مع إبراهيم القرشي عن مادة: شالَ يشيلُ .. بقلم: د. خالد محمد فرح
4 يناير, 2016
د. خالد محمد فرح, منبر الرأي
143 زيارة
Khaldoon90@hotmail.com
أهداني مشكوراً أخي وصديقي وزميلي ” السينيَر جداً ” في الدراسة الجامعية ، البروفيسور ” إبراهيم القرشي ” ، أستاذ اللغة والأدب العربي بالجامعات السودانية والسعودية ، ووزير الثقافةالأسبق بولاية الجزيرة ، نسخة بتوقيعه من الطبعة الثانية من سفره الماتع المفيد الموسوم ب ” عفو الخاطر: حروف من زمان الاغتراب ” ، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات التي عالجت مواضيع شتى في الأدب ، واللغة ، والأدب الشعبي ، والسودانيات ، والنقد الأدبي والاجتماعي ، وخلاف ذلك. وكان البروفيسور القرشي قد نشر تلك المقالات منجّمة من قبل بصحيفة ” الخرطوم ” السودانية ، إبّان فترة اغترابه بالمملكة العربية السعودية ، خلال العقد الأول من هذا القرن.
وقد جاء هذا الكتاب – كالعهد بمؤلفات البروفيسور إبراهيم القرشي دائماً – غايةً في الإمتاع والفائدة والطلاوة وخفة الروح ، حتى ليصح أن نصفه بما سبق أن وصف به الدكتور غازي صلاح الدين رواية ” منسي ” للطيب صالح بانها من النوع ال unputdownable ، أي انك متى ما شرعت في قراءتها ، فإنك لن تستطيع وضعها من يدك حتى تأتي عليها جميعها ، من فرط سحرها وجاذبيتها الأخّاذة.
فمن بين المقالات التي استوقفتني بصفة خاصة في كتاب إبراهيم القرشي – وهي كثيرة بكل تأكيد –مقاله بعنوان: ” هلاَّ هلاَّ على الحِرْدن لو ” ، الذي خصصه لاستعراض ومناقشة الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الكبير الراحل السفير سيد أحمد الحاردلو رحمه الله ، المنشور في الصفحات ما بين 32 و36 من هذه الطبعة. فقد جاء هذا المقال مفعماً بفوائد لغوية جمّة ، وددتُ أن أُشرك القراء الكرام في تأمُّلها ، كما أود أن أُدلي بدلوي هاهنا في بعض جوانبها ، تذوُّقاً ، ومناقشةً ، ومراجعةً ، واستداركاً. قال البروفيسور القرشي:
” … أما قولنا ( هلاّ هلاّ على الجد .. ) ، فالأصل فيها كما أرى هو ( الله الله على الجد ). وهو أسلوب إغراء وحث وحض معروف. أُبدلتْ ( ألف لام ) لفظ الجلالة إلى ( هاء ) ، فأصبحت ( هلاّ هلاّ ) ، بتفخيم اللامات وتشديدها… والعرب تبدل الهمزة وأل لام التعريف هاءً كما في قولهم: ( أراق الماء وهراق الماء ) ، و( السلام وهسَّلام ): أنشد الزمخشري:
عرضنا فقلنا هسَّلام عليكم فأنكرها ضيْقُ المجَمِّ غيورُ
وهذا أسلوب معروف في عاميتنا ( ما يزال الكلام لإبراهيم القرشي ) في كلمات مثل: ( جيت هسَّع ) والمراد ( جئت الساعة ) ، أي الآن. فإن رققنا اللامات من ( هلاّ هلاّ ) ، دلّتْ على الحسرة والعجب كقولنا ( هلاّ هلاّ يا فلان .. بقيت تالِتنْ ! ) ( أصبحت ثالثهنَّ ؟ ) .. قالها لي ضاحكاً بروفيسور عون الشريف… حين نلت جائزة الدولة في الأدب بالمشاركة مع الأستاذة بثينة خضر … وهذا الإبدال معروف في العربية وأخواتها من اللغات السامية. ففي العبرية … تقابل ( الهاء ) أل لام التعريف في العربية تماما ، فيقولون ( ها أرث ) يعني ( الأرض ) …. ” الخ . انتهى الاقتباس من المقال في هذه الجزئية.
قُلتُ: أراني ميّالاً إلى ترجيح ما ذهب إليه البروفيسور إبراهيم من أن الهاء في عبارة ” هلاّ هلاّ على الجد ” ذات اللامات المفخّمة ، والتي تجئ – كما قال محقاً – في معرض الحث والإغراء ، متحوِّلة عن ألف لام لفظ لفظ الجلالة ” الله “.
ولكن استخدام هذه العبارة بذات التنغيم الصوتي ، وبذات الدلالة ، ليس قاصراً على العامية السودانية ، بل كأنه بالعامية المصرية ألصق ، وإليها أقرب. ذلك بأنّ إخواننا المصريين ربما زادوا المعنى تأكيداً بتكرار العبارة مقلوبة الألفاظ هكذا: ” هلاَّ هلاَّ على الجد … والجد هلاَّ هلاَّ عليه !! “.
أما إبدال ألف ولام التعريف هاء الذي أورد عليه البروف شواهد من اللغة العربية الفصحى ، وأوضح أنه من خصائص اللغة العبرية بصفة خاصة ، فإنّ له كذلك ، شواهد أخرى من كلامنا العامي كما نعتقد. فمن ذلك مثلاً قول السودانيين في عاميتهم: ” هِضْلِيم ” بكسر الهاء على وزن ” إكْلِيل ” يعنون بذلك: ” ذكر النعام ” الذي يُسمى في العربية الفصحى ” الظليم “. وقد يطلقون ” هضليم ” من قبيل المجاز على شعر المرأة الحسناء ، بجامع السواد والنعومة والغزارة في كليهما. ومنه قول الشاعر ” محمد بشير عتيق “:
أيه الحياة غير لِيمك
ومن بعدك أصبح
حظي زي لون هضليمك
يا نعيم الدنيا.. !!
وعندي أنّ الجذر ” أ.. و..ب ” الذي منه الفعل ” آبَ يؤوبُ ” .. بمعنى: رجع يرجع ، وعاد يعودُ كما في الفصيح ، قد تلحقه هذه الظاهرة في بعض الألفاظ العامية السودانية مثل قولنا: ” قلب الهُوبة ” ، إذ الأصل فيها أنّ من يقلب الهوبة ، يقفز مستديراً بجسمه كله في الهواء ، ثم يعود أي يؤوب أو ” يهوب ” إلى وضعه الطبيعي مرة أخرى.. وقريب من ذلك في تقديرنا قول المصريين في عاميتهم: ” يهوِّبْ ” بمعنى: يحوِّم أو يقترب: ” ما حدِّش يقدر يهوِّب ناحيتي !! ” . فكأنها ” يؤوِّبْ ” ذاتها قُلبتْ همزتها هاءَ.
هذا ، ويؤوِّبْ فعل عربي فصيح معناه: يُرجِّعْ ويُردِّدْ. ومنه قوله تعالى في حق سيدنا داؤود عليه السلام: ” يا جبالُ اوِّبي معهُ ” الآية.. أي: ردّدي معه الذكر والتسبيح.
على أنَّ شدَّ ما استوقفني في مقال البروقيسور إبراهيم القرشي الذي عليه مدار حديثنا هذا ، هو مناقشته لمادة ” شالَ .. يشيل ” ، التي لاحظ الكاتب أنها قد وردت بكثرة في ديوان سيد أحمد الحاردلو ، على الرغم من أنها من العامي أو المولَّد كما قال ، بينما أنّ ” شال ” في العربية الفصحى تعني ( رفعَ ) ، نحو: شالت العقربُ بذنبها أي: رفعته. وذاك لعمري هو الاستخدام المشهور والشائع بالفعل في الفصيح ، على نحو ما هو مثبت في كتب اللغة ومعاجمها ، وبحسب ما أشار إلى ذلك المؤلف نفسه.
ولكنَّ الحق هو أنَّ مادة ” شال يشيل ” بمعنى: ” حملَ يحملُ ” خاصةً ، هي من الذيوع والانتشار بمكان واضح في سائر العاميات العربية المعاصرة ، مما قد يحمل البعض على ترجيح أن تكون من ذلك الضرب من الكلم الفصيح الذي ربما يكون قد ندَّ عن جامعي اللغة ومصنفي المعاجم أنفسهم.
هذا ، ومن غريب اللهجة التونسية – بهذه المناسبة – أنها تستخدم الفعل ” هَزَّ يهزُّ ” في مكان ” شال يشيل ” الشائعة في معظم اللهجات العربية المعاصرة. فإذا قال لك التونسي: ” تنجِّمْ تهزَّها ! ” ، فإنه يريد أن يقول لك: ” ممكن تشيلها .. أو تشيلا ” أي: تستطيع أن تحملها.
على أنّ الحاردلو ليس ببدع بين الشعراء العرب المعاصرين في استخدام الفعل ” شال ” في أشعارهم. فعلى سبيل المثال ، ورد هذا اللفظ عينه في شطر من قصيدة لنزار قباني يرثي بها ابناً له تُوفِّي ، هو قوله:
أشيلك مئذنةً يا ولدي .. الخ
ثم يتوسع الكاتب في بيان استخدامات مادة (شال يشيل ) في العامية السودانية ، وهذا هو بيت القصيد فيما نحن بصدده ، وقد أورد في ذلك ما يلي:
” ….. هذه المادة في العامية السودانية لها نحو خمسة عشر معنى سوى (الرفع). واستخدم شاعرنا (يعني الحاردلو) ثلاثة معاني كقوله: سأشيل عذابي في صدري ، وقوله: في السفح شال الفستق ، أو قوله: وشالني سحابة وأمطرا. وهلمّ جرا. أما في عاميتنا فنحن نقول: (السحاب شال) إذا اجتمعت السحب وتراكمت ، و(الحنّة شالت) إذا اسودّتْ ، و(شايل يمين) إذا كان ملتزماً بحلف أو قسم ، و(شيل الصلاة) في المديح هو تكرار المطلع و (العَصَاة) ، وكذلك الشيّالين في الأغاني. و(شال) بمعنى أخذ ومنه قوله: (دار أبوك كان خربتْ شيل ليك منها شليَّة). و(شيل معاي) بمعنى (احملْ) و (شال راسو) بمعنى: قطعه. وشالوه في الصالح العام أي: (فصلوه). وفلان جمل الشيل وعدّال الميل وشيّال التقيلة أم حيل ، و(يشيل ويختْ) مع فلان: يحاوره ويفاكره و(شال حالو) معناه: فضحه ,(شيلني وأشيلك) في تبادل المنافع. و(شيل المحصول): قبض ثمنه قبل حصاده ، و(البرق شال) ، ومنه قولهم: (طريت برق الفويطر الشال) ، و(البهيمة الشايل) إذا حملت وخفَّ لبنها…. ويبقى معنيان طريفان لم يذكرهما قاموس الدكتور عون أحدهما: شايل بمعنى: (ذاهب): شايل السوق ، أي: ذاهب إليه ، والمعنى الآخر: (الشجرة شالت الجنى) إذا أثمرت. بل بقي معنى ثالث لم يذكره القاموس ( يعني قاموس عون الشريف) وهو: (شال الجرح) بمعنى: فسد.. ” أ.هـ.
فتأمّل هذا التوسع المذهل الذي اتسمت به لهجتنا الدارجة في استخدام مادة ” شال يشيل ” هذه ، والذي أوقفنا عليه هذا العالم البحّاثة الراسخ القدمين في كلا التراثين اللغويين العربي الفصيح منهما والسوداني العامي.
ولكنّ ود القرشي لم يذكر ” الشال ” ، هذا الكساء الذي يضعه الرجل السوداني حول عنقه او على عاتقه ، مصاحباً للعمامة تكملةً للزينة ، وكأنه المعادل الموضوعي لربطة العنق أو (الكرافتة) بالنسبة للبذلة الإفرنجية الكاملة. مع أنّ كلمة (شال) عادة ما ترد في بعض المقاطع الشعرية السودانية الدارجة ، مقرونة ببعض الألفاظ التي تجانسها من مادة شال يشيل المذكورة. ومن ذلك قول إبراهيم العبادي في قصيدة ” عازة الفراق بي طال ” التي استشهد المؤلف منها بقول الشاعر: ” طريت برق الفويطر الشال ” فيما مضى.
والشاهد هو قوله:
لبِسْ من نارو عِمّه وشال
ومنه كذلك قول الشيخ عبد الرحيم البرعي:
أصبحت كالنشّال
من غير عمامة وشالْ .. الخ
وهناك استخدامات أخرى لمادة: شال يشيل لم يتطرق إليها المؤلف ، ربما لأنها حديثة الاستعمال نوعاً ما ، هذا مع تسليمنا بأنه رجل مواكب ” وناقش وليس داقس “. فمن ذلك قولهم في معرض مصطلحات البحث الجنائي: ” شالوا البصمات ” بمعنى: ” أخذوها ورفعوها “. وكذلك قولهم ” شال ” بمعنى: أخذ في مثل قولهم: ” شالوا منو عينة للفحص “. وفي لغة الجيل الحالي من طلبة وطالبات الجامعات يقولون: ” شال مادة ” معناها ” يتعين عليه الجلوس لامتحان ملحق فيها “.. لغةٌ فيها. ومن يكون هذا هو حاله ، فإنه يهتم بتلك المادة ومراجعة دروسه فيها ، حتى يتمكن من اجتياز امتحان الملحق. وقد اشتقوا من ذلك على المجاز قولهم: ” انا الموضوع ده ما شايلو ” يعني: لا أهتم به ، ولا يعنيني في شيء.
أما الفعل ” شال ” الذي قد يأتي بمعنى: خبّأ وأخفى الشيء النفيس خوفاً عليه وضنّاً به ، وحرصاً عليه من فرط المحبة ، وهو ما لم يُشر إليه البروف إبراهيم ، فقد لاحظنا أن هذا اللفظ بهذه الدلالة ، يستخدم استخداماً حقيقياً ومجازياً أيضاً في العامية المصرية كمثل قولهم: ” أنا شلت لك الشنطة في الدولاب ” أي: خبّأتها لك إلى حين تطلبها مني ” ، ويقولون في المعنى المجازي: ” شيل العروسة في نِنِّي عينيك ” أي: احفظها في أغلى ما تملك. ولا يعرف السودانيون (شال) التي التي بمعنى ” حفظ وخبّأ ” هذه ، وإنما يقولون في معناها ” دسّ وكذلك ضمَّ “.
ولكن السودانيين كأنهم ألموا بأخرة بهذا المعنى المجازي ل ” شال ” بمعنى ” حملَ وكنَّ وخبأّ في حرز حريز من فرط المحبة والحرص على سلامة المحبوب أيّاً كان. وهذا المعنى غالباً ما يأتي في منظومهم دون منثورهم ، ومنه قول عبد الكريم الكابلي:
والناس المشاعر
من رسّام لشاعر
شالوك في العيون
ومنه أيضاً قول زكي عبد الكريم:
حلاة بلديْ
حلاة نيلا
حلاتا بشيلا في قلبي
واشيل طمبوري اغنيلا
حلاة بلدي
وكل عام وأنتم وبلادنا الحبيبة بألف خير بمناسبة هذه الأعياد السعيدة التي تُظلّنا.
khaldoon90@hotmail.com