مطلوب .. حيَّاً! .. بقلم/ كمال الجزولي

(1)
ربَّما يذكر القليل من القرَّاء، وربَّما لا يذكرون، كلمتين قديمتين كنت نشرت أولاهما، تحت العنوان أعلاه، قبل زهاء الخمسة عشر عاماً، ثمَّ عدت ونشرت الأخرى، تحت عنوان آخر، قبل ستَّة أعوام، أناشد في كليهما أهل الخير”الثقافي” بأن يساعدوا في البحث عن مفكر سوداني كبير اسمه محي الدِّين محمَّد .. خرج ولم يعُد! ولو كنا من أهل الثراء الطائل لرصدنا جائزة معتبرة لمن يعثر عليه .. حيَّاً!
غير أن مناشدتي لم تلقَ، في المرَّتين، للأسف، استجابة تذكر؛ كما ولم يلقَ سؤالي عن الرَّجل، لا في القاهرة ولا في غيرها من العواصم العربيَّة التي قدِّر لي أن أزورها، شرقاً وغرباً، ما ينقع غلة الصَّادي؛ فضلاً عن أنني حاولت الاستعانة بمحركات البحث، وعلى رأسها “قوقل” الذي يأتيك، في العادة، بلبن الطير، لكن دون جدوى. ولذا أعود لطرح ذات أسئلتي، بإلحاح أكثر، وإن يكن بأمل أقل في العثور على إجابة:
من هو محي الدِّين محمَّد هذا؟!
أحقيقة هو أم وهم؟!
وإن كان حقيقة، فأين، تراه، اختفى؟!

(2)
من غير المألوف أن يوصف صاحب كتاب وحيد لا ثاني له بأنه “مفكر كبير”! لكنني لا أشك، لحظة، في أن كلَّ من اطلع، أو سوف يطلع على كتاب محي الدين الوحيد الموسوم بـ “ثورة على الفكر العربي المعاصر”، والصادر ضمن منشورات “المكتبة العصريَّة” بصيدا ـ بيروت، عام 1964م، سوف يتفق معي في هذا الوصف. وقد وقعت يدي، بالمصادفة، مساء البارحة، أثناء بحثي بين أرفف مكتبتي عن بعض المصادر، على نسخة من هذا الكتاب، فتناولتها أنعش ذاكرتي بما كان كتب، وقتها، وما زال طازجاً كأنه كتبه اليوم؛ قال، مجازاً، وهو يمهِّد لدرس في الفلسفة لا في الاقتصاد: إن سائحاً غربياً لقى إعرابياً يسكن في كهف بالصحراء، فابتاع منه بيضة دجاجة بقرش واحد، وبعد عشرة أعوام تقابل الاثنان مرة أخرى، غير أن السائح أراد أن يشتري هذه المرَّة دجاجة كاملة، وكم كانت دهشته عظيمة عندما أخبره الإعرابي أن ثمنها أيضاً .. قرش واحد! لكن الدهشة ما لبثت أن انقشعت بعد أن فسَّر له الإعرابي ذلك بقوله: “إن الفرق بين البيضة والدَّجاجة مسألة زمن فقط، ونحن لا نهتم بالزَّمن، ولا نعيره التفاتاً”!
………………………
………………………
ظلَّ السؤال عن محي الدِّين يحيِّرني على مدى السنوات الخمسين الماضية، إذ لا يُعقل، في العادة، أن ينجز مفكر كتاباً ذا قيمة، ثمَّ ينسحب، فجأة، إلى الظل، لنصف قرن، كأن لم يكن؛ كما ولا يُعقل، في العادة، أن يقابَل عمل كهذا بمثل هذا القدر من التجاهل، فكم من كتاب أقل قيمة أثار من الضَّجَّة ما لم يثر عُشر معشارها كتاب محي الدِّين!
لقد صادقت هذا الكتاب عمراً بأكمله، وبعض الكتب أصدقاء عمر، إذ رافقتني نسخته تلك في كلِّ أحوالي، وخلال أغلب مراحل حياتي، صبيَّاً وراشداً، أعزباً ومتزوجاً، داخل السُّودان وخارجه، في وحشة السُّجون وفى أنس الحياة العائليَّة، مثلما رافقتني، خلال الفترة ذاتها، بضع نسخ من مؤلفات أُخَر. فعلى كثرة ما اقتنيت من كتب، وما ضيَّعت، بقيت هذه المؤلفات بالذَّات، وبمحض الصُّدفة، في صحبتي دائماً، لا تضيع ولا يلحقها البلى، ومن بينها هذا الكتاب الذي ظلَّ دائماً تحت عيني؛ ما أن ألقى بعصا الترحال في أيِّ مكان، وأشرع في ترتيب أغراضي، حتى يطلَّ محي الدِّين من الحقيبة، بـ “ثورته”، مع المحارم، والغيارات، وفرشاة الأسنان، والأوراق الثبوتيَّة. ثمَّة آخرون يطلون، بالطبع، أما هذه المؤلفات الصَّديقة فثابتة. اصفرَّ لونها، وشحبت ملامحها، وتقصَّفت صفحاتها، وتسلخت أغلفتها، وتنسَّلت خيوط ربطها، ومع ذلك كله بقيت كما يبقى بعض الأصدقاء القدامى أوفياء برغم السُكَّرى، وضغط الدَّم، وجور الحكومات، وضيق ذات اليد، وزحف الشُّعيرات البيض إلى المَفارق! بقيت، ولم تقض عليها، للعجب، لا القوارض، ولا العوارض، ولا السُّيول، ولا الفيضانات، ولا سافيات الريح، ولا زخَّات المطر، الخريف تلو الخريف، كما ولم يطلها، للغرابة، لا عبث الأطفال، ولا كثرة الترحال، ولا فظاظات التفتيش البوليسي، ولا أيدى لصوص الكتب، الأعداء منهم والأصحاب! هكذا بقيت، بقدرة قادر، ومن بينها “ثورة” محي الدِّين التي لحقتها، فوق ذلك، عناية صديقي الرَّاحل طيِّب الذِّكر محمَّد سعيد القدَّال، حيث تولى ترميم غلافها، على حسابه الخاص، بدار نشر جامعة الخرطوم، حين استعارها منِّي، ذات مرَّة، ليستخدمها كمرجع لبعض دراساته وأبحاثه!

(3)
في متن حكايته عن البيضة والدجاجة يعالج محي الدِّين إشكاليَّة تغيير الذِّهن العربي، من حيث كون “الزَّمن”، على أهميَّته، بطـيء جدَّاً في إحداث “التحويل” المطلوب، وأن الإرادة الفاعلة غالباً ما تبدأ هذه المهمَّة في قنوط. لذا، يقول، ظللنا نرزح في “الجُّمود” مئات السِّنين، لأن “الزَّمن”، كعامل تغيير، ليس جذريَّاً، ولا بُدَّ له من “ذهنيَّة” تقابل بين فداحة السُّكون وبين ضرورة التطوُّر، فتطالب وتحرِّك.
وفي السِّياق يثير محي الدِّين قضيَّة العلاقة المختلة، تاريخيَّاً، بين الفرد والسُّلطة في بلداننا، فيعزي إلى أوضاع القمع، والظلم، والكبت، ودونيَّة العقل، وتحقير الكرامة، علاوة على أوضاع الفقر السَّائدة، أهمَّ أسباب تضعضع الذِّهنيَّة العامَّة، وركودها، وسكونيَّتها. ومن ثمَّ فإنه يصنِّف “الزَّمن”، في ما لو كانت له قيمة، ضمن عوامل ثلاثة كان من المفترض أن تكون مرشَّحة للتَّصدِّي لمسئوليَّة تغيير هذه الذهنيَّة! أما العاملان الآخران فهما: “الأوضاع الماديَّة” و”وعي القادة”. وعلى حين ينبغي أن تتكفل الدَّولة بـ “الأوضاع الماديَّة”، يقول محي الدِّين، فإن الفكر الذي يُعوَّل عليه في بلورة “وعي القادة”، بالأساس، والذي عايش التمرُّد الأوربي، وخبرَ أخطاءه ومزاياه، مناط به استنهاض “الذِّهنيَّة العامَّة”، وإخضاعها لـ “القوانين العلميَّة”، حتى ينزع عنها ما يسمِّيه “ديدان الخمول” التي تجعلها ترفض أن تتحرَّك، رغم كل البطولات، والتضحيات، وأرتال الشُّهداء، وتحجم عن المطالبة بالحريَّة، والعدالة، وبقيَّة الأسس التي تقوم عليها النهضة.

(4)
ومع أن كتاب محي الدِّين، على أهميَّة الحجر الذي ألقى به في بركة الفكر العربي السَّاكنة، قبيل هزيمة 1967م بسنوات ثلاث، لم يقابَل، حسب علمي، كما سبق أن أشرت، بما يستحق من المحاورة، إلا أن الفكر العربي تصدَّى، لاحقاً، لأهمِّ القضايا التي أثارها، وإن لم يسمِّه. فبعد سنوات طوال من صدور هذا الكتاب تصدَّى بعض المفكرين إلى ذات القضايا التي تناولها، إما بالذِّهاب نفس مذهبه، كما فعل المصري فؤاد زكريا في مبحثه عن “التفكير العلمي” عام 1978م، أو، على العكس، بتسديد نقد شديد لـ تلك “العقلانيَّة” النابعة من التعويل بالكليَّة على “القوانين العلميَّة”، كما فعل السُّوري برهان غليون في الثَّمانينات.
لقد انصب جهد هذا الأخير، بوجه خاص، على تخليص تلك “العقلانيَّة” من “علمويَّتها”، أي من اشتغالها، لا كـ “منهج” لمقاربة الواقع، بل كـ “أيديولوجيا” تصوِّر “العلم”، وليس “التجربة”، كـ “أصل” لـ “المعرفة اليقينيَّة”، على حدِّ تعبيره، حتى أصبح “المفهوم” هو الذي يتحكم بـ “الواقع”، بدل أن يَخضَعَ له ويتطور في ضوئه. وهذا ما يصفه غليون بمصدر “الاستلاب النظري” الذي يهدر النظر “العلمي” القائم على “التجربة” في “الواقع” الماثل، للحدِّ الذي صار فيه الاستقواء بـ “العلم” قاعدة تحطيم للمسعى “العلمي” نفسه، وأضحى الموقف السائد هو أن العلم “موجود” و”جاهز” و”متطوِّر”، وليس علينا إلا أن نأتي به! في حين أن نشأة “العلم” في الغرب، كنظام للمعرفة المقبولة اجتماعيَّاً، قد ارتبطت بالتشكك في صحَّة المعارف “الجَّاهزة”، وإحلال مفهوم “المعرفة الموضوعيَّة” التي تأخذ في اعتبارها مجموع الشُّروط المكوِّنة لـ “الفعل المعرفي” محلَّ مفهوم “المعرفة اليقينيَّة”. فما كان لـ “العلم” الحديث أن ينشأ، أصلاً، لو استمر الغربيون في إسناد معلوماتهم إلى “النظم المعرفيَّة” التي ورثوها عمَّن سبقهم، أو لو انهم لم يأخذوا بالفكرة البسيطة القائلة بأن الكافل لصحة معلوماتنا ومعارفنا عن “الواقع” لا يمكن أن يوجد في هذه المعلومات والمعارف، وإنما في “التجربة”. وإلى هذا الموقف النظري الجَّوهري يحيل غليون الفضل في فتح الآفاق اللانهائيَّة أمام العقل الغربي للمراجعة، وتحسين الاستنتاجات، وضبط التراكيب النظريَّة، بحيث أصبحت من أخصِّ خصائص “العلم الحديث” قدرته الدَّائمة على تغيير نظمه الذَّاتيَّة بالاستناد إلى “التجربة المستمرة”.
لكن، مهما يكن من أمر، وبصرف النظر عن تقديرات الصَّواب والخطأ، وبالنظر إلى تراكميَّة المعرفة، فإن الفضل في إثارة هذه الحواريَّة المهمَّة إنَّما يعود، بلا شكٍّ، إلى محي الدِّين، أو لنقل، دونما إطلاق، إليه ضمن آخرين قلائل.

(5)
نعود لمحي الدِّين الذي يمضى متسائلاً: إذا كنا لا نأبه بالعدالة، ولا بالعيش الطيِّب، ولا نريد الحريَّة، وندع أقواماً آخرين يعيشون ويتسلقون فوق أكتافنا ورؤوسنا، وينعمون بالحياة الخالية من الأمراض، والذلِّ، والقذارة، فلماذا إذن نتزاوج، وننجب الأطفال، ونبني البيوت، والأسر، والحدائق؟! لماذا لا نعيش في الكهوف والأديرة بدون زواج حتى الموت؛ فهكذا على الأقل، يقول محي الدِّين، نصبح أقرب بمسـافة عظيمة من الله، مِمَّا لو واجهنا الحياة بنصف وجه، وواجهنا الله بالنصف الآخر!
سوى أن محي الدِّين، على ما بدأ به من إيلاء أهميَّة خاصَّة لعاملي “الزَّمن” و”الأوضاع الماديَّة”، يخرج، بآخرة، من أكَمَة أسئلته الشائكة، بتغليب كامل لعامل “الذِّهن القيادي” على ذينك العاملين، معوِّلاً على خاصـيَّته “التخطيطيَّة” في تحويل “الذِّهنيَّة العامَّة”، بخاصِّيَّتها “التطبيقيَّة” العاكسة، وانتشالها من الخوف والشكِّ، وتزويدها بالصَّلابة والإدراك، والقدرة على المطالبة بتحقيق العدالة والحريَّة.
………………………..
………………………..
قال محي الدِّين كلمته أواسط السِّتينات، وقال غليون كلمته أواسط الثَّمانينات، وما بينهما ليس محض فارق زمنيٍّ، فحسب، بل هو فارق فكري ونظري في المقام الأول. ومع ذلك، فثمَّة آصِرَة باطنيَّة لا تخفى على النظر المدقق، تشدُّ واحدتهما إلى الأخرى، أو لنقل إنها تجلي كلاً منهما في مرآة الأخرى!
أهميَّة هذه الحواريَّة ومثيلاتها تنبع من حقيقة أن شعوبنا، على الرُّغم من كلِّ ما روَّجت وتروِّج له الخطابات العربيَّة السِّياسيَّة من أطروحات، بشتى المناهج، في المستويين الوطني والاجتماعي، تضرب، ما تزال، في تيه الخيارات، ترفعها آل، وتخفضها آل، في اندفاعاتها المتلاطمة على بوَّابات الألفيَّة الثالثة، بينما لا تزال تتطلع بإلحاح، أكثر من أيِّ وقت مضى، إلى “المشروع النهضوي” الأوثق تعبيراً فكريَّاً عنها، والأكثر إلهاماً نظريَّاً لها!
ولئن كان غليون ما يزال يكتب بما يمكّن من مساءلة مواضعاته، فما الذي تراه سيطلب محي الدين، في ما لو قيِّضَ له إعادة كتابة “ثورته” الآن، من فوق كلِّ هذه السنوات الخمسين، في عالم يزداد قتامة، ودمامة، وظلماً، وفقراً، وبؤساً، بينما لا تزال الأسلاك الشَّائكة مضروبة على عقله، وعلى وجدانه، وفى كل شبر منه تتناسل منصَّات الإعدام، وزنازين الاعتقال، وأقبية التعذيب، حتى ليكاد المرء يمنح عمره بأكمله لأجل بقعة شمس بحجم رأس الدَّبُّوس، على رأى ماياكوفسكي! 
………………………..
………………………..
و .. يبقى السُّؤال المحيِّر قائماً بإلحاح:
من هو محي الدِّين محمَّد هذا؟!
وأين هو الآن؟!

***
Kamal Elgizouli [kgizouli@gmail.com]///////////

عن كمال الجزولي

كمال الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً