هل سيفصل الجنوب أم سينفصل؟ (6) … بقلم: أمين زكريا اسماعيل/ امريكا

 


 

 


amindabo@hotmail.com

سابع عشر:

       إن استمرار تكرار الاخطاء التاريخية لمعظم ما يسمى بالنخب الشمالية التى حكمت السودان من قبل استقلاله و حتى الان فى التعامل مع الهامش  بعقلية الاقصاء الاثنى و الدينى امنيا و اقتصاديا و سياسيا و ثقافيا و اساليب الغش و نقض العهود، ستظل عواملا فى امتداد الازمة واعادة انتاجها، و نشر و بث ثقافة الكراهية مما يؤدى الى تفتيت و تقسيم و صوملة السودان و دخولة فى دوامة حرب و صراع مستمر. فعقلية الخداع التاريخى الذى مارسه كثير من مترددى السلطة المركزية من الشماليين ضد الجنوبيين وابناء دارفور و كردفان و جبال النوبة و النيل الازرق  و شرق السودان و النوبيين و غيرهم من مهمشى السودان، ما زال بعض اصحاب العقلية المركزية  يعتقدون انه بالامكان تكرارها ، متناسيين عوامل التاريخ  و الجغرافية و السياسة والاقتصاد و الثقافة و التعليم و تنوع و تطور الاجيال و الهجرات و الاحتكاك بمجتمعات اخرى و اكتسابهم لخبرات و مهارات فى شتى ضروب الحياة، و التى شكلت واقعا ديناميكيا جديدا متميزا بدرجة كبيرة، و وعيا سياسا و ثوريا يستيطيع عبره عزل المعاد انتاجهم مركزيا و الثورة ضد الظلم و النضال من اجل استرداد الحقوق المسلوبة مهما طال الزمن ام قصر. فمثلا  العزف على الوحدة الجاذبة فى الزمن الضائع لن تنطلى على الجنوبيين وفقا لمؤشرات قياس الرأى العام التى حددت اتجاههم، كما ان ايقاف صحيفة الانتباهة (المستسناه من الرقابة القبلية التى فرضت على الصحف طيلة السنين السابقة) فى هذا الزمن بعد ان حولت الكثير من وحدويو الجنوب و الشمال لانفصاليين من خلال تقديم الاساءات و التحريض على الانفصال و الوعيد للجنوبيين فى الشمال فى حال الانفصال او عدمه، و إلهاب صاحبها الطيب مصطفى اعلاميا لنيران الحرب و الصراع فى جنوب السودان و الشمال ..الخ لمدة اربعة سنوات متدثرا بخؤولته للرئيس، فهذا الاجراء حتى و لو كان صحيحا لن يقنع معظم الجنوبيين بالوحدة، فالطيب مصطفى فى نظر الجنوبيين هو منفذ باسلوب اخر لسياسة المؤتمر الوطنى من خلال نظرية توزيع الادوار الممرحلة وفقا للخطة أ للمؤتمر الوطنى الرامية الى افشال الاتفاقية و تحويلها الى شكل اتفاقية الخرطوم للسلام عبر العديد من الممارسات التى اشرنا اليها فى مقالات سابقة منها الهجوم الشرس و التشويه المفبرك اعلاميا  للقيادات العليا للحركة الشعبية ابتداءا من رئيسها، و التى فشلت، فالطيب مصطفى الذى كان  مديرا عاما للهيئة القومية للاذاعة و التلفزيون التى كان المنوط بها الدفع با لسلام و تحقيق التنوع القومى الثقافى و الدينى منذ قبل التوقيع على اتفاقية السلام ...الخ كان مؤججا من حينها لروح الكراهية و الاقصاء الذى انعكس فى شكل البرامج التى تقدم فى جهازى الاذاعة و التلفزيون التى يعلمها الجميع و التى تصل الى اغلبية سكان السودان و خاصة شماله،  فالخلل الكبير الذى احدثه الطيب مصطفى فى وحدة السودان لم يصيب الجنوبيين وحدهم بل بقية الهامش السودانى لان اسباب نضالهم لا تختلف عن جنوب السودان. لذلك حينما يقارن المرأ بين محاربة و تقديم صحفيى الرأى و النقد لمحاكم امن الدولة كما حدث للحاج وراق و فائز السليك و قمر دلمان وقبلهم لبنى و اعتقال و تعذيب والحكم على ابو ذر الامين و زملائه و شباب قرفنا لا لشئ الا انهم يحاولون تنبيهه الدولة و مؤسساتها بمخاطر عدم التطبيق الامثل لاتفاقية السلام و تحقيق الحريات و التحول الديمقراطى و الشفافيه و بناء السلام و الوحدة باسس جديده، و يترك الحبل للطيب مصطفى و منبره الهدام طيلة هذه الفترة لها من الدلالات و المؤشرات الاخرى التى تقبل كل انواع التفسير، و الا كيف لا تصل مساءلة شخص او مجموعة مدمرة لوحدة السودان و بكراهية لمحاكم و نيابات امن الدولة كما يفعل باخرين فى مسائل لا تساوى واحد من مليون مقابل تدمير وحدة وطن، اضف الى ذلك الاساءة المشينة الى الرؤساء تعنى ان عقلية الطيب مصطفى لن تتعلم من متغيرات الحياة السياسية و السلام و الاخفاقات الكبيرة للانقاذ منذ سنينها الاولى بالاساءة الى رؤساء مصر بوصف رئيسها بفرعون مصر بل محاولة اغتياله باديس ابابا و نعت ملك السعودية حينها بفهد الاعور و المروض عبر لعلعات المقدم يونس محمود وتغريدات صبية الحور العين و عرس الشهيد و السب لامريكا و روسيا اللتان دنى عذابهما و تخريفات الكهل قيقم و النكرة شنان،  و اليوم يكررها الطيب مصطفى بوصف الرئيس القذافى بفرعون ليبيا و لم ينجو ادريس دبى من قبله من تلك الاساءات و القائمة تطول.

 ايضا نجد ان  تفسيرات وصف المشورة الشعبية لجنوب كردفان و النيل الازرق التى يرددها المؤتمر الوطنى بصورة منافية للتفسير العلمى للمشورة الشعبية و واقع اتفاقية السلام لبرتكولى جنوب كردفان و النيل الازرق ستخلق جنوبا جديدا، و قد تدول القضية اذا لم يتم التعامل معها واقعيا فى اطار سودانى وقد  ترفع الى محكمة العدل الدولية كما حدث فى ملف ابيي التى يتماطل المؤتمر الوطنى فى تشكيل مفوضيتها حتى الان، و  سيكون تقرير مصير العديد من مناطق السودان عاجلا ام اجلا اذا لم تتغير تلك العقلية

 واقعيا، كما ان استمراية التعامل مع ملف دارفور باطر جزئية ستفضى الى ابوجا 2، و 3 و قد تقود الى تراجع حركات دارفور عن الحلول فى اطار السودان الموحد وفقا لمماطلة وسياسة البيع و الشراء واستمرار قصف المدن و القرى و خرق وقف إطلاق النار و عدم الالتزام بحظر الطيران الحربى و سياسات القتل والاعتقال و التشريد و الافقار و الابدال السكانى و كسب الوقت التى ينتهجها المؤتمر الوطنى فى حل قضية دارفور العادلة، مما يضطر حركات دارفور  المطالبة بدولة مستقلة، و هو ما ينطبق على الشرق و مناطق اخرى من السودان. فيجب ان يتعلم المؤتمر الوطنى من اخطائه و اخطاء الاخرين الذين سبقوه فى حكم السودان بتحكيم صوت العقل و تقديم تنازلات كبيرة للمحافظة على ما تبقى من السودان، و العيش فى جوار سلمى و تبادل مشترك للمصالح مع دولة الجنوب المرتقبة فى يناير 2011م.

 فالمؤتمر الوطنى يعتقد انه وصى على السودان كما يرى انه الادرى بمصالح الاقاليم المختلفة اكثر من ابناءها معتبرا حتى الذين  معه داخل التنظيم كمبارسا ارزقجيا تكمم افواههم بالمال و السلطة الشكلية، فاستمرار هذه العقلية المشوهه سيزيد من تعقيدات الازمة السودانية وسيذيد من درجات تطرف الهامش و تضعف امل الوحدويين اينما وجدوا فى امكانية وجود قواسم و ارضية مشتركة  فى ظل سياسة و سيطرة المؤتمر الوطنى التى تجعلهم يعيشون كمواطنيين بدرجات ادنى و اقل من متسيطرى السلطة بفهم احادى اقصائى خاطئ.

ثامن عشر:

حينما استغرب الاديب السودانى الكبير من تصرفات اهل الانقاذ التى تعارض كل القيم و الخلق السودانية الاصيلة من خلال افعالهم فى كل شئ لم يجد  وصفا لذلك  الا "عبارة من اين اتى هؤلاء"؟ و كتب ما كتب من الاعلاميين و الصحفيين و المفكرين و الباحثين و الاكاديميين و السياسيين و الفنانيين و القانويين و الانثروبولوجيين و الاقتصاديين و الاطباء و المهندسين  و العسكريين و النقابيين و المؤرخين و ناشطى حقوق الانسان و غيرهم كل من الزاوية التى تخصه فى الشأن السودانى بفهم كبير يساهم فى اعادة صياغة الدولة السودانية و المحافظة على وحدتها باسس جديدة، الا ان المؤتمر الوطنى لجهل او تجاهل، يعتبر كل من يخالفه الرأى عدو يجب محاربته، بل ان اسقاطات فشله لمواجهة الوعى الثورى الذى عم معظم السودان و خاصة هامشه يصبها فى العجزة و النساء و الاطفال الابرياء عبر ابادات عرقية و ابدال سكانى و تهجير و غسل عرقى و ثقافى و محاولة اعادة انتاج قسرى، و هو ما ذاد الوعى الثورى للهامش، و اصبحت الثورات المسلحة هى الطريق لمواجهة الظلم الذى وقع عليهم، و دول القضايا السودانية التى وصلت الى محكمة العدل الدولية مما عقد المشكلة السودانية بصورة لم يشهدها التاريخ.

فواقع كل الدول التى تطورت يشير الى انها استفادت  من الرأى الاخر و التنوع لتقوية الدولة و الوطن، فلا يعقل ان تريد دولة تطورا و تتجاهل اهمية التنوع الثقافى و الدينى ..الخ و تمارس الابادة و القتل و السجن و التعذيب للتخلص من كل من يخالفها الرأى و الدين و الاصل الاثنى و الانتماء السياسى و غيره، و تقوم بابعاد و محاربة  الكوادر المؤهلة اكاديميا و سياسيا و اقتصاديا ...الخ عبر مايسمى بالصالح العام (الضرر العام) فانى لها ان تتطور؟

 فالمؤتمر الوطنى الذى يتعامل مع خصومه بعقلية امنية عليه مراجعة نفسه و الاتعاظ من تجربة و مصير نيكولاى شواسسكو الذى اعتمد فى دكتاتوريتة على اكثر من مليون رجل و امراة امن و شرطة و جيش من اللقطاء و ابناء الحرام و المنزوعين من اسرهم و اطلق عليهم ابناء شاوسسكو و وفر لهم كل مستلزمات الحياة من مسكن و رواتب مجزية (سياسة التمكين)  و برمجهم على كره المجتمع معتبره سببا فى وضعيتهم هذه، و اطلق لهم الحبل ليفعلوا ما يفعلوا بالشعب الرومانى، الا ان صحيان ضمير اغلبيتهم و تقديرهم للاشياء عقليا و ليس عاطفيا جعلهم ينحازون الى الشعب و ينقضون على ابيهم و زوجته كنهاية حتمية لاى نظام ظالم او دكتاتور، فهل سيفعلها  ابناء الحلال و غيرهم من المؤتمر الوطنى ويصحون من غفوتهم بحكمة للمحافظة على ما سيتبقى من السودان.

فثقافة الاقصاء و الكراهية و التعالى حتما ستكون نهايتها مأساوية، لذلك حينما يقول المثل السودانى أسمع كلام الببكيك و ما تسمع كلام البضحكك لم ياتى من فراغ. و هذا المثل ينطبق تماما على المؤتمر الوطنى الذى يضيق زرعا بالرأى الاخر حتى و لو كان صحيحا. و يبدو ان الملتفى حول صانعى القرار فى مركز السلطة سواء كانوا وزراء او اعلاميين او مستشاريين او قانونيين و غيرهم لا يقدمون لهم الا ما يرضيهم و يبسطهم من اخبار سارة و تبريرات غير منطقية للاخبار غير السارة، مما يجعل صناع القرار يعمهون فى طغيانهم و يمدونها بدراية او بدون دراية و وعى، فحينما تسمع بعض المصطلحات تخرج من اناس فى قمة الدولة كيلحس كوعوا و بلوها و اشربوا مويتها و  زعيط و معيط وطز ....الخ تلعن حظ البلد الذى ابتلي بهولاء، فالسياسة ليست عضلات و لا هرطقات، انما علم و متغيرات و واقع و حكمة فى التعامل مع قضايا الساعة برشد و تعقل و منطق. لذلك وطن بهذا المفهوم الخاطئ للذين على قمته يمهد الطريق لكل من يجد وضعا للانفكاك منه. و من ثم فان المعادلة التى يجهلها او يتجاهلها المؤتمر الوطنى للمحافظة على ما تبقى من السودان بعد ذهاب الجنوب فى 2011م، هى اما تفكيك و تغيير مركز السلطة بالخرطوم او تفكيك بقية السودان، نامل ان تصحى العقول المؤمنة بتفكيك مركز السلطة من داخل المؤتمر الوطنى عمليا و ليس نظريا و هو ما قد يكون مخرجا للكتاب الابيض الذى و عدوا الشعب لاصداره وطال انتظاره تصحيحا للاخطاء التاريخة و انصافا للشعب السودانى وخاصة هامشه المظلوم و كرد عملى  للثورات و  الكتاب الاسود الذى صدر فى التسعينيات .

16/7/2010

 

آراء