في مقالين [1] و[2]، بصحيفة سودانايل الالكترونية، خلص المفكر والمؤرخ البروفيسور عبد الله علي ابراهيم الى ان د. حسن الترابي “جاءنا بتركيب لتجاوز الاطروحة (الدولة الدينية) والاطروحة النقيضة (الدولة العلمانية)”، وذلك باعتباره: ” اضاف الدولة كركن من اركان الاجتهاد في الشريعة وجعل الشريعة مصدراً للتشريع (من مصادر اخرى معروفة) على ان تتنزل عن طريق برلماني يجسد ارادة الامة. اضافة الا انه جرد طبقة الفقهاء ورجال الدين من سلطاتها كما وقف بقوة ضد قيام المجمع الفقهي بالخرطوم، الذي لم يقم – والحديث هنا لبروفيسور عبد الله علي ابراهيم – الا بعد خسران الترابي في مفاصلة الحركة الاسلامية المعروف في 1999م” [1] و[2].
وما يصدر عن مفكر واكاديمي موسوعي مثل البروفيسور عبد الله علي ابراهيم يصبح لدى المتلقي والباحث الاكاديمي على وجه الخصوص حكماً مرجعياً فور نشره، ومن ثم يصبح حقيقة لها تأثيرها في تشكيل الراي العام وحجة يستشهد بها. وهذا المقال يأتي في سياق تفاعل كاتبه مع ما جاء بالمقالين[1] و[2] من وجهة نظر مختلفة تقدم حجتها للمتلقي في مواجهة وجه النظر الأخرى مع احترام من اصدرها.
فما جاء في المقالين [1] و[2] فيما يتعلق بمعالجة د. الترابي لمسألة الدين والعلمانية، لا تتسق مع المشروع الفكري له والذي قضى جانب كبير من حياته للتبشير به وتنزيله على ارض الواقع بكل الوسائل ولا زال تلاميذه يقتفون اثره. فالمقال يصور الامر وكأنما د. الترابي فتح الباب لمعالجة صراع الدولة الدينية ضد الدولة والعلمانية، وهذا – من وجهة نظر كاتب هذا المقال- لا يتسق مع ما سجلته وقائع الأحداث منذ الستينات وحتى الان، ولا مع ما صدر عن د. الترابي من آراء وكتابات. فالتقرير بان د. الترابي قد تجاوز ثنائية الديني/العلماني، مربك وعصي على الفهم بالنسبة لكاتب هذا المقال وربما للكثيرين، ويحتاج لمزيد من الايضاح. وما جاء في المقالين [1] و[2] لا يكفي للتدليل على ما خلصا اليه، كما ان بعض الوقائع التي أُعتُمد عليها في الوصول الي الخلاصة تحتاج الى تدقيق من الناحية الزمنية. فعلى سبيل المثال فقد جاء في [1] ان المجمع الفقهي لم يقم الا بعد خسران الترابي في المفاصلة المعروفة والتي كانت في ديسمبر 1999م، بينما اجيز مجمع الفقه الاسلامي وصدر قانونه في 24 نوفمبر من العام 1998م أي قبل المفاصلة بأكثر من سنة وكان الترابي حينها رئيساً للبرلمان، وهذه مسالة مربكة. ويري كاتب هذا المقال ان مجمع الفقه كان قد قام بالفعل تحت سمع وبصر د. الترابي منذ العام 1982م حينما كان عضوا بالاتحاد الاشتراكي ونائبا عاما، تحت مسمي “مجلس الإفتاء الشرعي”، والذي اُخرِجت بمقتضاه مهام الفتوى الدينية من المؤسسية والانضباط القضائي (حيث كانت الفتوي من مهام السلطة القضائية تحت ادارة قاضي يسمي مفتي الجمهورية منذ 1956م الي 1982م)، الي فوضي فقهاء السلطان والتي وصلت مداها ابّان فترة الحكم الاسلاموي في السودان بتحويل “مجلس الإفتاء الشرعي” الي “مجمع الفقه الاسلامي” وتوسيع صلاحياته بقانون خاص به.
فهل فعلاً اوجد الترابي حلاً لتجاوز ثنائية الديني/العلماني؟ كما ذهب الى ذلك البروفيسور عبد الله علي ابراهيم. للإجابة عن هذا السؤال لابد ان نقترب من مشروع دكتور الترابي الفكري السياسي، وهو مشروع كبير مر بعدة مراحل مختلفة، يمكن تقسيمها في نظر كاتب المقال الى اربعة مراحل متمايزة عن بعضها:
1- المرحلة الاولي 1964م – 1977م: وهي مرحلة خروج الحركة الاسلاموية السودانية من عباءة الاخوان المصرية الدعوية الي النشاط السياسي الواسع، وانتصار جماعة مدرسة السياسية على جماعة مدرسة التربية داخل الحركة والتي عملت على الانفتاح الجماهيري للحركة، كما اهتمت بالعمل الاجتماعي اضافة الى السياسي والثقافي. وفي هذه الفترة انقسمت الحركة الاسلاموية الي حركتين احدهما بقيادة الصادق عبد الله عبد الماجد وتمثل مدرسة التربية والأخرى بقيادة د. حسن الترابي وتمثل مدرسة السياسة. وتميزت الحركة في هذه المرحلة بعداءها الشديد مع اليسار والرفض التام لكل ما هو علماني ونادت مع الجماعات الاسلامية الأخرى بالدستور الاسلامي والذي رفضته غالبية القوي السياسية في تلك الفترة. كما شاركت في الحركة المسلحة التي فشلت في قلب نظام الحكم في 1976م والتي سماها د. الترابي بالانتفاضة الجهادية. كما تورطت مع القوي السياسية الكبرى في مؤامرة طرد الحزب الشيوعي من البرلمان مستقلة العاطفة الدينية. وفي هذه الفترة لا يمكن الزعم ان للترابي أي محاولات لتجسير الهوة بين الديني والعلماني، بل كانت جماعته في عداء سافر مع كل ما هو علماني.
2- المرحلة الثانية 1977م – 1989م: وهي مرحلة البناء والعمل الاستراتيجي والبرغماتية السياسية والتمهيد للانقضاض علي السلطة. بعد فشل انقلاب الجبهة الوطنية على نظام نميري في العام 1976م، اتجه التنظيم الاسلاموي بقيادة د. الترابي الى المشاركة في نظام نميري عبر ما عرف بالمصالحة. وكانت المشاركة في نظام نميري احدي “تكتيكات” الحركة الاسلاموية البراغماتية والتي مكنتها من الانتشار في المجتمع بالاستفادة من وجودها داخل السلطة، يقول د. الترابي [3, p. 33]: “عندما دخلنا الى الاتحاد الاشتراكي كان مدخلنا كريها الى النفوس لذاته وما كنا لنقدم عليه لو لا انه كان جزء من خطتنا للوصول للمجتمع الواسع في الريف وفي الجنوب وفي التجمعات الشعبية والعمالية”. يقول د. الترابي في استراتيجية الحركة خلال هذه المرحلة: “لم نحرص ان يكون التمكين للحركة اعتزالا لغيرها ولكن اردنا الحركة من بعد بديلاً اساسيا للقوي اليسارية والتقليدية جميعا واردنا ان تتقدم الحركة بمنهج الله نحو التمكين الكامل” [3, p. 31]. كان مشروع د. الترابي والذي اصبح يجهر به خلال هذه المرحلة هو تعريب واسلمة السودان واقامة الحياة الاسلامية الكاملة به وتقديم مشروعها كنموذج حضاري للعالم اجمع. ولعل قول د. الترابي في حوار له في 1984/1985م : “أن الصراع في أفريقيا صراع حضاري بين العروبة والإسلام من جهة، وبين الشرق والغرب من جهة أخرى، وإذا أصبح السودان عربيّاً مسلماً خالصاً، سيقلب موازين القوى في المنطقة” [4]، ثم ما جاء في خطابه امام المؤتمر الثاني للجبهة الاسلامية القومية في 1988م: “… ونريد نحن في الجبهة الاسلامية القومية ان نوافي هذا الوعد بمشروع احياء ديني لحسم خيارات التوجه المتنازعة … واننا لماضون بإذن الله بعزيمة الصادقين وصبر المتوكلين المطمئنين بوعد الله واثقين ان سيتمكن الاسلام في السودان غير بعيد وان سيحوز وان سنعيد بسيرة الاسلام الاولي …” .[5] توضح بجلاء معالم هذا المشروع وطموحه في اقامة حكم اسلاموي في سودان خالص العروبة! وفي هذه المرحلة كان مشروع د. الترابي قد تقدم كثيرا على اليسار خاصة بعد النجاح الذي حققته الجبهة الاسلامية في انتخابات 1986م، والظهور الضعيف لليسار فيها، وبالتالي لم يكن الترابي في حاجة للتفكير اصلاً في معالجة مسالة الدين والعلمانية لأنه كان قد قطع اشواط كبيرة في تثبيت اركان مشروعه مستفيدا من مشاركته في نظام النميري. وكانت تسيطر عليه حينها الفكرة الشمولية للإسلام (الاسلاموية) حيث لا ينفصل عنده الدين عن السياسة عن الحياة. ففي ورقة علمية له في 1984م يقول: “ولا مجال بالطبع في الاسلام لحكم شعبي منقطع عن معاني الايمان، لان الدين الاسلامي دين توحيدي يحيط بالحياة ويضفي عليها جميعاً معني العبادة وينظمها بشريعة شاملة، لا تفرق بين سياسة ودين او حياة عامة او خاصة” [6]، بل اعتبر د. الترابي ان خروج النظام الديمقراطي من اطار الدين الي الاطار السياسي البحت نوع من الشرك بالله حيث يقول في ورقته انفة الذكر: ” فالخروج بالديمقراطية من الاطار الديني الي اطار سياسي بحت، ردة وضرب من الاشراك لأنه يشرك ارادة الشعب مع خالقه”[6]، وهذا وجه اخر لمفهوم “الحاكمية الالهية” شبيه برؤية سيد قطب والتي سياتي ذكرها في موضع اخر في هذا المقال. وعليه لا نري في افكار د. الترابي خلال الفترة من 1977م الي 1989م ما قد يؤدي الي ردم الهوة ما بين الديني والعلماني، بل على العكس تماما فقد كانت افكاره وما يدعو له تنطلق من المبادئ الاسلاموية، وفي موضع النقيض تماماً من العلمانية.
3- المرحلة الثالثة 1989م – 1998م: في هذه المرحلة من تطور فكر الترابي وهي المرحلة التي لمع نجمه على مستوى الحركة الاسلاموية العالمية، فاصبح غارقا كلياً في الايدلوجيا الاسلاموية العابرة للقطرية ومزهوا بنجاحه في تحويل الحركة الاسلامية السودانية من جماعة دينية دعوية محدودة التأثير، وذلك حالها في ستينيات القرن الماضي، الى تنظيم سياسي/ديني عالمي استطاع ان يجمع إسلامويي العالم حوله في الخرطوم فيما عُرف بالمؤتمر الشعبي العربي الاسلامي في 1993م. اضافةً لنجاحه في بسط سيطرته المطلقة على اكبر قطر افريقي، كأول تنظيم اسلاموي ينجح في مثل هذه التجربة، مما جعله وتجربته موضع اهتمام وحفاوة من قبل اسلامويي العالم. ففي هذه الفترة سيطرت المبادئ الاسلاموية على فكر الترابي والتي تتمثل في “اقامة نظام اسلامي يتمثل في دولة دينية، واقامة حكم الشريعة، وفرض القوانين الاسلامية، واستخدام سلطان الدولة لفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتبار الناس مجرد رعايا ملزمون اكثر من كونهم مواطنين ذوي حقوق” [7]. وظهر ذلك في القوانين المهدرة للحقوق والحريات التي ظهرت في الفترة من 1990م الي 1998م والتي لم تحد منها ما جاء في دستور 1998م من بعض سمات التحرر من المبادئ الاسلاموية. كما انتشرت خلال هذه الفترة مظاهر التدين وتمكنت المؤسسات الدينية ورجال الدين من مفاصل الدولة وتمدد نفوذهم في سائر شئون الدولة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم