بينما ما تزال هناك معلومات خافية ومجهولة حول حياة الناقد الراحل معاوية محمد نور(1909-1941)، مثل طريقة وفاته[ أكان انتحارا؟ً] وطبيعة مرضه والمشافي التي عولج بها، ومكتبته ومراسلاته ودفتر ملاحظاته وصوره الشخصية، وكل ما يمكن أن يساعد في تشكيل وبلورة تصور واضح لا سيما حول الجزء الأخير من حياته إلا أن كل ذلك برغم أهميته لا يكاد يمثل هماً يستحق الانشغال به ومقاربته لدى غالبية من كتبوا ويكتبون عن الأديب الراحل خاصة من بين الأكاديميين.
وللمفارقة، ما يحصل غالباً هو أن بعضهم يبذل كل ما في وسعه ليدفع كل أثر واضح في سيرة معاوية إلى دائرة التعمية والغموض والالتباس!
المقال الذي كتبه أخيراً الأستاذ تاج السر عثمان تحت عنوان« لماذا كان معاوية نور خطراً على الاستعمار؟» ونشر في منابر عدة هو نموذج لنوعية من الكتابات تحاول رسم صورة زائفة لمعاوية، ونوضح ذلك في النقاط التالية:
(1)
كتب الأستاذ تاج السر عثمان: «كان معاوية نور وطنياً وثائراً وناقداً للسياسة الاستعمارية في البلاد، لذا اعتبره الاستعمار خطراً عليه، ويمكن أن يؤثر علي الجيل الصاعد من المتعلمين والمثقفين، فلذا ضيقوا عليه في الرزق وحرموه من العمل الحكومى رغم أنه كان مؤهلا».
هذا كلام مغشوش أو غير دقيق في أحسن الأحوال؛ نعم كان معاوية وطنياً بالطبع ولكنه مع ذلك كان يفضل أن تبقى البلاد تحت الوصاية الإنجليزية لأن ذلك يعني« النظام» والتطور وما عداه يعني«الفوضى» والتدهور.
يدرك هذا الأمر كل من قرأ وتأمل كتابات معاوية نفسه، وكل من قرأ ما كتبه عنه أستاذه وصديقه الوفي إدوارد عطية:« لم يكن– معاوية- يحمل غلاً للبريطانيين، بل كان لديه إعجاب عظيم بسجاياهم الرفيعة والعمل المفيد الذي يؤدونه في السودان والذي يراه بعين لا يغشاها ضباب الإنفعال العاطفي، بيد أن هذا الإعجاب كان مصحوباً بنقد موضوعي ومتسامح لأخطائهم.. كان مقتنعاً بأن لإنجلترا في فكرها وثقافتها ومؤسساتها شيئاً ثميناً تقوم بنقله إلى الشرق، وكان متلهفاً جداً لأن يحوز السودان على هذا الشيء الثمين» (عطية، عربي يروي قصته..، ت: سيف الدين عبد الحميد، الخرطوم: 2006، ص320).
ولأن ثمة من يشكك في نزاهة عطية فلنقرأ ما كتبه المؤرخ السوداني البروفسير محمد عمر بشير عن منظور معاوية للاستعمار البريطاني: « لم يتجه إلى الدعوة لإمكانية أن يصبح السودان مستعمرة بريطانيا غير جماعة ضئيلة بقيادة أحمد عثمان القاضي[..] ومعاوية محمد نور[..] وأضحى كل من محمد عثمان القاضي ومعاوية محمد نور أكثر اقتناعاً بأن المستقبل في ظل وزارة المستعمرات يعتبر أفضل حل لمشكلة السودان» ( بشير، تاريخ الحركة الوطنية..، ت: هنري رياض وآخران، الخرطوم: 1980، ص 173).
(2)
لو تجاوزنا ما قاله عطية وبشير ونظرنا إلى ما تسنى جمعه من كتابات معاوية سنكتشف أن الرجل كان إنجليزياً أكثر من الإنجليز أنفسهم، لقد كان القلم العربي الرشيق والدقيق الذي تغنى بالثقافة البريطانية في صحف ومجلات الأدب التي كانت تصدر في القاهرة خلال عقدي العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، كان يقضي ليله ونهاره في إبراز وترسيخ سمو وتفوق الثقافة الإنجليزية ليس على الأفارقة والعرب فحسب بل حتى على البلدان الأوروبية؛ مثل فرنسا!
وهذا مما يسهل للمرء أن يتبينه حين ينظر إلى ما كتبه وظل يكتبه معاوية عن شكسبير، وعن دكتور جونسون، وروديارد كبلنغ، وبرنارد شو، وجوليان هكسلي، وسواهم من رموز الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
(3)
أما كلام الأستاذ عثمان عن أن الاستعمار عاقب معاوية بسبب ثوريته وضيّق عليه وحرمه من الوظيفة فيبدو غريباً بالنظر إلى أن الإدارة الاستعمارية اتاحت لمعاوية ما بين فرصتين إلى ثلاث فرص للتوظيف وكان بينها فرصة توظيف في مصلحة المالية (سنة 1932) رفضها، وكانت الأخيرة وظيفة في الغرفة التجارية (1934-1935) وافق عليها. هذا برغم أن التخصص الأكاديمي لمعاوية(أدب إنجليزي) لم يكن يناسب طبيعة الوظائف المتاحة لدى حكومة ذلك الزمان، ثم أن تلك الفترة (مطلع الثلاثنينات) شهدت أزمة اقتصادية وهذا معلوم بالتأكيد لدى الأستاذ تاج السر عثمان.
(4)
نشرت جريدة الجهاد في مصر سلسلة مقالات لمعاوية في النصف الأول من الثلاثنينات(من فبراير إلى مايو 1933) سجل فيها الأديب الراحل ملاحظات نقدية حول الدور الذي أعطته السلطات الاستعمارية لرجالات الإدارة الأهلية، وحول سياستها في مجالات التعليم والصحة..، إلخ. استند الأستاذ تاج السر عثمان على تلك المقالات وراح يقتبس منها ليبرهن على ما قاله عن معاوية الثائر الذي تم التضييق عليه وحرم من الوظيفة بسبب مناهضته السياسة الاستعمارية!
لكن، معاوية كتب تلك المقالات بدافع الكبرياء الجريح لا لقناعته، كما قال إدوارد عطية، وكذلك بهدف الحصول على النقود التي كان في أمس الحاجة إليه – خاصة في تلك الفترة- والتي لن تتردد بعض الصحف القاهرية في دفعها مقابل العثور على حدث صحفي سياسي ذي طابع عدائي للبريطانيين.
ولو لم نأخذ كلام عطية فثمة سؤال يطرح نفسه: كيف يمكن أن تدلل هذه المقالات على أن معاوية« كان ثائراً وناقداً للسياسة الاستعمارية لذا اعتبره الاستعمار خطراً عليه [..] وضيقوا عليه في الرزق وحرموه من العمل الحكومى»؟
لقد انتقد إدوارد عطية سياسات وممارسات الإنجليز في السودان في مجالات التعليم والتوظيف وغيرها ربما بأكثر مما فعل معاوية؛ فهل يمكننا اعتباره ثائراً وخطراً على الإدارة الاستعمارية هو الذي كان يشغل منصب مدير المخابرات لدى تلك الإدارة؟
ثم أن معاوية كتب تلك المقالات وعاد إلى الخرطوم بعد نشرها ولم تعتقله السلطات الاستعمارية ولا هي أقصته بل على العكس قامت بتوظيفه في الغرفة التجارية! وكيف نلغي كل ما كتبه الرجل منذ بداياته إلى غاية 1932 لندرس توجهاته السياسية استناداً إلى بضع مقالات نشرها بصفة متفرقة خلال عام واحد في آخر أيام نشاطه الثقافي؟
(5(
قال الأستاذ عثمان في مقاله « نسبة إلى أن مقالات معاوية نور كانت ناقدة للاستعمار، فقد كانت السلطات الإنجليزية لا تسمح بنشرها في داخل السودان، في مجلة الفجر..».
ويُفهم من السياق الذي أورد فيه الأستاذ عثمان هذه المعلومة أنه نقلها من كتاب عنوانه(معاوية نور، 2004) للأستاذ السني بانقا، وهذا الأخير نقل المعلومة عن شقيق معاوية (شرحبيل). لكن لا شرحبيل ولا بانقا قال إن السلطات الاستعمارية أمرت مجلة ” الفجر” بتجنب نشر مقالات معاوية على وجه التحديد، فالعبارة كما وردت في كتاب بانقا هي كالتالي « روى لي شقيقه الأكبر شرحبيل أنه كان يلومهم – يقصد جماعة الفجر- لأنهم لا ينشرون المقالات التي يرسلها..، ولكنهم كانوا يعتذرون لأن السلطات الإنجليزية لم تكن تسمح بنشر المقالات السياسية».
ويلاحظ هنا كيف عمد الأستاذ تاج السر إلى ” تحريف قول شرحبيل المنقول بواسطة بانقا”؟ فعل الأستاذ تاج السر ذلك لأجل غرضه وليس لأجل الحقيقة!
كل دارس لتجربة معاوية في الكتابة يعرف أن الأديب الراحل لم يكتب مقالات سياسية طيلة فترة نشاطه الكتابي باستثناء تلك المقالات التي كتبها في جريدة الجهاد في سنة 1933؛ وثمة مقالة له هي عبارة عن قراءة لكتاب “الامبريالية والحضارة “لليونارد وولف ونشرها في “المقتطف” 1934، ومن بعد ذلك مرض وما عاد يكتب إلى أن رحل 1941.
وفي العلاقة مع الإدارة الاستعمارية.. كان معاوية في جهة وجماعة الفجر في جهة أخرى، ولرؤية ذلك يمكن التذكير بما كتبه البروفسير محمد عمر بشير« لم يكتب لمعاوية أن يظل على ظهر البسيطة لموالاة ذلك الاتجاه في الفكر السياسي- تفضيل الاستعمار- من ثم بقي على أحمد عثمان القاضي عبء مناقشة القضية في مواجهة معارضة قاسية من كل من جماعة الفجر وجماعة أبي روف» (بشير، ص173).
أخيراً
لا أحد ينكر الدور المهم الذي لعبه ويلعبه الأستاذ تاج السر عثمان في التنويه بتجربة معاوية نور الأدبية، ومن الواضح أنه كتب هذا المقال – وهو يكتب عن الأديب الراحل دائماً – من باب الإعزاز والمحبة ولكن كل ذلك مهما بلغ قدره لا يبرر طمس الحقائق وتزييف الوقائع وتحريف التاريخ.
essamgaseem3@gmail.com
//////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم