مقالات متسلسلة: الحلقة الاولي (١): المجلس التشريعي ضرورة ملحة وتطور طبيعي  .. بقلم: شريف محمد شريف علي

كتب صديقي الاتي: “الديمقراطية هي أن تمارس إرادتك باختيار رب لك ينظم لك حياتك ويملك زمام أمرك، وأن تمارس إرادتك أو تنيب عنك ربك لاختيار من ينفذ مشيئة هذا الرب فيطبق عليك ما يتخذ من قرارات، وما يضع من تشريعات لتنظيم حياتك كما يشاء. ولك أن تستبدل هذا الرب أو بعض أجرائه حين يبدو عليها التلف أو الضعف أو انتهاء المدة المقررة لهذه الربوبية، والتي يتفق عليها عادة وتتراوح ما بين أربع وست سنوات حسب ما يشرع هذا الرب الجديد لهذه المشكلة. الإيمان بالديمقراطية يعني أن يتخذوا من مجلس النواب، الكونغرس، مجلس العموم… إلى غير ذلك من أسماء، أن يتخذوا منها أرباباً من دون الله، تحل لهم ما تشاء وتحرم عليهم ما تشاء” انتهي جزء من الحديث.
في تقديري ان هذا جهل بالديمقراطية كبير فالمجالس التشريعي ليست مطلقة بل مقيدة. المجالس التشريعية بدون قيود وتوازن سلطات خطرة علي المواطن ويمكن  ان تنتهك الحريات وتسن قوانين فوق طاقة الشعب.
في النظام الديمقراطي لاتوجد سلطات مطلقة كلها مقيدة . فالسلطة التشريعية و السلطة التنفيذية و السلطة القضائية مقيدة  بالدستور بحيث  لايسمح لها  ان تقهر المواطن وتتعدي علي الحقوق والحريات العامة المضمنة في الدستور .كذلك كل سلطة مقيدة ويمكن تجاوزها بواسطة السلطتين الاخريين. فمثلا للمجلس التشريعي الحق في عزل الرئيس ( قمة هرم السلطة التنفيذية).
والمجلس التشريعي مقيد بالسلطة القضائية وكذلك السلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية مقيد بالسلطة القضائية والتشريعية وهكذا.
الهدف من فصل السلطات وتوازنها هو منع طغيان الحاكم او اي من السلطات لان طغيان اي من السلطات يمكن ان يكون بداية لاستبداد جديد ينتهك الحقوق والحريات العامة ويهدم مصالح المجتمع ومؤسساته.
ان الطغيان هو مايبرر سفك الدماء لذلك هو عدو الانسان  الاول.تجربتنا السودانية شاهد علي ان الطغيان يتغلب علي سلوك الانسان . انظر الي البشير مثلا  تجده يصلي ويصوم ويحج
 ولكنه بسبب الطغيان يسفك الدماء ولايرتد له طرف وعلي استعداد لقتل حتي عشر مليون مابين شيخ وشاب وامرأة وطفل  . انظر لحادثة فض الاعتصام انها امتداد لطغيان الحاكم ولجنته الامنية.
لذلك لجم الطغيان بفصل السلطات وتوازنها  رحمة وخير للشعب.
الشعب الامريكي ذاق مرارات الحكم الملكي البريطاني  وثار علي الملك جورج الذي اثقل كاهلهم بالضرائب والرسوم واستحل مالهم واراضيهم ومنازلهم…
اذا تكوين واختراع  المجالس التشريعية في الاصل مرتبط بمفهوم فصل السلطات وتوازنها بهدف  حماية الحقوق والحريات ومنع الطغيان ( الجبروت والظلم والفساد) الذي يعاني منه الفرد والمواطن عندما يتعدي عليه الحاكم والسلطان والرئيس.
بالتأمل في توازن السلطات نجد ان في قراره تسليم بعدم الثقة في اي من السلطات الثلاثة التشريعية والقضائية والتنفيذية ( لانها مؤسسات يديرها البشر والانسان ضعيف امام السلطة المطلقة فيطغي ويفسد ويظلم نفسه ومجتمعه)   لذلك كان من الضروري تصميم نظام يمنع طغيان اي سلطة علي السلطات الاخري.
لعلنا نتفق ان الانسان لالاف السنين كان يرزح تحت حكم الاستبداد حيث الملك او الرئيس او الحاكم الفرد او امير المؤمنين الذي يجمع في يده كل السلطات والتاريخ ذاخر بضحايا تسلط وطغيان الملوك والحكام والامراء.
هذا النظام الديمقراطي يتعمد نزع سلطة التشريع وسن القوانين ونزع امانة المال والانفاق العام والخزنة من الحاكم الفرد او الامير او الخليفة او الملك الذي كان في الماضي يجمع في يده مال الدولة ويتصرف فيه.
وكذلك الحاكم او الملك يتحكم في سلطة سن القوانين والتشريعات وتنفيذها .
نزع بعض السلطات مثل التشريع وجمع المال والانفاق من الحاكم الفرد واعطاءها لنواب الشعب تطور عظيم ومحمود . وهو كذلك تطور استدعته مظالم الافراد والشعوب علي مدي تاريخ طويل من حكم الطغاة والمستبدين في جميع ارجاء المعمورة وقد اثبت هذا النزع او الفصل جدواه بسبب تزايد تعقيدات الحياة وتشابك المصالح وتطور وعي الانسان بحقوقه وبمنظومة الحكم والحوكمة فكان تطوير منظومة الحكم من نظام يتحكم فيه فرد واحد سواء كان  سلطان او ملك او امير او رئيس  الي نظام   قائم علي  مؤسسات يرأسها مسئولون منتخبون من المجتمع.
لك ان تتخيل ان السلطة التنفيذية مثلا في امريكا تسن سنويا اكثر من ثمانون الف صفحة  من اللوائح والقواعد التنفيذية كما تسن السلطة التشريعية  سنويا حوالي اربعة الاف من اللوائح التشريعية. كلها تجري في نسق ومسار  معقد من العمليات والخطوات منها مثلا الفحص والتمحيص والمراجعة والتقويم بواسطة العديد من المؤسسات واللجان الفنية وغيرها.فالسؤال لصديقي هل يمكن لحاكم فرد واحد مطلق السلطات ان يعمل بكفاءة هذه المؤسسات ان سلمنا بصدقه وعدله.
  لم تعرف او تتخيل الشعوب في  الماضي سوي شخص واحد يجمع كل السلطات وربما نشاهد شيئا من ذلك في عصرنا .  حتما تركيز السلطات في يد واحدة ستنتج تخلفا وانتهاكا للحقوق والحريات وتدهورا في جميع مناحي الحياة لكل ذلك وللمصلحة العامة فان فصل السلطات امر  لابد منه .
حقيقة المجالس التشريعي لاتحرم ولاتحلل بل هي تسن قوانين الحياة العامة في مجال  علاقة الفرد بالمجتمع وتنظم هذه العلاقات فتجعل بعض التصرفات والافعال قانونية او غير قانونية ودستورية او غير دستورية ولا تتدخل في علاقة الفرد بربه سلبا او ايجابا.
المجالس التشريعية غرضها تحقيق كرامة الانسان غض النظر عن خياراته العقدية والدينية والاخلاقية وهي ليست مجالس فقهية او مجالس وعظ وليس من مهامها الدعوة وادخال الشعب الجنة بل هي مجالس ذات مهام محددة كما في الدستور  مثل وضع سياسات  وتحديد ميزانيات ومتابعة حلول لمشاكل  الامن الصحة والتعليم والاسكان الاتصال والكهرباء.
 مثلا في  دستور الجمهورية الامريكية الديمقراطية  توجد وثيقة الحقوق والحريات الاساسية التي تقرر الحقوق و الحريات الاساسية التي لايجوز لاي سلطة من السلطات الثلاث التعدي عليها  . كذلك تعتبر وثيقة الحقوق الوثيقة الاعلي في الدستور لانها تضع حدودا للمجلس التشريعي مثلا مايمكن فعله ومالا يمكنه فعله.
ايضا بالنظر للدستور الامريكي في احد نسخه قبل التعديل في العام ١٩١٣ نجد به محظورات لايمكن للمجلس التشريعي ان يقرر فيها  كالاتي :
* لا يمكن تمرير أي مشروع قانون او  قانون بأثر رجعي
* لا يمكن فرض الضرائب إلا بما يتناسب مع عدد السكان
* لا يجوز فرض ضريبة أو رسم على سلع الصادر.
* يمنع تفضيل أي ولاية علي الولايات الاخري في التجارة وغيرها
* يمنع منح ألقاب  ولا يسمح لأي شخص في الحكومة بالحصول على لقب أو شغل منصب لدولة اخري أو أخذ أموال أو هدايا .
وكذلك التعديلات العشر  الاولي تمنع المجلس التشريعي من سن قوانين تتعدي علي حريات وحقوق افراد الشعب  بمافيها اختياراتهم الدينية ولكنها كذلك لاتسمح للمجلس التشريعي الفيدرالي بتبني دين معين  او تمييز ديانة علي الاخري. هذا لم يمنع اعضاء الكونجرس حتي الان من استخدام الرموز الدينية ودعم بعض الولايات للكنيسة في ولاياتهم حتي يومنا هذا .
كانت هذه المحظورات قيودًا
لمنع الحكومة الجديدة من ارتكاب انتهاكات مماثلة لما فعله الملك جورج وأتباعه بالشعب الامريكي .
فصل السلطات ليس غريبا علي مجتمعنا بل هو متجذر في الثقافة الاسلامية ولكنه محدود لم يتطور. حيث دوما كانت السلطة القضائية مفصولة عن السلطة التنفيذية. وربما من المهم الاشارة الي ان الحكم التركي منح  الاعيان والمشايخ ورجال الادارة الاهلية جميع السلطات في مناطقهم فكانوا يجمعون الضرائب ويقضوا بين الناس وينفذون الاحكام .
وقد عالجت المهدية هذا الامر بفصل بعض السلطات   فقد نزعت  سلطة القضاء من حقيبة الاعيان وعين قاضي الاسلام للمناطق الادارية المختلفة  مما اغضب عدد من الاعيان وكان ذلك سبب من اسباب تمردهم   فيما بعد علي الخليفة عبدالله ود تورشين.
من الواضح ان فصل السلطة القضائية خطوة في الاتجاه الصحيح كان يجب ان يعقبها خطوة فصل عملية التشريع وشن الحروب والعلاقات الخارجية وفرض الضرائب وانفاقها والتدقيق في الانفاق العام  لمنع الفساد وهكذا واعطاء هذه السلطات لمجلس تشريعي بسلطات ملزمة  لا معلمة كالشوري  . اي ان الشوري كان يجب تتطور مؤسسيا لتناسب تعقيدات الحياة واحتياجات الفرد والمجتمع لتصبح مجلس تشريعي.
ان وجود مجلس تشريعي له فائدة عظمي في نضح القرارات والسياسات خاصة اذا كانت طرق عمل المجلس ولوائحه متطورة وذات كفاءة والنواب يتمتعون بالاهلية من ناحية العلم والخبرة والحكمة.
ورد ان الشيخ ابوسن قد قدم لانجلترا في زيارة  تهنئة للملكة بالانتصار في الحرب في القرن الماضي وقد كان ان حضر ومعه الاعيان جلسة في مجلس النواب البريطاني فاستمع لطريقة عمل المجلس ومداولات النواب حول بعض السياسات وقد كان في اول امره مستغربا ان كيف لملكة تبدو صغيرة في السن بلا خبرات ان تدير امبراطورية لاتغيب عنها الشمس وعندما سئل عن رأيه بعد ذلك قال بعد ان راي الشيب والخبرة والعلم  في نواب البرلمان ( والله الجماعة الشفتهم ديل كان فتلوا ليهم راي وامر ربنا زاتو مايحلو )  اي دلالة علي مجموع الخبرات التي تبرم الامور  في الامبراطورية.
ساواصل في الحلقة الثانية
شريف محمد شريف علي
مركز السودان للقيادة والديمقراطية والسياسات
رؤية سودان ٢٠٥٠
٨/٢٨/٢٠٢١
sshereef2014@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً