مقاومة الإنقاذ تأخذ شكل حركة وطنية صاعدة .. بقلم: صلاح التهامي
3 مارس, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
50 زيارة
sameki@hotmail.com
هذا ما يبدو بوضوح لمن يتابع الأحداث التي تفجرت في السودان منذ شهر ديسمبر العام الماضي و لا زالت تتفاعل تطوراتها منذ ذلك الحين دون أن تلوح على الأفق بوادر نحو انفراج ما أو حل وشيك. من الملاحظ أن الحركة الحالية ضد نظام الإنقاذ الجائر تأخذ شكل حركة وطنية صاعدة, أقول حركة وطنية لأن سياسات و ممارسات حكومة السودان خلال الثلاثة عقود المنصرمة تركت الشعب في وادي و الحكومة في وادي آخر و أصيح البون شاسعاً و الهوة التي تفرق بينهم عميقة يستحيل ردمها وذلك بسبب سياسات و ممارسات الإنقاذ الاقصائية التعسفية المقيتة و نتيجة لذلك فقد الشعب الثقة في نظام الإنقاذ و على رأسه عمر البشير و قد تآكل ما لدى الأخير من الشرعية المزعومة الواهية وفقدت بوصلته الاتجاه . وأسميها حركة وطنية لأنها تنتظم جميع مكونات الشعب السوداني في الداخل و في المهاجر التي يتواجد فيها السودانيون. نعم هي حركة وطنية على غرار الحركة الوطنية الأولى التي أخرجت المستعمر البريطاني من السودان لأنها تمثل الطموحات و الأشواق و التطلعات الوطنية المشروعة في الإنعتاق من ربقة نظام فاشل مدمن للفشل ومن أجل استعادة البلاد من براثن نظام جائر فقد مبررات تواجده على الساحة والفرق الوحيد بين الحركة الوطنية الأولى التي أخرجت المستعمر و الحركة الوطنية الحالية أن الاستعمار البريطاني سلم السودانيين دولة ” كاملة الدسم” إذا إستعرنا مصطلحات عمر البشر نفسه دولة تعمل كافة مؤسساتها وأجهزتها على نحو معقول أما الحركة الوطنية ضد عمر البشير فسوف ترث دولة متهالكة منهارة متصدعة البنيان متداعية الأركان مفلسة ومدينة بعد أن دمر نظام الإنقاذ المزعوم كافة مرافق و مؤسسات الدولة الخدمية و التعليمية و الزراعية والصناعية و أصبحت في عهده أثراً بعد عين حتى كادت هذه الدولة أن تلامس حافة الهاوية و تدخل في نطاق اللادولة
إن المقارنة بين الاستعمار البريطاني و حكومة الإنقاذ المزعوم ليست في صالح الأخيرة.
يقول البعض أن الإستعمار البريطاني كان يهدف إلى سرقة الموارد الوطنية للمستعمرات وإذا صح ذلك في حالة السودان فإنهم سرقوا الموارد و لكن حينما رحلوا سلمونا دولة حديثة تعمل مؤسساتها وكافة أجهزتها الخدمية و التعليمية و الاقتصادية و التجارية و ما إليه أما الكيزان وهم ضرب من الاستعمار الداخلي فقد نهبوا الموارد و دمروا الدولة التي ورثناها من المستعمر و ساهمنا حسب الطاقة في تطويرها و تنميتها.
ولعله من نافلة القول أن أشير إلى أن نظام الإنقاذ الحالي ليس نظاماً إسلامياً كما يروج البعض كما أنه ليس نظاماً إنقاذياً والوصف الوحيد هو أنه مسخ مشوه يمكن أن نسميه إذا تحرينا الدقة .
” نظام التمكين الترابي” أي أنه نظام مكرس لتمكين منسوبي حزب الترابي وإقصاء الآخرين فنتج عن تلك الفكرة الجهنمية نظام إقصائي فاسد حول السودانيين إلى مواطنين من الدرجة الثالثة أو الرابعة و جعلهم غرباء محرومين داخل وطنهم. ومكن نظام التمكين الجائر لحفنة من شذاذ ا|لآفاق وأعطاهم مقاليد الأمور فانهمكوا في استباحة المال العام ونهب موارد الدولة على النحو الذي يعرفه القاصي و الداني مما أدى في نهاية المطاف إلى الانهيار الاقتصادي الذي تشهده البلاد علماً بأنه لم يحدث إنهيار إقتصادي مثله في تاريخ السودان الحديث.
ولعله من نافلة القول التنبيه إلى أن حسن الترابي لم يبتدع فكرة التمكين و لكنه أخذها من الاستعمار البريطاني مع الفارق بين نهجين، من المعلوم أن الاستعمار البريطاني مكن لبيت المهدي و لبيت الميرغني مالياً و سياسيا و اجتماعيا لكنه فعل ذلك من منطلقات موضوعية إذ أنه أي الاستعمار أراد أن يخلق عملية سياسية ديمقراطية حية في البلاد وقد نجح في ذلك.
أما حس الترابي فقد مكن لحفنة من اللصوص سارقي المال العام من شذاذ الآفاق و عتاة المجرمين ولعلهم مثل أولئك اللصوص الذي عناهم الشاعر العربي القديم حين قال
يمرون بالدهنا خفافاً عيابهم
ومن دارين بجر الحقائب
على حين ألهى الناس جل أمورهم
فندلاً زريق المال ندل الثعالب
ولعله من نافلة القول أن هذه الأوصاف التي أوردتها لا تنطبق إلا على من قاموا بفعلها ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى علماً بأن أصحاب الضمائر الحية في تنظيم الجبهة الإسلامية لم يشاركوا في هذه الجرائم و بعضهم نأى عن حكومة الإنقاذ بعد أن انكشفت حقيقة توجهاتها و ممارساتها التي لا تمت بصلة إلى الاسلام
ولم يكتف حسن الترابي بذاك بل أقدم على بإنشاء هيكل إداري و مالي للدولة متضخم بقدر لا تطيقه ميزانية الدولة على المدى الطويل ، علماً بأنه ليس من الخبراء في هذا الشأن، حتى أن الإدارة البريطانية كانت تجلب خيرة الخبراء المتخصصين في هذا المجال فقاموا بإنشاء الهياكل المالية و الإدارية لحكومة السودان مثل الخبير ويكفيلد و غيره، لكن حسن الترابي لم يأبه بذلك و أنشأ نظاماً بيروقراطياً متضخماً وهذا أخشى ما تخشاه الدول الغربية الرأسمالية الغنية و يسمونه ” الحكومة الكبيرة- big government وإذا كان الأمر كذلك فكيف بدولة تحبو على مدارج النمو وليست من الدول الغنية أو الكبيرة. وكانت ثالثة الأثافي و المعول الذي دمر الإقتصاد الوطني هو أن قادة الإنقاذ عهدوا بإدارة الاقتصاد إلى أشخاص غير مختصين و غير مسئولين أو مؤهلين بما فيه الكفاية مثل فلان أو علان الذي طبق سياسة التحرير الاقتصادي فكانت وبالاً على البلاد و العباد وسياسة التحرير الاقتصادي وغيرها من السياسات المالية و الاقتصادية هي من المتغيرات التي ينبغي تركها أذا ثبت فشلها و لكن ذلك الخبير الاقتصادي كان و لا يزال يعتقد أنها من الثوابت بل الثوابت المقدسة التي لا تمس ( عجوبة التي خربت سوبا!).
. هذه بعض العوامل التي أدت إلى إنهيار الاقتصاد ثم إنهيار كافة قطاعات الدولة لأن هذه القطاعات تنهض معاً و تنهار معاً كما يقول علماء الاقتصاد.
وإذا كان الأمر كذلك ولم يعد لنظام الإنقاذ قضية وطنية أو تنموية أو إسلامية أو قومية يخدمها فلماذا يقاوم هذا النظام حتى الرمق الأخير ولماذا لا يسلم السلطة طواعية لممثلي الشعب السوداني كما فعلها المرحوم إبراهيم عبود و المرحوم سوار الذهب من قبل؟ الإجابة أن مراكز قوى نشأت داخل النظام لها مصالح ثابتة و مستقرة في وجود النظام و أنها سوف تدافع عن إستدامة مصالحها حتى النهاية أي أن نظام الإنقاذ تحول إلى عصابة مافيوية إجرامية يهمها أن تدافع عن مصالحها حتى لو أدى الأمر إلى إبادة الشعب السوداني و هم ماضون في هذا النهج وأنا أتقدم بالنصح الى عمر البشير بأن يسلم السلطة التي أخذها عنوة لا سيما وأنه رئيس غير منتخب و أن الشعب عبر عن رغبته في أن يتنحى فليتنحى و يحقن الدماء، أما أذا أراد عمر .
البشير أن يتمسك بالسلطة وقد أمضى في سدة الرئاسة ثلاثون عاماً دون تحقيق أي فوائد ملموسة للشعب السوداني فليعتبر من مصير الطواغيت الذين سبقوه من أمثال النميري و القذافي و حسني مبارك والقائمة تطول وليعلم أن الحلول الأمنية لن تجدي فتيلاً ولن تخرج النظام من محنته.
////////////////////////