مقومات نجاح الممارسة السياسة لما بعد الحوار الوطني .. بقلم: رمضان أحمد بريمة


breima_ramadan@hotmail.com

    يتكلم الناس هذه الأيام عن الحوار السياسي ومآلاته خاصة بعد الرحيل المفاجي للدكتور الترابي (رحمه) الذي كان الضامن الوحيد للمشروع. وحتى لو فرضنا جدلاً إنفاذ كل ما جاء في مقررات الحوار الوطني مع موافقة كل القوى السياسية بما فيها المسلحة ، فهذا لا يعني بالضرورة أن مشاكل السودان ستصبح شيئاً من الماضي. وبصرف النظر عن التشاؤم والتفاؤل الذان يحيطان بمشروع الحوار الوطني ومآلاته هناك أربعة مقومات أساسية في الممارسة السياسية  إذا لم تتوفر فإن المشهد السياسي لن يتغير كثيراً سواءً أتم إنفاذ مخرجات الحوار كما هي – حسب هوى المتفائلين – أو تم الانقلاب عليها كما يتوقع المتشائمون.

    أما المقوم الأول فهو الوعي السياسي الذي انتشر بفضل وسائل التواصل الحديثة. ففي الحرب العالمية الأولى والثانية مثلاً كان القادة السياسيون يجتمعون ويعدون طبخة سياسية ثم يسوقونها والمجتمع يتلقفها بنهم عبر وسائل إعلامية محتكرة من قبل الدولة وهي في الغالب الإذاعة والتلفزيون والصحف اليومية. فكانت النسخة الرسمية من الرواية هي المقبولة جماهيرياً وكانت المجتمعات تؤمن بشخصية الزعيم الملهم صاحب القدرات الخارقة. وهي نفس الفكرة التي سادت العالم العربي حتى اندلاع الربيع العربي. ولكن بتطور الزمان آلت الأمور إلى الشعوب فأصبحت هي التي تحدد من يحكمها وتحاسبه إن أخطأ بل وتعاقبه. ومن هنا قد انتهى دور القائد الملهَم وحل محله المؤسسات. إذن ، لابد للساة القادمون الاستفادة من الوعي الشعبي وإقامة ديمقراطية حقيقية قائمة على المشاركة الشعبية في صنع القرار ثم بناء مؤسسات وطنية تقوم بإنفاذ القرار الشعبي. على سبيل المثال ، كان الدكتور الترابي مهموماً بمسألة وحدة الإسلاميين ووحدة أهل السودان ككل وقد خطا خطوات فوقية في سبيل ذلك. فكانت العديد من دوائر الإسلاميين تتساءل عن طبيعة هذه الوحدة وما تفاصيلها وضماناتها بعد الدماء التي سالت والحقوق التي سُلبت؟ فلو أن للشعب رأي كان بالأحرى أن يكون موضوع بهذه الأهمية موضع بحث على المستوى القواعد الشعبية ثم الخروج بتفاصيل التفاصيل حول الضمانات اللازمة لمعالجة الأخطاء التي أدت إلى إجهاض المشروع الإسلامي ومنع تكرارها وتعويض من تضرروا جراءها ومعاقبة من تسببوا فيها وما إلى ذلك. أما الحديث عن وحدة الإسلاميين فقط لأن المحيط الإقليمي أصبح معادياً لهم وما إلى ذلك من الأقوال فلا تبدو مقنعة للقواعد. قد لا نلوم الدكتور الترابي على مثل هذه الأفكار الفوقية لأنها جزء من الثقافة التقليدية السائدة ، ثقافة تغييب القواعد التي كانت نتائجها كارثية على حركة الإسلام “السياسي” في السودان.  فإذن ، الوعي الشعبي أصبح طاغياً ويحول دون تنفيذ أي قرارات فوقية ، وبالتالي فإن عقلية تتجاهل هذا الوعي لن يكون النجاح حليفها في أي صعيد.

    وأما المقوم الثاني فهو ممارسة السياسة من أجل الخدمة بدلاً من ممارستها للاسترزاق. والفرق بين الاثتنين شاسع جداً. فمثلاً في البلدان المتقدمة يتم اختيار الشخص لشغل منصب سياسي وفق شروط محددة من ضمنها أن يكون هذا الشخص ناجحاً في حياته الشخصية. بمعنى أن له بيت وسيارة ومصدر ثابت للرزق. بحيث لا تشكل الوظيفة الرسمية مصدراً ريسياً للرزق حتى لا يكون أسيراً لها. كثير من الوزراء لا يغير بيته ولا يتخلى عن استخدام سيارته الشخصية ، ومتى ما استقال أو أقيل من الوظيفة الرسمية رجع لحياته الطبيعية كأن شيئاً لم يكن. ومن هنا فإن القاعدة في المجتمعات المتطورة أنه إذا أراد الشخص أن يكون غنياً فعليه بالعمل في القطاع الخاص. ما يحصل عندنا هو أن السياسي يتخذ الوظيفة العامة ملكاً خاصاً ويستبيحها كما استباح مسؤوله المباشر موقعه كذلك، فتصبح الدولة كلها مستباحة. المسؤول السياسي عندنا يتخلى عن ذاتيته ويذوب في شخص مسؤوله الأعلى خوفاً على مكتسابته المادية فيكون طائعاً منقاداً ولا يقول إلا ما يشير به المسؤول الأعلى. هناك أمثلة لكثير من الحالات يكون فيها الشخص ساكناً في بيت إيجار متواضع وفجأة يتم تعيينه مسؤولاً كبيراً وبلمح البصر يجد أمامه سيارة فارهة له وأخرى لبيته وأخرى للخضار وقصر فاره وخدم وحاشية وتعليم مجاني لأولاده وسفر إلى الخارج وما إلى ذلك … !!! كيف تتوقع لمثل هذا الشخص أن يقول رأياً قد يُفقده كل هذه الامتيازات التي لم يرها في الحلم؟ من الطبيعي أن نتوقعه يتحول إلى كلب حراسة لولي نعمته ينافح عنه بكل ما أوتي من قوة.

    إذا أردنا ممارسة ديمقراطية حقيقية لابد أن يكون المنصب السياسي متاحاً عبر التصعيد من خلال القواعد الشعبية ، حتى يكون للمسؤول المصعد شعبياً قدر من الاستقلالية التي تمكنه من التعبير عن ذاته ولسان حال قواعده الشعبية ، بدلاً من أن يكون معيناً تعييناً فوقياً تجعله عالة على الدولة ومؤسساتها. وأن يكون ناجحاً أصلاً في حياته الشخصية حتى لا تصدمه الوظيفية الرسمية.

    وأما المقوم الثالث فهو تغيير الثقافة السياسية من ثقافة الأيديولوجيا والشعارات الرنانة إلى ثقافة خدمة المجتمع. فالحزب السياسي يقدم برنامجه السياسي إجابة عن أسئلة يطرحها رجل الشارع العادي حول الخدمات الأساسية صحة وتعليم وسكن وعيش كريم كبقية الشعوب. ومن خلال تغيير الثقافة السياسية إلى ثقافة خدمية تأتي معها ثقافة القيم والمثل العليا للمجتمع استناداً إلى عقيدة المجتمع وموروثاته. ومن هنا سيتغير التدافع السياسي ، فبدلاً من أن تهدم ما يبنيه غيرك – كما هو الحال اليوم – تبني أفضل مما يبنيه غيرك. وبسيادة ثقافة البناء والتعمير على ثقافة الهدم والتدمير يكون التفاضل بين أفراد المجتمع قائماً على أساس من يملك المهارات الأفضل للبناء بصرف النظر عن لونه أو قبيلته أو حتى دينه. إذن ، يكون هم بناء الدولة وتقديم أفضل الخدمات هو العامل المشترك بين كل القوى السياسية ، وبالتالي لا يحتاج الحزب الحاكم أن يحتكر المؤسسات طالما أن على رأسها من يملك المهارات اللازمة ، ولا يحتاج المواطن أن ينافق لينال حقه الطبيعي الذي ينبغي أن توفره له الدولة بلا شروط ، ولا تحتاج الجماهير أن تعطل الإنتاج من أجل أن تحتشد للتصفيق استقبالاً لمسؤول زائر ، ولا يحتاج الموظف العادي أن يتودد لمسؤوله الأعلى خوفاً على منصبه طالما الكل منضبط بالنظام.  

    وأما المقوم الأخير فهو أن يتولى صدارة المشهد السياسي القادم قيادات شابة أكثر استيعاباً لمتطلبات العصر ، على أن تبقى القيادات العريقة في الصفوف الخلفية لتقديم المشورة إذا لزم الأمر. ذلك أنه من الأفضل أن يتولى الشباب زمام القيادة في حضرة القدماء حتى إذا ما حصلت أخطاء يمكن تداركها وبثمن أقل بدلاً من تكون باهظة الثمن إذا رحل الكبار دون تسليم السلطة للشباب. هذا فضلاً عن أن إمكانية استفادة الشباب من أخطاء الكبار واردة بصورة أكبر.

    هذه المقومات الأساسية لممارسة سياسية رشيدة وهي الضامنة لتغيير المشهد السياسي إلى الأفضل وإلى الأبد بإذن الله ، بصرف النظر عن مآلات مخرجات الحوار الوطني.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً