبر عن تعددية حقيقية تعكس احوال المجتمع والواقع. والمحدِّد الثّاني-المهنيّة في الحضور والاستمرار والقدرة على المنافسة ، وتميز الخبرة العملية في الاداء المهني. والمحدِّد الثّالث- المهنية في قدرة وسائل الإعلام على خلق صلات تفاعليّة مستمرة مع الجمهور. و الرَّابع- المهنيّة في قدرة وسائل الإعلام على التّطوير المستمر والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة وتوظيفها في تطوير الأداء. والمحدِّد الخامس-المهنيّة في قدرة وسائل الإعلام على تطوير كفاءة العاملين لديها وضمان استمرار وإدامة فاعليتهم. والمحدِّد السَّادس- المهنيّة في قدرة وسائل الإعلام على التّعبير عن وظفتها الرّقابية والتعبير عن الرَّأي العام والتوازن بين صياغة الرَّأي العام والتعبير عنه. والمحدِّد السَّابع- المهنية في قدرة وسائل الإعلام على أن تعرض أهداف المجتمع وثقافته وقيمه وأن تسهم في التّغيير الاجتماعيّ والثّقافيّ والاقتصاديّ النّافع. والمحدِّد الثّامن-المهنيّة في قدرة وسائل الإعلام على أن تكون منبراً للرَّأي والنَّقد وأن تحافظ على دوها كنافد بنّاء وايجابيّ. والمحدِّد التّاسع- المهنيّة في قدرة وسائل الإعلام على تقديم تغطية شاملة وإحاطة جارية لكل ما يحدث في البيئة الدِّاخليّة والخارجيّة للمجتمع في سياق يعطيها معنى. والمحدِّد العاشر- المهنيّة في قدرة وسائل الإعلام على أن تكون محليّة قادرة على الإشباع الإعلاميّ لمجتمعها وقادرة على تمثل المجتمع وتحفيزه. ولتحقيق ذلك هنالك دور مطلوب من المجالس العلمية والمهنية للصَّحافة لتحقيق قدر عال من الأداء المهنيّ،من خلال تطبيق المعايير والمحددات المهنية، ويتمثل في:التّأكد من صدق الاخبار التي تغطيها وسائل الاعلام. والعمل على تقليل قضايا القذف الموجهة ضدَّ الوسائل. وتدعيم مصداقية وسائل الاعلام. إتاحة ردود فعل الجمهور حيال الوسائل. وإحاطة النّاس علماً بخدمة وسائل الإعلام للمجتمع. و.تدعيم حريّة الصحافة وتحسين أداء وسائل الاعلام. و حماية وسائل الاعلام من الرَّقابة الحكوميّة. ومهما يكن من أمر، فان النظام القديم لم يدخر جهداً ووسعاً في سبيل تدجين وسائل الاعلام، وتضييق الخناق على الصحفيين الشرفاء، فأقدم على هدم ممنهج للاعلام رغم انه سلطة يمكن ان تقوم المعوج للنظام، بأن تقدم له النصح والارشاد، ان هو رغب في ذلك، لكنه ارادها وسائل تابعة ذلولة يمتطى ظهرها ليبلغ مراده. وتتطلب عمليات تحقيق المحددات الاعلامية الوضع في الاعتبار القوانين التي تحكم وسائل الاعلام. فالقانون الأول كما يشير خبراء الاعلام ينص على وجود ارتباط وثيق بين وجود سلطة مطلقة في مجتمع ما، وبين قيام الإعلام في هذا المجتمع بدور الاداة التي تبرر وجود هذه السُّلطة وتدعم شرعيتها وتزود عنها ضد خصومها ومنافسيها وبذلك يتحول إلى دعاية . أما القانون الثّاني: عندما يصبح الاعلام السّائد في مجتمع ما هو إعلام السُّلطة، فلا بد أن يوجد في الوقت ذاته الاعلام المناوئ للسُّلطة القائمة. وهنا يتبدى الصراع بين اعلام الثورة والاعلام المناوئ والقانون الثّالث: عندما تتعدد قوى السلطة في ما، وتستمد هذه القوى وجودها من الإرادة الحرة للمواطنين، لا يعدو الاعلام في يد سلطة واحدة، انما يصير أداة لسلطات متعدِّدة في المجتمع، بحيث لا يقتصر دوره على الدفاع عن السُّلطة الحاكمة، وإنما يمتد دوره ليكون أداة للسُّلطات الاخرى في نفوذها ومراقبة السُّلطة الحاكمة ومحاسبتها. والقانون الرّابع: وجود علاقة وثيقة بين التطور الحديث في تكنولوجيا الاتصال والإعلام وبين نمو الطابع المؤسسي لوسائل الاعلام. وقد افادت تكنولوجيا الاعلام فرصة للناس للاطلاع ومعرفة الاحداث وتحشيد الشباب للشوارع، وكما هو معلوم فان للفضاء الاقتراضي سهم مقدر في قيام ثورات الربيع العربي. لا جدال ان هنالك علاقة وثيقة بين نمو الشؤون السياسي في المجتمع الديمقوقراطيّ وبي تزايد استقلال وسائل الاعلام عن السُّلطة، وأن الارتباط بين كل من الطابع المؤسسيّ والمستقل لوسائل الاعلام يؤدي الى تحول الاعلام الى سلطة مستقلة قائمة بذاتها بين سلطات المجتمع الديموقراطيّ الحديث. وبخصوص النّظريّة العامّة التي تحكم العلاقة بين الإعلام والسُّلطة، فهي تشير الى أن النظام الاعلامي في مجتمع ما ليس سوى تعبير عن النظام السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصادي السائد في هذا المجتمع. وهنا لا بد من تثوير الخطاب الاعلامي ليتماشى مع التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفق رؤية موضوعية بعيداً عن الادلجة السياسية، اعلاء للمبادئ المهنية خدمة للوطن وأهله. والسؤال هو متى يفيق الاعلام الحكومي ويعود من غربته ويتم فك اسره؟ والاجابة نريدها من المهنيين الاعلاميين ذوي الضمائر الحية والمبادئ الراسخة التي تستعصي على المساومة في قضايا الوطن. فالمرتزقة باقلامهم هم اعداء الثورة والوطن. فبجهالتهم وعقم عقولهم، وسقم طباعهم يريدون للسودان ان يظل اسيراً لحكمهم ولكن هيهات. ولولا ان الجهالة امها ولود لدخلوا جحور الضب وشاركوه نتن بيته. وهذا المعنى صوره ابو تمام بقوله:
أَبَا جَعْفَرٍ إنَّ الجَهالَة َ أُمُّها … وَلُودٌ وأُمُّ العِلْمِ جَدَّاءُ حائِلُ
ahmedsafidin@yahoo.com