مغالطات الإسلاميين ورصيد الأجيال من التجربة السياسية السودانية ..(1) .. بقلم: هاشم علي حامد
2 مايو, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
30 زيارة
Hashimh640@gmail.comفي الحوار الذي اجرته قناة الشرق التابعة للمؤتمر الوطني الحاكم في السودان مع الشيخ ابراهيم السنوسي نائب الامين العام للمؤتمر الشعبي المعارض الذي يتزعمه الزعيم الاسلامي الدكتور حسن الترابي قال أن انقلاب”الإنقاذ” في 30 يونيو 1989 كان ضرورة لإنقاذ الإسلاميين في السودان مما أسماه “موقف رابعة” وقال السنوسي ان مذكرة القوات المسلحة التي رفعها فتحي أحمد علي (القائد العام للجيش حينها) طالبت الصادق المهدي بابعاد الجبهة الإسلامية وإلغاء الشريعة ولذلك أقدم الإسلاميون على الانقلاب وأضاف ان فتحي كان سيطيح بالمهدي ويفعل بالاسلاميين ما فعله السيسي باخوان مصر.
وفي السياق قال السنوسي إن مفردة”انقلاب” ليست سيئة وتعني التغيير إلى الأفضل، ولكن تم تشويهها، مؤكدا عدم ندمه على “انقلاب الإنقاذ” (قناة الشروق السبت 25 ابريل2015)
حديث الشيخ ابراهيم السنوسي لقناة الشروق يأتي ضمن األتأصيل السياسي والاجتماعي الذي درجت عليه قناة الشروق لزعامات وفعاليات سودانية تحرص القناة على ارشفة اقوالهم كرصد للتاريخ.
ما جاء في هذا الحوار كان يمكن ان يكون امرا عاديا لاي سياسي يعالج الامور وفقا لمقتضيات الظروف والاحوال والمصالح في مكايدات التنافس والتقارب السياسي، خاصة اذا كان هذا الشخص لا يزال في قمة القيادة السياسية الحاكمة ضمن حكومة الانقاذ.
وبما ان الشيخ السنوسي هو ضمن القيادة الاسلامية المبعدة من السلطة كان من الاولى ان تكون قراءته للماضي وفق تأملات سياسية فكرية ذات دلالات راسخة في الشفافية..
فبغض النظر عن المغالطة التي يحملها حديث مسؤل الشئون الخارجية ( للجبهة القومية الاسلامية) في السابق ونائب الامين العام للمؤتمر الشعبي حاليا في نوايا القيادة العسكرية السودانية انذاك .. وتبرأته ساحة القيادة الاسلامية من وزر استعجال الوصول للسلطة في حكم السودان (وهذه قضية تحتاج لفحص وتدقيق في كشف مصداقية ونوايا الكثير من القيادات الاسلامية الانقاذية الحالية التي اظهرت الاحداث امتطاؤها ظهر الحركة الاسلامية من اجل الزعامة والسلطة).
فان انقلاب الانقاذ ندمت عليه الحركة الاسلامية في وقت مبكر عام 1999م بعد ان تفشى الخلاف بينها والقيادة العسكرية التي بؤتها الحركة الاسلامية مركز قيادة الدولة في بداية عهد الانقاذ ظانة انها هي المتحكمة في كل شيء، وبمقدورها احداث ما تنشده من تغيير منصبي في قيادة الدولة متى ما شاءت..
وكان ان نظمت قيادة المؤتمر الشعبي الذي تكون كحزب معارض بعد استأثار البشير ونائبه علي عثمان محمد طه بالسلطة وابعاده للشيخ حسن الترابي واتباعه من قيادة الدولة (فيما عرف بـــــــــــــ المفاصلة عام 1999) لقاء جماهيريا في ميدان المولد.. اعترف فيه الشيخ حسن الترابي للجموع الغفيرة من الاسلاميين الذين انحازوا اليه في (ان القيادة الاسلامية أخطأت في انقلاب الانقاذ، واستغفر الشيخ حسن الترابي باسم الحركة الاسلامية جهارة من الذنب الذي ارتكبوه في تدبيرهم لانقلاب الانقاذ في يونيو 1989 معلنا خطأ استعجالهم للسلطة، ألى جانب تأكيده ان التغيير المنشود الذي تعمل له الحركة الاسلامية ينبغي ان يأتي بأتباع السبل الديمقراطية السلمية العازمة..
ابراهيم السنوسي كان وقتها ابان فعالية مفاصلة المولد هو ذات الشخص القيادي القريب من الشيخ حسن الترابي الامين العام للمؤتمر الشعبي..ماذا جرى ليبدل موقفه السابق ابان المفاصلة ويصرح لقناة المؤتمر الوطني بعدم ندمه على انقلاب الانقاذ..ماهو الجديد الذي يحمله ليغير من موقفه الذي جهر به من على منصة المولد استغفارا تردده معه جماهير الاسلاميين.
وهل يمكن للمؤمن الذي يستغفر من ذنب ان يتراجع في وقت لاحق ليغير من موقفه مكذبا لاستغفاره..!
قيادة الحركة الاسلامية يلزمها مراجعة النفس وفق تأملات تستأثر الشفافية وتنأى عن الاسلوب السياسي، فبعد ان اتاحت لها ظروف المفاصلة فرصة المراجعة واعادة ترتيب الافكار، ينبغي عليها النظر بتأمل عميق في وجهة النوايا..والسير فيما رأته من قناعة صبر وأنأة وتغيير يأتي بالحسنة والديمقراطية، لا ان تعيد ذات الاخطاء في وضع التبريرات ومحاولة الالتفاف ومجارات الاحداث لتبرير افعالها بل لتكذيب نفسها ..هذا الحديث الذي قاله نائب الامين العام للمؤتمر الشعبي لقناة الشروق في ان( انقلاب الإنقاذ في 30 يونيو 1989 كان ضرورة لإنقاذ الإسلاميين في السودان مما أسماه موقف رابعة) اذا جاء من اي عضوء في المؤتمر الشعبي يمكن ان نجد له تبريرا كونه وجهة نظر لشخص عادي – رغم المغالطة من حيث التنبؤ في نوايا القيادة العسكرية السودانية اولا – ومن حيث التشبيه بما اسماه نائب الامين العام (موقف رابعة) الذي اضطر الاخوان المسلمون في مصر اللجوء اليه بعد غدر القيادة العسكرية بهم – كموقف تستعلي الحركة الاسلامية في السودانية في ان تقع فيه..
حديث كهذا يأتي من قيادة اسلامية ثانية الترتيب في المؤتمر الشعبي يجعل المرء يحتار في هذه القيادة ماذا تريد ان تقول.. وماذا تريد ان تبلًغ من هذا التناقض.؟؟
أخطر ما يواجهه السودان حاليا من فقد على المستوى الحضاري هو فقد الاجيال الاحقة لــــــــــ(تأصيل) التجربة السياسية في السودان وشفافية الحديث والتدوين الذي ينبغي ان تخلفه الزعامات السياسية والاسلامية.. فرغم ما تعانيه الحالة السودانية من احباط في جملة اشياء من سلام مفقود وتنمية متعطلة وحياة سياسية واجتماعية متخلفة في ظل الواقع السياسي الذي يعيشه السودانيون..
فقضية الاجيال وما تجده من تراث تربوي في الانجاز والاخفاق، في الخطأ والصواب، في جملة ما تخلفه التجارب السياسية هو اخطر واهم رصيد وطني ينبغي مراعاته بالصدق والشفافية لمصلحة تلك الاجيال، بل لمصلحة الوطن الذي تعيد الاجيال بناه عبر التجارب الصادقة..
هل كانت النوايا الحقيقية من وراء انقلاب الانقاذ هو حماية الاسلاميين.. ام كان الهدف هو الوصول للسلطة..؟ ومن قال للشيخ السنوسي ان موقف القيادة الاسلامية المصرية ما قبل وبعد ميدان رابعة العدوية (كونه موقف خطأ) حتى تتعالى الحركة الاسلامية في السودان بعدم الوقوع فيه..عندما قال (أن انقلاب”الإنقاذ” في 30 يونيو 1989 كان ضرورة لإنقاذ الإسلاميين في السودان مما أسماه”موقف رابعة”).
الواقع الذي تسطره الظروف المعاشة للاسلاميين في مصر ظل تتقاذفه ابتلاءات منذا عهد الملك فاروق في اربعينات وخمسينات القرن الماضي مرورا بعهد الرئيس جمال عبد الناصر(1956 – 1970) الذي واجه فيه الاسلاميين المصريين جحيم السجون والتعذيب كأسوا مرحلة في تاريخ مصر، ثم عهدي السادات وحسني مبارك، وما واجهوه كذلك من اضطهاد ليعقب ذلك الثورة المصرية في 25 يناير 2011 وما حملته من انتصارات من تنحي الرئيس حسني مبارك عن الحكم ، ليعقب ذلك انتخابات ديمقراطية يفوز فيها الاسلاميون بحكم مصر لاول مرة في التاريخ المصري عبر انتخابات ديمقراطية شهد لها العالم، ثم يأتي بعد ذلك ابتلاء جديد يحل بهم علي يد القيادة العسكرية التي خانت الثورة والقسم الذي اقسمته حينما كانت جزء من النظام الديمقراطي ..
ولعل ما تحمله دلالات الاحداث في مصر وما يتعرض له الاخوان المسلمون، بل ما تتعرض له الديمقراطية المصرية اليوم هو صقل لشعب لم يحن له الوقت في ان يتسنى له واقع ديمقراطي .. ولا تعني تلك الدلالات ان هناك خطأ في جملة الحراك الذي فجرت به الجماهير المصرية ثورتها في الخمس والعشرين من يناير عام 2011م ، ولا تعني خطأ في تصرف القيادة الاسلامية ما قبل وبعد ميدان رابعة العدوية حينما اصرت على التعبير الديمقراطي، ولا تعني كذلك الندم على وقوع تلك الثلة المخلصة من الشهداء الصادقين في ميدان رابعة . فــــــــــبقدر ما حققه الشعب المصري من نجاح في الخيار الديمقراطي رغم قصر المدة التي حكم فيها الرئيس محمد مرسي.. فكأن سنن الكون (سخرت الخيانة التي ارتكبتها المؤسسة العسكرية بقيادة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي) لتقول لهم انكم تحتاجون لصقل جديد يحين بعده النصر الشامل في تمكين الديمقراطية المصرية.. اذن وبمنطق الحال والمستقبل ان ما عاشته الحركة الاسلامية في مصر ويعيشه الشعب المصري الآن من ظروف سياسية ما هو الا مقام كسب لم تصل الحركة الاسلامية في السودان الى درجته حتى الآن فضلا عن ان توصفه وكأنه موقف تتعالى عليه..! (يتبع)