علاء خيراوي
■ ثمة مفارقة سياسية وأخلاقية صارخة تكشف مقدار التناقض في السياسة الإقليمية المصرية، وتطرح سؤالاً مشروعاً حول المعايير التي تحكم موقف القاهرة من سيادة الدول وحرمة دماء مواطنيها. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الاتهامات الموجهة إلى القوات المصرية بشأن الغارات الجوية التي استهدفت مواقع تعدين الذهب قرب الحدود السودانية، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى، وسط شهادات لناجين ترفع العدد إلى أكثر من مائتي ضحية، خرج عبد الفتاح السيسي ليعلن استعداد مصر لاتخاذ كل ما يلزم للدفاع عن أمن المملكة العربية السعودية وسيادتها في مواجهة الهجمات الحوثية، بل ودعا البرلمان المصري إلى تفويضه بإرسال قوات عسكرية خارج الحدود إذا طلبت الرياض ذلك. ولسنا هنا بصدد إنكار حق السعودية في حماية أراضيها ومواطنيها من الاعتداءات، ولا التقليل من خطورة الهجمات التي تتعرض لها، وإنما بصدد مساءلة دولة تتحدث بلسان المدافع عن السيادة حين يتعلق الأمر بحليف خليجي، بينما تواجه اتهامات خطيرة بانتهاك السيادة السودانية واستهداف مواطنين سودانيين عزل خرجوا إلى الصحراء بحثاً عن لقمة العيش. وإذا كانت التقارير الأولية بشأن تلك الغارات لا تزال تحتاج إلى تحقيق مستقل يحسم المسؤوليات والحصيلة النهائية للضحايا، فإن ما ورد من تقارير عن وقوع الهجمات وسقوط المدنيين يكفي للمطالبة بكشف الحقيقة والمحاسبة، لا بالصمت أو التبرير. فبأي منطق تصبح حدود السعودية وأمنها قضية تستدعي استنفار مجلس الدفاع الوطني والبرلمان المصري، بينما لا تحظى أرواح السودانيين الذين سقطوا قرب الحدود بالاهتمام السياسي والأخلاقي نفسه؟ وأي مفهوم للسيادة هذا الذي يجعلها التزاماً مقدساً تجاه الحلفاء، بينما تصبح محل نزاع وتأويل حين يتعلق الأمر بالسودان؟ إن السيادة ليست امتيازاً تمنحه بعض الدول لحلفائها، ولا مبدأً قابلاً للتجزئة وفق المصالح الاقتصادية والتحالفات العسكرية؛ إنها حق أصيل ومتساوٍ لجميع الدول، ولا يجوز أن تكون كرامة المواطن السوداني وحرمة دمه أقل قيمة من كرامة أي مواطن آخر. ففي السابع عشر من أكتوبر ٢٠٢٦، أعلن السيسي استعداد بلاده للدفاع عن السعودية، وتبع ذلك اجتماع مجلس الدفاع الوطني الذي أكد تقديم كل أشكال الدعم اللازمة والممكنة لحماية أمن المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها. ولم يتوقف الأمر عند التصريحات؛ فبحسب التقارير المنشورة، عقد مجلس النواب المصري، يوم الأحد الثامن عشر من أكتوبر، جلسة سرية استمرت قرابة ثلاث ساعات لمناقشة تفويض السيسي بإرسال قوات في مهمة قتالية خارج الحدود، غير أن الجلسة انتهت بتأجيل التصويت لاستكمال المناقشات يومي الاثنين والثلاثاء، بعدما طالب عدد من النواب بتوضيحات بشأن طبيعة المهمة العسكرية وحدودها، وأبدى نواب من حزب الوفد والحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي تحفظات على التصويت قبل الاطلاع على التفاصيل. ولا يعني تأجيل التصويت رفض التفويض، لكنه يثير أسئلة حول حدود الانخراط العسكري المحتمل، وحجم القوات التي قد تشارك فيه، وطبيعة المهام التي ستُكلف بها.
■ وليس خافياً أن مصر تنظر إلى السودان باعتباره جزءاً أساسياً من مجالها الأمني والاستراتيجي، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه النظرة إلى ممارسات تنتقص من استقلال القرار السوداني أو تتجاوز حساسية السودانيين الوطنية. وما يثير القلق أن السودان، الذي أنهكته الحرب منذ أبريل ٢٠٢٣، لا يمتلك اليوم حكومة مدنية مستقلة قادرة على إدارة علاقاته الخارجية وفق إرادة شعبه ومصالحه، بينما تتصرف القوى الإقليمية انطلاقاً من حساباتها الخاصة، وتتداخل مصالحها مع مصالح الأطراف المتحاربة. فإن القضية لا تتعلق بحق مصر في الدفاع عن السعودية، بقدر ما تتعلق بحق السودان في أن يحظى من القاهرة بالاحترام نفسه الذي تعلنه تجاه أمن المملكة وسيادتها. فليس من المقبول أخلاقياً أو سياسياً أن تتحول السيادة إلى مبدأ انتقائي، يُرفع شعاراً عند حماية الحلفاء ويغيب عند مساءلة السياسات المتبعة تجاه الجيران. وليس من المقبول أن تُستنفر مؤسسات الدولة المصرية لمواجهة تهديدات الحوثيين، بينما تظل الاتهامات المتعلقة بمقتل مدنيين سودانيين قرب الحدود دون تحقيق مستقل وشفاف يحدد المسؤوليات. وإذا كان السيسي يريد أن يثبت أن مصر قوة إقليمية مسؤولة، فإن المسؤولية لا تبدأ بإرسال الجيوش إلى خارج الحدود، وإنما تبدأ باحترام القانون والسيادة وحرمة الدم الإنساني، وبإظهار الاستعداد نفسه للمحاسبة عندما تُوجَّه اتهامات خطيرة إلى مؤسسات الدولة المصرية. وعلى القاهرة أن تدرك أن سيادة السودان ليست أقل حرمة من سيادة السعودية، وأن كرامة السودانيين ليست أقل قيمة من كرامة غيرهم. فالسودان ليس حديقة خلفية لمصر، ولا أرضاً مستباحة لحسابات أمنها القومي، ولا شعباً يمكن أن تُنتهك حقوقه ثم يُطلب منه الصمت باسم الأخوة والجوار. وليت الذين يتصرفون اليوم بمنطق القوة يتذكرون أن التاريخ لم يمنح دولةً تفوقاً أبدياً على جيرانها، وأن الأيام دُوَل، وموازين القوة تتبدل، وأن ما تفرضه القوة اليوم قد تعجز عن حمايته غداً. فحقوق الشعوب لا تموت، وذاكرتها لا تنسى، ودماء الأبرياء لا تسقط من سجل المسؤولية مهما تقادم الزمن. وما من قوة دامت لأصحابها، ولا مظلمة اختفت لمجرد أن أصحابها أُجبروا على الصمت. وسيأتي يوم تُفتح فيه دفاتر التاريخ، ويُسأل فيه كل من اعتدى، وكل من تواطأ، وكل من صمت وهو قادر على حماية شعبه. فالأيام دُوَل، والعدل لا يفقد قيمته حين يتأخر، والتاريخ لا يمنح حصانة أبدية لأحد.
