بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي
لا ينكر الدور التاريخي لمصر في عبور التعليم الحديث إلى بلادنا إلا مكابر؛ فقد كانت مصر وما زالت إحدى البوابات الرئيسية التي عبر منها التعليم الحديث إلى السودان ومثّلت على الدوام مركزاً مهماً لتعليم أجيال من السودانيين،داخل أراضيها وفي السودان نفسه.
فمنذ القرن التاسع عشر لعبت مصر دوراً بارزاً في إدخال نمط التعليم النظامي الحديث إلى السودان، وتأثر نظام التعليم السوداني بالخبرات المصرية، واستفاد كثيرا من المناهج والمعلمين المصريين الذين أسهموا في بناء أجيال من أبناء السودان.
وكانت مصر من أهم وجهات التعليم العالي للسودانيين، خصوصاً بعد إنشاء (الجامعة المصرية) التي أصبحت لاحقاً جامعة القاهرة، حيث درس فيها عدد كبير من السودانيين في مختلف التخصصات؛من القانون والطب والهندسة والآداب وغيرها.
كما عمل عدد من المعلمين المصريين في المدارس السودانية، وكان لهم حضور واضح في المدارس الثانوية التي انتشرت في مدن السودان المختلفة، حيث نقلوا العلم والمعرفة، وأسهموا في تشكيل وجدان أجيال من الطلاب.وقبل ذلك ظل الأزهر الشريف محطة مهمة لطلاب سودانيين قصدوه لطلب العلم الشرعي واللغة العربية،وخرج منه علماء كان لهم أثر كبير في الحياة الدينية والثقافية في السودان.
ثم واصلت الجامعات المصرية المختلفة في فتح أبوابها أمام الطلاب السودانيين،وقدمت لهم فرصاً ومنحاً في مختلف التخصصات.وكان افتتاح جامعة القاهرة بالخرطوم امتداداً طبيعياً لهذا التواصل العلمي والثقافي بين البلدين.
وكان لمصر وجود تعليمي ملموس في السودان من خلال البعثات التعليمية والمدارس المصرية في عدد من المدن مثل الخرطوم ومدني وعطبرة، ولم تكن المدارس الثانوية السودانية تخلو في فترات كثيرة من أساتذة مصريين قاموا بتدريس العلوم والرياضيات وغيرها من المواد، وتركوا أثراً طيباً في نفوس الطلاب.
وفي ذاكرتي بمدرسة مدني الثانوية بنين، تظل جمعية العلوم التي أسسها أستاذ العلوم الشهير عادل رزق مثالاً لذلك الدور. فقد كان له فضل كبير في تنمية حب المعرفة والبحث العلمي لدى الطلاب. ومن الذكريات التي لا تُنسى الرحلة المدرسية إلى جمهورية مصر العربية، التي أتاحت لنا زيارة مدنها ومعالمها، والوقوف على آثار حضارتها وتاريخها.
ومن المواقف التي بقيت في الذاكرة زيارة خط بارليف، ومشاهدة عظمة الجندي المصري في عبور هذا الخط خلال حرب أكتوبر، وكذلك التعرف على الدور الذي قام به الجنود السودانيون الذين شاركوا في تلك الحرب.
وعندما اندلعت الحرب في بلادنا، فتحت مصر كعادتها أبوابها للسودانيين الذين قصدوا أرضها، ثقةً في حكومتها وإنسانها، وإيماناً بأنها وطن ثانٍ ظل حريصاً على الروابط التي تجمع الشعبين. وظل نهر النيل وريدهم وشريانهم، يجمعهم بتاريخ ومصير مشترك.
واليوم تواصل مصر دورها الطليعي والتاريخي في توفير فرص التعليم للطلاب السودانيين في مختلف المراحل، وسمحت لهم بأداء امتحانات الشهادة السودانية على أراضيها. وكثير من هؤلاء الطلاب يحملون كروتاً صفراء منحت لهم عبر المفوضية، ويرغبون في مواصلة تعليمهم داخل مصر دون مغادرتها وتحمل مشقة السفر والترحال.
إن الأمل معقود في أن تستمر هذه العلاقة التعليمية والإنسانية،وأن تصدر القرارات التي تسهّل على هؤلاء الطلاب مواصلة مسيرتهم الدراسية في مصر،التي ظلت عبر التاريخ سنداً للإنسان السوداني في مختلف الحقب والأزمان.
فالعلاقة بين مصر والسودان ليست مجرد حدود وجغرافيا، بل هي ذاكرة مشتركة،ونهر واحد، ومستقبل يتطلع إلى مزيد من العلم والتعاون والمحبة.
aminoo.1961@gmail.com
