الخرطوم – ابريل 2021
المقدمة:
إنطلقت التحضيرات لاعمال مؤتمر الحكم في السودان في الاسبوع الاخير من شهر إبريل 2021، و إبتدرت التحضيرات للمؤتمر بالاعلان عن مناقشة أوراق فنية، لم تشتمل على أي أوراق عن ضمان الممارسة الديمقراطية، و توسيع نطاق المشاركة السياسية بصورة عامة، و خاصة المشاركة السياسية للمرأة السودانية في مستوى الحكم المحلي، مما يعد نقص واضح في برامج الورشة التحضيرية، و إتمنى ان يتم ادراك ذلك في التحضيرات اللآحقة.
إن المشاركة السياسية في الحكم للمرأة السودانية، من الموضوعات المهمة للغاية في مسار التحول الديمقراطي الماثل في السودان، لكونها تجعل مسألة التحول الديمقراطي مسألة شاملة، و متجذرة في كل سياسات و تشريعات و مؤسسات الحكم في السودان. إن ضمان مشاركة المرأة بصورة منصفة كان من ضمن أهم الاحكام التي نصت عليها الوثيقة الدستورية، بجانب الالتزامات الدولية التي تواثقت فيها حكومة السودان. لذا من المهم مواصلة النقاش الموضوعي في موضوع تعزيز المشاركة السياسية للمرأة في مستوى الحكم المحلي، و إستغلال فرصة إنعقاد مؤتمر الحكم لجعله منصة لمناقشة هذه المسألة الهامة.
منذ إستقلاله، ظل السودان يفتقر الى سياسات و تشريعات واضحة في مسألة إدماج المرأة في مستوى الحكم المحلي، بل ظلت القوانين التي تحكم هذا المستوى من الحكم ضعيفة جداً في تكريس الممارسة الديمقراطية. و تكتسب مسألة تنظيم الحكم المحلي لكونه يتصل بموضوعات تعزيز الديمقراطية فيه، من خلال ضمان المشاركة العادلة للمرأة السودانية، و لكون مستوى الحكم المحلي ينتشر في كل أنحاء السودان، و يتعاطى مع المجموعات السكانية الاقل نمواً داخل السودان و الاكثر تهميشاً.
خلفية مختصرة حول الحكم المحلي:
إعتمد السودان النظام الفيدرالي في دستوره لعام 1998، بعد وضعت لبناته الأولى بموجب المراسيم الدستورية بالارقام 13 و 14 بعد إنقلاب الرئيس السابق عمر البشير على الحكومة المنتخبة في 30 يونيو 1989. إلا ان نظام الحكم المحلي بوصفه أحد انماط اللامركزية الإدارية، فقد وجد تاريخه في وقت سابق من استقلال السودان. و يقصد بالحكم المحلي المستوى القاعدي من الحكم الذي يعمل مباشرة مع المجتمع المحلي في الريف و الأحياء و القرى والبوادي و المدن وأينما كان الأنسان موجوداً داخل خارطة الوطن. فالحكم المحلي هو المستوى الادنى في الحكم اللامركزي.
تكتسب طريقة الحكم المحلي أهمية قصوى للسودان في هذه المرحلة من تاريخه، فمن ناحية هي تعني الاهتمام بإشراك المواطنين في الادارة و كذلك تساعد على التنمية الريفية، فأبرزما يرمي إليه نظام الحكم المحلي تلبية الحاجة للخدمة المباشرة (صحة.. تعليم.. مياه .. الخ) وفق ما يراه الأهالي في المجتمع المحلي المعني، وبالتالي تكتمل عملية المشاركة، والتي هي بلا شك إحدى أهم المرتكزات في العملية التنموية. و يعد نظام الحكم المحلي هو الأنجع والأمثل لإدارة الحكم في المستويات القاعدية في بلد شاسع مترامي الأطراف متنوع الثقافات و متعدد القبائل.
والحكم المحلي في السودان له تاريخه القديم والذي يعود الى عام 1949م حيث قامت خمسة مجالس بلدية 10، و عشرة مجالس مدنية، وستة و عشرون مجلس ريفي، وجاء بعد ذلك انشاء وتأسيس مصلحة الحكم المحلي عام 1950م على ضوء توصيات الدكتور مارشال وتقريره الذي اعده عن الحكم المحلي في السودان عام 1948م، وكان من ضمن صلاحيات الحكم المحلي الاشراف القانوني علي المحاكم الاهلية ومحاكم السلاطين، وهذا يعني ان الحكم المحلي في السودان كان لصيق الصلة بالادارة الاهلية، وبخلاف الضباط الاداريين فان اعضاء المجالس التي ذكرتها يأتون عن طريق الانتداب المباشر وهذه الحالة نجدها بارزة في المجالس البلدية وبالتعيين بالنسبة لمجالس المدن والمجالس الريفية، ومعظم هؤلاء من الشخصيات الاجتماعية الهامة او من النظار والعمد والسلاطين وشيوخ الخط وهنا تظهر علاقة الحكم المحلي بالادارة الاهلية.
الشخصية المحورية في العملية الإدارية ، في ظل الحكم المحلي، كانت تسمى نهاية خمسينات القرن السابق “المأمور”، وكان ينتشر في كافة المستويات في السودان. وتبدل الأسم الى أن إستقر في “الضابط الإداري” ثم كان قانون الحكم المحلي في 1961م وطور في 1971، وهكذا صار الأمر حتى 1981. و قد قامت ثورة 25 مايو بالغاء دور الادارة الاهلية وجاء في محلها «الضابط السيار» احدى أفكار الدكتور جعفر محمد علي بخيت .
و على الرغم من وجود المرأة في الفضاء العام، بنسب متباينة بحسب طبيعة المجال الذي تنخرط فيه، إلا انه من الملاحظ غياب الفلسفة و السياسات الرسمية لادماج المرأة في مستويات الحكم الفيدرالي بصورة ممنهجة تتسق مع (حقوق المواطنة) و (المساواة)، و كذلك بالقدر الذي يؤسس (للتشاركية) في إجراءات التنمية المستدامة في السودان. إن غياب تلك الفلسفة، قد اسهم بصورة واضحة في قصور الإستراتيجيات الوطنية في بلوغ غاياتها.
المرأة في نظام الحكم المحلي:
لا يكتمل التحول الديمقراطي في السودان، بدون التخطيط الدقيق لعملية إدماج المرأة في مستويات الحكم بصورة منصفة.
من المهم وضع إطار قانوني لتعزيز دور المرأة السودانية في الاعمال المهمة التي تقوم بها في الريف، في المجالين الاقتصادي و الاجتماعي، و تأسيس قواعد تشريعية جديدة بصورة مبدعة، تضمن إشراك المرأة في الحكم المحلي. بدون إشراك المرأة في مستويات الحكم المحلي، بصورة تتساوى مع مجهوداتها في المجالين الاقتصادي و الاجتماعي، سيسهم في جعل حقوق المرأة مهدرة، و لا تتفق مع مبادئ المواطنة التي تفترض – ضمن أمور عديدة – المساواة في الحقوق و الواجبات. و عملت اتفاقية جوبا لللسلام على ضمان توزيع الثروة و السلطة بين الاطراف الموقعة للاتفاقية و على اساس اقليمي، إلا ان الاتفاقية و ان ارادت مخاطبة جذور النزاع المسلح بذلك التقسيم، إلا إنها أغفلت بصورة واضحة مقتضيات السلام الاجتماعي حين فشلت في وضع اسس لضمان حقوق النساء في التوزيع العادل للموارد الاقتصادية ، وهو ليس حقًا فحسب ، بل إنه يسرع التنمية في مجالات متعددة، كذلك يجب أن يكون هناك توازن عادل للمسؤولية بين الرجل والمرأة، بما في ذلك عن أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر.
على الرغم من الوثيقة الدستورية – و لاحقاً اتفاقية جوبا للسلام، قد اقرت مبدأ المساواة و التمييز الايجابي للنساء في شأن المشاركة في الحكم. و في حين أن المزيد من النساء قد شغلن مناصب سياسية في السنوات الأخيرة، بما في ذلك من خلال استخدام الكوتة، إلا أنهن ما زلن يشغلن نسبة ضئيلة من المقاعد في مؤسسات الحكم و الادارة على مستويات المحليات، في مناصب الإدارة العليا والمتوسطة.
تاريخ النساء في انظمة الادارة المحلية:
في التنظيم الاداري للقبيلة، لا توجد سلطة للنساء في تركيبة الإدارة الأهلية، و حتى وضعها كعنصر فاعل في العملية الانتاجية لم يعطهن مكانة في عملية إتخاذ القرارات أو مكانة سياسية داخل المنظومة الادارية على المستوى المحلي. ففي قبيلة الفورمثلا، بوصفها من اكبر قبائل السودان، يوجد من بين النساء من يطلق عليهن لقب(ميرم) وجمعها (ميارم (وهذه تعني إنها إمراة محترمة لها وزن في المجتمع أو ممكن مشاورتها. إلا ان التاريخ لم يؤشر بصورة واضحة إن (الميارم) يتمثلن في السلطة الحاكمة (الإدارة الاهلية ) أو النظام القبلي أو إنهن يحظين بمكانة سياسية أو لهن نفوذ حاسم في مسألة السلطة وتقسيم الموارد. فالمرأة في تلك القبيلة لها طاقات هائلة، فهي تقوم بادوار مهمة في العملية الانتاجية من خلال مشاركتها في جميع العمليات الزراعية و ترتيب الأرض ,حرثها وفلاحتها وحتى حصادها.
يتطلب نظام الحكم المحلي في السودان، الخضوع لإجراءات تقويمية تصدر في شكل تشريعات تسهم بشكل فعال في النهوض التنموي على كافة مستوياته، البشري و الأقتصادي و السياسي. و نظام الحكم المحلي و باعتباره أكثر صور اللامركزية الإقليمية شفافية وقدرة على حل المشكلات التنموية في الوحدات الإدارية، فانه يستلزم ربطه . و قد اشارت الوثيقة الدستورية لاعتماد النظام الفيدرالي في الحكم، بصورته التي اقرها دستور 2005 الملغي، الذي كان قد اقر الحكم المحلي كمستوى ثالث للحكم، إلا ان كل من االاهداف القومية، و بالممارسة الديمقراطية الرشيدة. إن الدستور الملغي و الوثيقة الدستورية الحالية، لم يقدما نصوصا هادية لتطبيق نظام الحكم الفيدرالي بما يستوعب مشاركة المرأة الفعالة في مستويات الحكم المحلي.
لمراجعة التشريعات و السياسات الخاصة بدور المرأة في الحكم المحلي، من المهم إدراك خطة وطنية فاعلة، لجعل نظام الحكم المحلي، ديمقراطي و شعبي في المقام الاول، و قادر و فعال و مؤثر في إنتاج الاهداف الوطنية التي من أجلها تم تأسيس نظام الحكم المحلي. فيما يلي بعض المقترحات التي من شأنها أن تساعد في تحقيق تفكير موضوعي لتأسيس نظام الحكم المحلي وفق مقتضيات التحول الديمقراطي في السودان، و كذلك تحقيق السلام الشامل و التنمية المستدامة و العدالة الاجتماعية:
تعزيز التشاركية في الحكم المحلي:
إن الديمقراطية هي العمود الفقري لتحقيق الرضا و التوافق، و ضمان تحقيق المشاركة الشعبية في الحكم المحلي، و في هذا الاطار من المهم تأسيس نظام إنتخابي فعال يضمن مشاركة المرأة في إدارة الانتخابات أولاً ، و ضمان وجودها المنصف و الفعال في مؤسسات الحكم المحلي، التشريعية و التنفيذية.
و في إطار بناء المؤسسات الديمقراطية، من الضروري بمكان ترسيخ مبدأ الرقابة المتبادلة (check and balance) ، بحيث يقوم المواطنين و تقوم مؤسسات الدولة بمراقبة بعضها البعض، و تطبيق مبادئ الحكم الراشد، بالقدر الذي يجعل مبدأ سيادة حكم القانون هو الحامي للدولة من العابثين و المفسدين، و ان يتمكن المجتمع المدني من الاستمتاع بحرية التعبير و التنظيم و التجمع السلمي، و أن يستفيد في أنشطته من مبدأ(حرية الوصول للمعلومات) ليتحقق له مراقبة مستويات الحكم بصورة فعالة. و لان المستويات المحلية في السودان تعاني من ضعف شديد في الكوادر و ضعف في القدرات و المهارات الادارية، فإن الاصلاحات في نظام الحكم المحلي يجب ان تنتبه الى ضرورة تهيئة البيئة التشريعية و المؤسسية بحيث تجد المرأة السودانية فرصتها بما يضمن حصولها على حقوقها السياسية، و تستفيد الادارات المحلية من الخبرات التي تتوفر لها من خلال ادراج المرأة في مستوى الحكم المحلي.
إن مبدا شعبية الحكم المحلي، و تعزيز منهج التشاركية في الحكم المحلي هو المدخل الصحيح لنجاح تجربة الحكم المحلي. و من الصعب ضمان تحقيق ذلك بدون وضع إستراتيجية لجعل تلك المبادئ أكثر شمولية، و ان تتفادى اقصاء فئة مجتمعية مهمة، و ذات اسهام واضح في المستويين التنموي و الاجتماعي ، ألا وهي فئة النساء في المجتمعات المحلية. و جعل الحكم المحلي موسوماً بصفته الشعبية، يضمن فاعليته و يؤسس لمبدأ الرقابة الشعبية و الشفافية، و بالتالي يضمن جودة الأداء، و يتأتى ذلك بقيام مؤسسات حكم محلي تتفاعل معها المواطنين في السودان وتتولى الدفاع عنها منظمات شعبية تطوعية مدعومة من الحكومة المركزية وتحت مظلته ورعايته وحمايته.
من الواضح إن أي مقترحات لاجراء إصلاحات تشريعية، تستلزم إعتماد مبادئ دستورية، مستلهمة من القيم الحقوقية التي اقرها السودان من خلال مصادقتها لمجموعة المعاهدات و المواثيق الدولية، و التي من بينها العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية، الذي يؤسس لمبدأ المشاركة السياسية و حقوق المواطنة و المساواة، في إطار التأسيس للحكم الديمقراطي. و من ذلك الاطار الدستور و الحقوقي، يستلزم ضرورة مراجع أحكام القوانين و اللوائح و النظم، المنظمة للحكم المحلي، من منظور المساواة في الحقوق و الواجبات و المواطنة.
الهدف الخامس من اهداف التنمية المستدامة:
تعد مساواة المرأة وتمكينها أحد أهداف الامم المتحدة في التنمية المستدامة السبعة عشر ، ولكنها أيضًا جزء لا يتجزأ من جميع أبعاد التنمية الشاملة والمستدامة. باختصار ، تعتمد جميع أهداف التنمية المستدامة على تحقيق الهدف الخامس. و لبلوغ أهداف التنمية في نهاية العقد الثاني لهذه الالفية، في عام 2030، من المهم تجذير المساواة بين الجنسين، الامر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة للقضاء على العديد من الأسباب الجذرية للتمييز التي لا تزال تقيد حقوق المرأة في المجالين الخاص والعام. و من ضمن ذلك على سبيل المثال ، يجب اجراء اصلاحات تشريعية عاجلة، و إعتماد تشريعات لتحقيق المساواة بين الجنسين في القوانين الحاكمة لنظام الحكم في السودان.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم