ضمن التضاريس المتقاطعة و المتناقضة الملتبسة لدولة الإنتقال الثالثة في تاريخ السودان، نجد أن أول تحدٍ واجهه الجيل الثوري الثالث و نظامه الإنتقالي الثالث، هو غياب التماثل و الإنسجام و التطابق و التباين بل التقاطع بين بنية ثورته المنتجة و نظامها السياسي الثوري الإنتقالي الذي افرزته ثورته، جاءت في العناوين أو الشخوص أو البرنامج أو الخطط و الإستراتيجيات. أمام هذه المفارقة وقعت المخاصمة و الرسوب في أول كراسة إمتحانات مع ثورة تأسيس الدولة الوطنية الثانية، علما أنها ثورة نقيضة لثورتي إكتوبر و أبريل، حيث مهدت الأولى إلى الدكتاتورية المايوية و الثانية رسمت الطريق للدكتاتورية الدينية، و كلتاهما كانتا تندرجان ضمن أشغال شرعنات تقنيين دور الطبقة القديمة لمجالها التاريخي القائم على الإبدال و الإحلال بفكر “غنائمي” أكثر من كونه وطني ثوري مكتمل.
لذلك الديسمبريون الثوريون الجدد كان خيارهم الثوري هو فحص و إختبار الأجندة الوطنية السودانية التاريخية و الراهنة بواقعية و عقلانية، و لكن الذي حصل قبل بلوغ تمامها تم قطع الطريق أمام الدولة الوطنية الثانية قيد التشكل آنئذ في أنموذج الدولة الثورية المصغرة التي تشكلت في ساحة القيادة العامة التي أنشاها عموم الفعل الثوري السوداني و بتراكميته المتسلسلة، من “سيادة” رمزية ثورية و”شعب” ثوري و”سلطة” إعلامية ثورية و”إقليم” تمثله جغرافيا القيادة العامة التي تم تحريرها رمزيا من عنوان الإستبداد السوداني، فكان بذلك، الأنموذج الوطني الثاني بعد إنهيار الدولة الوطنية الأولى ما بعد الكولنيالية التي إمتدت إلى أكثر من ستة عقود و نيف. والمؤسف في هذه النُقلة الوطنية الثورية المعرفية و المادية الملموسة، أن العملية الثورية الوطنية الجماهيرية تمت قولبتها و تجييرها مجددا و بحرفية عالية لصالح قصر غردون و من ثم صبغها بشروط دولة غردون في رأسمالها التاريخي، لينتج نظام التسوية الذي وقع بنهج الإلتفاف حول الثورة و تخريجها عبر صيغة التوافق الهجيني فيما بين الحزبوي و القطاعي المهني العسكري ممثلا في “قطاع الجيش” للتلفيق أو لإلتفاف، يسمى ـ تحايلا ـ بالتوفيق أو التوافق التسوياتي أو المساوماتي. لتتحول الثورة من مفهومها الكلي إلى ثنائية تضاد تتقسم إلى شركات، فيما الحركة الثورية الصلبة أصبحت حركة ذيلية تعيش وطأتها و محاولة تدجينها.
هذه الدالة التاريخية، أحدثت هوة مع بنية الثورة المرجعية في ظل عجز كلي على نسق العلاقة التواصلية البينية بشفافية مع نظامها الذي يفترض أن يمثلها ضمن المرتكزات الوطنية الثورية الجديدة، لذلك تعطلت هذه الأجندة خلال العامين الماضيين و معها إشكاليات التأسيس و الثقافة و العدالة و الاقتصاد و الإنتاج والأداء الإنتقالي، فيها تراجعت الدولة على صٌعد كثيرة، والأخطر في مواكبة لتفسير صراع الأزمة، أنه صراع الإرادات السودانية الإجتماعية المتنافسة الحادة و إلى صراع الأعراق الجهوياتي، و هذا هو مدخل لنظرية أسميناها نظرية صراع الثالوث الكبير السوداني حول “النفوذ و الثروة و الرموز”، كإطار نظري إشكالي ربما يفسر سيرورة صراع المجال السوداني راهنا، بإستدعاء كثيف للولاءات الأولية الفطيرة عبر خطابات شعوبية شكلتها منظومات تفكير عصوبية و قبائلية و جهوية تتوسع مع تدهور الدولة و السلطة والمؤسسات الوطنية إلى دعوات مفتوحة تطالب بحق تقرير المصير و الحكم الذاتي، شملت حتى البنيات القبيلة الصغيرة عبر إستنهاض مفهوم “الحاكورة” السياسية المستقلة و صبغها بـ”سيادة” قبلية و جهوية لإعادة الموقعة أو رفع سقوفات المناورة السياسية لفائدة إستقرار نمط السيرورة التاريخية المهيمنة تاريخيا و تعريفها مفاهيميا بـ “العصبوية الجبرية” مقابل مفهوم “النخبة” في الأدبيات السياسية السودانية، و هو المفهوم الأكثر إستهلاكا في الصراع اللولبي السوداني خلال الثلاثة عقود الماضية بمرجعية تقليدانية محلية ليست لها علاقة بالمعرفي الحديث.
مجمل تلك التحديات السابقة، هي التي دفعت دولة رئيس الوزراء مؤخرا إلى طرح مبادرة ” الأزمة الوطنية و قضايا الإنتقال و الديمقراطية و المواطنة” التي إنتهت إلى توقيع” إتفاق سياسي” في الثامن من سبتمبر الجاري بين عدد من قوى الطبقة السياسية الداعمة لحكومة الإنتقال، قصد فتح مبحث آخر لتنظيم و ضبط ميكانيزمات الصراع ما بعد الثورة و محاصرة القوى المضادة و كذا المساعدة و تجديد المنظومة السياسية الداعمة للإنتقال، و في هذه السردية ـ و بما أني خلصت من مسوّدة هذه المبادرة منذ فترة قبل مبادرة حمدوك، و أرجأتها إلى حين قدومي إلى البلاد و لم أهتم بنشرها وقتئذ، وعليه جاءت المبادرة في ورقتين أساسيتين بالنظر إلى سياق تطور الأزمة الوطنية و أعباء الإنتقال الثالث و الذي يختلف كما أشرنا سابقا عن الإنتقالين التاريخيين، “الإكتوبري” و “الأبريلي”، كان شعبا أو فكرة، مرجعية و قناعات، تطورا و فضاءات جغرافية و محيط داخلي و خارجي و “زمكانية” مغايرة. هي أزمة القطيعة المعرفية وفق مفهوم “باشلار” مع مرحلة تاريخية عاجزة، فاشلة، غير منتجة، و البناء على أنقاضها، مرحلة وطنية ثانية وفق محددات وطنية جديدة تنقل “مشروع” الدولة إلى مفهوم الدولة الوطنية إلى “المؤسسة’” عبر إستراتيجيات وطنية في ظل تحدي التيارات المضادة و الأجندات الذاتية أو الأيدولوجية.
هذا الواقع المادي الملموس، الثابت فيه، أن أعمدة الشرعية الثورية تراخت في سياقها المعرفي و خطابها السياسي و بنيتها الجماهيرية و نظام حكمها الثوري الإنتقالي، هذا التراخي أدى إلى الترهل المؤسسي و افسح معه تدخل خارجي إستخباراتي بيّن، و المؤكد في هذه الوضعية التاريخية، تراجعت الدولة الوطنية و فقدت معها كثير من كتل شرعيتها الثورية الصلبة، و هذا فتح معه صندوق المساءلة الوطنية الكبرى، الظاهرة و المضمرة منها و حصلت معها الخلخلة و الصدمة الوطنية و سؤال من نحن؟ و كيف مضىت الـ 65 عاما لما يٌعرّف بـالتاريخ ” الحديث” ؟ ومعه كان سؤال المقارنة مع دول المحيط الإقليمي، إلى السؤال الضخم، السودان إلى أين؟ لذلك كانت الحمولة ثقيلة على دولة الإنتقال و التي بحاجة عاجلة اليوم إلى “عُرس” إنتقال جديد، ليس مهما تسلسله مع يوم عُرس السودان، بل مهما النظر إلى “الماـ بعديات” بعد الوثائق الثلاث، قصد إعادة توجيه المسار الوطني من جديد لسبب إختلاف المهام و الوظيفة و الدور مع سابقاتها الإنتقاليات. هذا “العُرس” الوطني الجديد محتاج لقوة دفع و بحضور وطني و دولي و إقليمي و أممي و بشهادة ممثل الأمين العام ممثلا في “اليونياميس” أو حتي الأمين العام نفسه كشهود في حفل وطني لتوقيع ميثاقين وطنيين أساسيين، يحركان عجلة الدولة و حكومة إنتقال التأسيس الوطني الثاني و يضيفان حيوية و بناء المعلوم السياسي وفق محددات المرحلة الدولة الوطنية الثانية.
*عناوين هذه المبادرة تتمفصل في الآتي:ـ*
*الوثيقة الأولى :ـ*
إعداد وثيقة “إستحقاق الإنتقال الديمقراطي السوداني”، و هي عبارة عن تجديد للعقد القانوني و الإلتزام به بين الأطراف المعنية التي انتجتها الثورة بالتوقيع عليها من طرف الرئاسيات الثلاث، أي، توقيعات العسكري و الحكومي الإنتقالي و الكتل الوطنية الديمقراطية، ممثلة في قوى الكفاح الوطني المسلح و القوى الحزبية المدنية في الحرية و التغيير و القوى المعارضة لها، لتنقل الثورية الإنتقالية المتعثرة إلى “الدستورية الديمقراطية” الثورية بآجالها لتجديد التفويض الثوري الديمقراطي الذي يؤسس لشرعة تمثيل جديدة بعد تدهور الشرعية الثورية بشكل مريع. إلى ذلك، إدارة حوار وطني ينجز السلام السوداني الديمقراطي و من ثم القدرة أو القابلية على تعويم قضايا الإنهيار الوطني السوداني الجارية و الماثلة و بخطى متسارعة تجاه دورة وطنية جديدة، تفك ثنائيات الأضداد و المواجهات الثقافية و التاريخية بين الجهات الأربع نحو السلطة و النفوذ، هذا يدفع أيضا لهدنة وطنية مطلوبة و بإلحاح و ذلك قبل وقوع الإنسداد التاريخي الذي قد يؤدي إلى ضمن تراتبيات الإنهيار إلى سقوط مشروع الدولة، حيث الآن في الخط الأحمر قبل وقوع المناحة الكبرى و وقوع النكبة أو الهزيمة.
*الوثيقة الثانية:ـ*
إقامة مؤتمر للمواطنة السودانية، لنقلها من التنصيص الكتابي الغير فاعل إلى التفعيل، بعقلانية و واقعية و إيجابية لدائرة التجريبية وفق فواعل حقة، تنهي “المواطنة الثقافية” المعيارية لفائدة “مواطنة دستورية “بإعتبارها عقد مدني عادي قائما على صّك حقوق و واجبات معرّفة، و ذلك لأجل، صياغة وثيقة وطنية فوق دستورية تسمى وثيقة “حقوق الإنسان والمواطنة السودانية” تناسب الأزمة السودانية، هذا بجانب مؤسسة حماية و رقابة قانونية لها صلاحية “صون الحق الدستوري” للمأسسة و التطبيق. وهذه الوثيقة بالضرورة أن تؤسس على مرجعية واحدة وهي مرجعية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و كذا العهد الخاص بالحقوق المدنية و السياسية و الإقتصادية و البرتوكولات الملحقة و بمساعدة فنية من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قصد تفويت أي فرصة لأي سجالات ليست كلها ضرورية، هذا، دون أن ننسى أن الإعلان العالمي موقعا عليه من طرف السودان.
إن إعلان المواطنة السوداني المفصل وفق المبادرة التي سنتقدم بها، و بعد التطوير، سوف يحسم الصراع السوداني/السوداني، كما هو أيضا حسم لصراع السودانيين مع سودانهم في كل تاريخ معرفتهم بالعصر الحديث، و من ثم تحويل الطاقة الوطنية، طاقة الصراع إلى صراع حول بناء للمبدأ وتأصيله. كما لا نريد في هذا أن تصبغ أو تدمغ دورة دولة رئيس الوزراء دكتور حمدوك بإعتبارها آخر محاولة للدولة قبيل النكبة السودانية، نكبة الحرب الأهلية كمحطة تاريخية و خيار لم يعد طوباويا، فيها لا تبقى جغرافيا نافعة، مقدسة، محمية، قبيل أن تأخذ دورة الحرب الأهلية السودانية نفسها و من ثم الترتيب السوداني الجديد وفق توازنات قوى في الغالب أهلية سكانية و مكانية جديدة بعد مرورها بالتسلسل الهرمي لمرحلة الحرب الأهلية السودانية، الأمر هنا شبيه بإنتاج الصوملة من حيث التدريج و المنتهى الذي لا يأتي مجانا، إذ، لابد من ضريبة فيها يتعرف الشعب السوداني أن ماهية الدولة ليست ماهية الحاكورة أو الحواشة.
نقلا عن صحيفة”الجريدة”
mahgoub@windowslive.com
////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم